نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
فضائح شهود العيان في سوريا

من أطرف ما أفرزته الأحداث المفبركة الأخيرة التي وقعت في سوريا هي ظاهرة شهود العيان التي أصبحت نكتة يتندر عليها معظم السوريين، ولاسيما مع تساقطهم الشنيع وانكشافهم الواحد تلو الآخر وفي مختلف المحافظات السورية. ومن "آيات"، شهود الزور، وسبحان الله وهو على كل شيء قدير، والتي -الآيات- باتت معروفة للجميع، هي أي يرى الشاهد العيني المزعوم الموجود في حمص، مثلاً، ما يجري في شوارع درعا، وشاهد من أقصى الشرق السوري، مدينة الحسكة مثلاً، التي تبعد حوالي الألف كيلو متراً عن اللاذقية، ما يجري في "زواريب" هذه المدينة، وتحديداً، وانتبهوا رجاء، يوم الجمعة وبعد الصلاة فقط، وينقل ذلك لقنوات الدجل الشامل، من أمثال الجعيرة، و"البعيرة" والـ" ولي. ولي. ولي وأخواتها.

 وشهود العيان يا طويلي العمر، هم أشخاص تدربوا، وعلى مدى خمس سنوات فائتة، في حلقات بحث، وندوات، ومؤتمرات، وورش، كانت تجري في صربيا، ودول أخرى، وقد تلقيت، شخصياً، عدة دعوات لحضور مثل هذه الندوات والمؤتمرات المزعومة، وكان عنوان إحداها: "كيفية إسقاط الأنظمة الشمولية في المنطقة"، وكان من يدعى إليها من يسمون نشطاء وكتاب "على أساس"، مع تدريب مواز ومنفصل من قبل آخرين على القنص، والقتل، وافتعال الأحداث، واستغلال التجمعات كالصلوات، وعمليات التخريب والتدمير، وهم ما عرفوا فيما بعد بـ"الثوار"، وهناك مجموعات أخرى منفصلة كانت تتلقى تدريباً خاصاً حوا استخدام الشبكة العنكبوتية للتحريض والتواصل والاتصال وتنزيل التيوبات المفبركة، وكانت بعض الشعارات تصاغ سلفاً في تلك المؤتمرات ويتم الاتفاق عليها وعلى نجاعتها، وأشهرها شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، تمت فبركته في هذه الندوات والمؤتمرات.

 ولإتمام العملية كان يلزم شهود الزور، عفواً، العيان، موبايلات خاصة "الثريا"، اعترف المدعو هيثم المناع،"الناشط الحقوقي"، فقط في سوريا، بإدخالها إلى سوريا، في تصريح علني للبعيرة، والجعيرة، والعقيرة. وللتهرب من المهنية الإعلامية وموضوعية وصدقية الخبر وتوثيقيته، وتأكيداً على الفبركة الإعلامية المسبقة، تم اللجوء إلى بدعة "شاهد العيان"، وبافتراض أن سورية لا تسمح للبعيرة والجعيرة بتغطية الحدث "الثوري" في سوريا، وكأن المصداقية والمهنية والحياد "تشرشر" شرشرة من هاتين القناتين التي مسحت سمعتهما بالوحل والسخام والتراب وانكشف خواؤهما وبؤسهما، ما حدا بإعلامي عريق وكبير للتنصل من هذه الفضائح، وقصة بن جدو معروفة للجميع ناهيك على عشرات العثرات والسقطات المهنية التي لا تخفى على طفل صغير وتم فضح ذلك كله لاحقاً.

 من خلال عملي، وتجربتي المتواضعة بالإعلام، وحين الإعداد لأي برنامج كنا نجهد بالحصول على مشارك ملم بالموضوع، ومتهيئ له، ويستطيع الكلام عنه، لاسيما حين يكون الحدث طارئاً وسريعاً، ومباغتاً، لكن ها هنا ومع وجود شهود الزور المفبركين، والمعلبين، والمصنعين والمعدّين والجاهزين سلفاً، وبيدهم أجهزة الثريا "تبع" المناع ما غيرها، فلا مشكلة على الإطلاق، وبحضور أيضاً ممثلة بارعة، عفواً شاهدة عيان مثل "أم محمد" التي كانت تبكي بطريقة اصطناعية واضحة، لكنها وللحق ناجحة، وتحسدها عليها نجمات هوليود الشهيرات. هل "أم محمد" هذه ببراعتها التمثيلية الفائقة، هي محض صدفة؟ بمعنى هل من السهولة أن نجد "امرأة" عادية متواجدة بين الجموع تشهد وتنقل على الهواء مباشرة، كأية صحفية إعلامية خبيرة، حدثاً أمنياً خطيراً، وهي تحمل هاتف "ثريا"، وتنقل ذلك كله بتفاصيل دقيقة، ومهنية إعلامية ظاهرة يعجز عنها يسري فودة، ومحمد العلمي، وحافظ الميرازي، وأكرم خزام، وهم من نجوم الجزيرة "السابقين"، وكل ذلك من دون إعداد ولا تجهيز وبمحض الصدفة تتصل "أم محمد" بالجعيرة و"يعلق" الخط معها على الفور، ويا لمحاسن الصدف، وتنقل لنا الحدث مع دموع تدمي الحجر؟ جربوا وحاولوا الاتصال بأي من هذه القنوات مثل ما تفعل أم محمد وشهود العيان وإن ردوا عليكم "أبقوا قابلوني يا رجالة"!!

 فبعد أن يرتب لموعد المظاهرة السلمية، ويحدد، وتصوروا، موقعها، وموعدها وعدد المشتركين بها ويكونوا بعشرات الآلاف هكذا، "أين العفوية في ذلك"، يكون شاهد الزور، أيضاً، بالانتظار على التلفون ليؤدي دوره في العملية، وهو يتقن العربية ويعرف، وبمحض الصدفة، كيف يحول الصورة والمشهد إلى تقرير صحفي مستوف للشروط المهنية (هذه لوحدها تحتاج لدراسة أربع سنوات في كليات الإعلام والصحافة ومع ذلك قد لا يحالف الطالب النجاح ليصبح مراسلاً ميدانياً ناجحاً)، وشاهد الزور هذا يعرف، ويعرف أيضاً، وأيضاً، كي يتعامل مع الميكرفون، والمذيع والمذيعة، وكيف ومتى يتبادله معهما، ومتى يرفع من نبرته، ومتى يضفى مؤثرات خاصة و"ذموع" (مشهد غوار مع البدوي في غربة). ومن أطرف شهود الزور الذين تم القبض عليهم مؤخراً هو "الناشط" محمود عيسى، وفعلاً ناشط، لأنه كان يتنقل من حمص إلى بانياس، إلى درعا، واللاذقية، وهو جالس في بيته في حمص لم يبرحه، إلى حين تم رصد حركاته المريبة، وأصوات المؤثرات الخاصة التي كان يضفيها على المشهد من جهاز منفصل، ويرتفع صوتها لتصل الجيران (أي ذات الشعارات التافهة وأصوات العويل والرصاص التي كانت ترافق التقرير)، وأبلغ عنه.

 وشاهد آخر كان يترك زملاءه كل نصف ساعة في مكان العمل ويصعد إلى السطح لينقل شهادته مدفوعة الأجر ويعود لعمله ما لفت انتباه زملائه الذين راقبوه وقبضوا عليه متلبساً وتم تسليمه لسلطات الأمن. ومن أطرف ما حرر شهادة أحد النشطاء الذي قال في اتصال مع الجعيرة بأنهم "قالولوووووو" بأن مظاهرة تجري الآن في السلمية وهو كان يتكلم من اللاذقية التي تبعد حوالي 250 كم خط نظر عن السلمية. من يتذكر، ها هنا، خليفة خلف الله خلف خلاف المحامي الشهير في مسرحية شاهد ما شفش حاجة؟ وبالأمس فقط كانت هناك جمهرة و"هيصة" أمام منزل كنت أزوره في جديدة عرطوز (15 كم عن دمشق)، وحين سألنا عن السبب قالوا لقد قبض على شاهد زور وهو ينقل شهادته العينية عن "تظاهرة"تجري درعا، من المعروف أن جديدة عرطوز هذه لم تشهد أية تظاهرة لا سلمية ولا حربجية من مثل تظاهرات "أبو نظير" الذي قبض عليه في اللاذقية.

المهم، يبدو أن سلطان الأمن السورية، باتت، وعبر أجهزة، وتقنية معينة من تتبع هواتف الثريا بالتالي القبض على عشرات شهود العيان أو الزور السوريين، ولكن السؤال لماذا إذن يستمر شهود العيان بالخروج علينا؟ والجواب أنه من السهل جداً الاتصال بشاهد عيان من كولالامبور للتكلم عن "تظاهرة سلمية سلمية" في معرة النعمان؟ أليس هو على كل شيء قدير؟ والآن اسمحوا لي بنقل شهادتي الحقيقية، وكما رأيتها بأم عيني، ولكن ليس بصفتي شاهد عيان من "إياهم"، ولكن كعابر سبيل مر يوم أمس السبت بست مدن سورية كانت الحياة تسير فيها على رائع وسليم وهادئ، وغير ما تحاول نقله وتصويره "الجعيرة وأخواتها"، حيث انتقلت من اللاذقية، مروراً بجبلة، وبانياس، وطرطوس، وتلكلخ، وحمص، والنبك، ودير عطية، وحرستا، ودوما، مروراً بالعاصمة دمشق التي كانت تنضح بالحيوية والحركة والحياة والناس مقبلون فيها على ممارسة نشاطهم المعتاد، دون ما يعكر صفو هذا المشهد الرائع المعتاد، ومن ثم مررت بالمعضمية وجديدة عرطوز وصولاً إلى قطنا حيث عقلت "ناقتي" التكنولوجية هناك. وكل هذا المدن على طريق عام واحد تقريباً وأبناء سوريا يعرفون الخارطة الطرقية لهذه المدن المذكورة وأنها تقع على مسار وطريق واحد، وأن أي مشهد "ثوري"، ولا سمح الله سيلفت نظرك. وكلها، ويا لمساوئ الصدف، ويا لخيبة أمل "الثوار"، ومن يقف وراءهم، كانت هادئة، هانئة تنعم بالهدوء والاستقرار.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز