خالد حسن
kh_ho77@hotmail.com
Blog Contributor since:
12 March 2011



Arab Times Blogs
يوميات سجين داخل سجن طره 2

فُتحت الزنازين وخرجتُ الى فناء السجن قاصدا ذلك المكان البعيد بطرفهِ والذى تعودنا أن نجلس به بعيدا عن الضجيج والمشاحنات , أرى أصدقائي جالسين به , دعوني أعرفكم بهم :

عم سلامة   رجل طيب , كان يعمل بهيئة السكك الحديدية ككاتب حتى بلغ السادسة والخمسين من العمر , له ابنتان أكبرهما تخرجت من كلية التجارة ولم تجد عملا منذ تخرجها والصغرى مازالت تدرس في عامها الثاني بكلية الآداب , لعلكم تسألون الأن لماذا دخل عم سلامة السجن؟ إنها زوجته , أصابها مرض عضال ولأنه لا يملك وساطة ليستخرج لها قرارا بالعلاج على نفقة الدولة وبعد ما ضاقت به السبل , أغواه الشيطان فحاول سرقة أحد المحال بالإكراه ولكنه فشل وحكم عليه بالسجن خمسة عشر عاما .

جمال     شاب صعيدي من محافظة قنا , ترى به شهامة ورجولة الصعيديين , أكبر أبناء أسرة فقيرة يعمل ربُها بالزراعة , أنهى جمال تعليمه الفني وأراد أن يهرب من حياة الفقر سريعا , فعمل بتجارة تهريب السلاح وقُبِضَ عليه , والآن هو يقضى عقوبة السجن لإثنى عشرة عاما , يتمتع جمال بصوتٍ عزب ويحفظ الكثير من مواويل وأشعار الصعيد الجميلة , وللحق فإن صوته ليؤهله للعمل بمجال الغناء وكثيرا ما هونَ علينا ضيق السجن بمواويله وأغانيه .

على    فنان شاب تخرج حديثا من المعهد العالي للفنون المسرحية , ثوري بطبعه , ينحدر من أسرة متوسطة المستوى , وصلت به ثوريته إلى عنانها بأحد العروض المسرحية وتخطى حدود الرقابة بشأن رئيس الدولة , ومن سوء حظه أن العرض كان مسجلا فوجِهَت له تهمة إهانة رئيس الدولة وحُكِم عليه بالسجن خمس سنوات , يتمتع على بروح فكاهية تجذب الأنظار , حتى في أحلك المواقف لا يتوانى عن إطلاق النكات .

وليد     شاعر شاب , ينتمى لإحدى الأسر ميسورة الحال , انضم منذ عامين لإحدى التيارات المنددة بنظام الحكم والتوريث , ولعذوبة أشعاره وروعتها أصبح القاسم المشترك في كل ندوات تلك الجماعة وانتشرت أشعاره على صعيد المعارضين وبالطبع لم يسلم من مكائد أمن الدولة فلُفِقت له قضية تعاطى مواد مخدرة وحُكِمَ عليه بثلاث سنوات من السجن .

اقتربت من أصدقائي وها هم تعلوا ضحكاتهم

-         يا ترى إيه اللي بضحكُم كده ؟

-         جمال    "  طب جول إيه اللي ما يضحكش من إمبارح , دانا صوتي ضاع يابوى من الغنا للبهوات طول الليل "

-         وليد    "  "وتلك الايام نداولها بين الناس" صدق الله العظيم , دولة ظلم وأزالها الله بأيدى الناس البسطاء , الم تسمعوا صفوت الشريف وهو يقول نحن راسخون راسخون !!! كم أتمنى أن أسمعه الأن يقولها في السجن " .

-         على    " هتسمعه يا وليد وهو بيقول نحن الأن وسخون وسخون "

-         مش هتبطل تهريج يا على ابدا.

-         عم سلامة     "  بيقولوا فيه ناس كبيره تانيه  جايه اليومين الجايين "

-         وليد    "  هو انت فاكر يا عم سلامه ان حبيب العادلى وجرانة وأحمد عز هم بس الحرامية ؟ دول أولوف يا عم سلامة واللى جابوهم دول بس البداية ".

-         عم سلامة     " سبحان الله حد كان يصدق إن الناس دي تدخل السجن ؟ دا أنا سمعت إن أحمد عز كان عنده موظف عشان يقلَّعوا الجزمة ويلبسهالوا !!!"

-         على      " شفت بقى يا عم سلامة إن الموظف الغلبان ده حاله أحسن من عز دلوقتى , هو قاعد وسط عياله مرتاح البال وأحمد عز لِبس أكبر خازوق في حياته " .

-         جمال    " لِبسُه عفريت لما ينططه , دا خلَّا الحديد نط لِفوج ووصل تمن تلاف جنيه , لا خلّا فيه حد يبنى ولا حد يتجوز , بس هُمّا يبنوا في منتجعات وفِلّات ويهيصوا وإحنا ناخُد بالجذمة , والله لو يحكِموني عليه لجعده على خازوج حديد مكتوب عليه عز الدخيلة "

-         يا جمال يا حبيبى مش بس الحديد , بلدنا كانت متقسمة عليهم في كل المجالات , يعنى الأسمنت ليه محتكرين والأسمدة ليها محتكرين ومستوردين الأغذية واللحوم محتكرين والبترول بيتباع  للمحاسيب , دي كانت تكية ومنهوبه .

-         وليد    " ده كُلُه كوم يا جماعه واللى كان حبيب العادلى وكلابه بيعملوه كوم تانى , كام واحد مات في الأقسام ؟ كام واحد إعتقلوه  وعذبوه عشان قال رأيه بصراحه ؟ كام بريء اتظلم وشال جريمة معملهاش ؟ وفى المظاهرات بيقولوا ان ضباطه وعساكره ضربوا رصاص حي على المتظاهرين" .

-         انا عرفت انه مات اكتر من أربعمائة  شاب والمصابين بالألاف .

-         وليد    " عرفت منين يا ماجد ؟"

-         سمعت في الفضائية المصرية .

-         وليد ضاحكا     " إضرب الأرقام دي في اثنين يا ماجد ولا انتا مش عارف تليفزيونا ؟"

-         عندك حق , شفت وقت المظاهرات كانوا بيقولوا إيه ؟!!! بضعة آلاف في ميدان التحرير !!!! ومصر كلها كانت في الشوارع .

-         على       " سيبكم من كدبوا علينا في إيه ما هما طول عمرهم بيكدبوا , المهم إخوانا الجداد مش هيطلعوا بقى عشان نتوانس بيهم ؟"

-         اكيد مش هيطلعوا النها رده , عموما كده ولا كده هيطلعوا ويأنسونا , اصبروا بس لبكره .

-          

عدنا الى زنازيننا ولأول مرة نشعر ان غدا سيكون مختلفا , اصبحنا ننتظر مرور الوقت ليحمل لنا الجديد من الاحداث .

 

الى لقاء غدا لنستكمل ما بدأناه







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز