مضر زهران
mudar_zahran@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 May 2010

خبير اقتصادي وكاتب -باحث في درجة الدكتوراة مقيم في لندن

 More articles 


Arab Times Blogs
استثناء ملك الاردن من الزفاف الملكي البريطاني... ليس مجرد صدفة

حبس العالم انفاسه يوم الجمعة، 29 ابريل 2011، وهو يشاهد حفل زفاف اسطوري للأمير وليام  حفيد الملكة اليزابيث من كاثرين ميدلتون، ذات الجذور المتواضعة والمنحدرة من الطبقى الوسطى. الحفل كان عرضا مسرحيا اسطوريا يصعب محكاته في الواقع ويستحيل تقليده بالفن، مع كثير من مظاهر التواضع التي كانت أثارت الاستغراب لدى الكثيرين ، وخاصة مواطني العالم الثالث الذين شاهدوا الحفل عبر شاشات التلفاز. ولعل ابرز مظاهر التواضع كان المواكب الملكية التي اقلت العروسين وذويهما، فالسيارات ومظاهر الابهة المصاحبة وغيرها لم تكن ترقى لاقل ما يرضى به اي من حكام الكثير من الدول الفقيرة، وبلا ريب هي اقل من اي مواكب يتمتع بها اي من دكتاتورات العرب.  بل أن أقارب العروسين تم نقلهم الى الحفل بواسطة حافلات متواضعة وبأعداد كبيرة، مثل هذا الأمر غير مسموع به في دول العالم الثالث، التي كان الكثير من حكامها حاضرون في الحفل، حتى أن دعوة هؤلاء جلبت الكثير من اللوم على الأسرة الملكية البريطانية، مما دفع ولي عهد البحرين على سبيل المثال، أن يجنب الملكية البريطانية بعض الاحراج بأن إعتذر عن الحضور بعد ان أثيرت حوله الجلبة من قبل الكثير من الناشطين البريطانين بسبب قمع حكومة البحرين للمتظاهرين.

 

إلا أن ما يثير الغرابة فعلا هوغياب ملك الاردن، عبدالله الثاني، وزوجته الملكة رانيا، حيث خرجت القائمة الاخيرة بالمدعوين من القصر الملكي ونشرتها الصحافة ولم يكونا من ضمن المدعوين. قد يرى الكثيرون هذا الامر عاديا، حيث أن رئيسي حكومة بريطانين سابقين، توني بلير وجوردون بروان، لم يكونا ضمن قائمة الحضور، إلا أن الأمر يختلف كثيرا بالنسبة للملك الأردني.

 

فملك الأردن هو حاكم مطلق لدولة صغيرة وفقيرة، لا تتمتع بالموارد الضخمة التي انعم بها الله على أقرانه من الحكام العرب. كما وأن ملك الأردن يعيش حالة فريدة في الحكم، حيث أن أسرته لا تنتمي للبلاد التي تحكمها، فهم طارئون على الحكم جائوا إلى البلاد عام 1920 بدعم الإمبراطورية البريطانية. وهم كذلك يرتكزون في سيطرتهم على الحكم على قوة عسكرية شاملة أغلب إفرادها من البدو الشرق الاردنين، والذين يسيطر بهم الهاشميون على الاغلبية الفلسطينية  المستثناة من الحكم والمعزولة عن كافة موارد البلاد والمنصاب الحكومية والعسكرية، مثل هذا النموذج المبني على الفصل العنصري الإثني وسيطرة أقلية محدودة على الحكم، إنما يحاكي تماما نمط الحكم في مملكة البحرين التي اجبر ولي عهدها على الإعتذار عن الحضور، فملوك البحرين هم ايضا أقلية سنية يعتمدون في الحكم على العنصر السني في السيطرة على الاغلبية الشيعية المقموعة في البلاد. وتماما، كما الشأن في البحرين واجه الاردن الإحتجاجات السلمية لموطنيه بالقمع والقتل عند الضرورة.

 

إلا أن شأن  إستثناء الملك الأردني عن الحفل هو أشد تعقيدا من شأن غياب ولي عهد البحرين، فالوضع القائم في الاردن وهشاشاة نظام الحكم وفقره جعله يعتمد إعتمادا جما على العلاقات العامة وعلى بناء صورة لامعة براقة له في العالم بكونه نظاما حديثا إنسانيا مواليا للغرب، بل وصل الامر به احيانا إلى رسم صورة كونه نظاما ديمقراطيا و ملكيا دستوريا كما حال الملكية الدستورة البريطانية، رغم كون النظام الهاشمي الأردني كل شي ما عدا ذلك، فهو نظام ملكي مطلق لا يتمتع فيه البرلمان بأي صلاحيات حقيقية ولا يوجد فيه حرية للرأي والتعبير وفوق ذلك فـإنه يستثني اغلبية مواطنيه الفلسطينين (على الطريقة  الابارتيد في جنوب افريقا سابقا) من كافة مناحي السلطة والتعبير الحر أو التمثيل السياسي العادل.

 

هذه الصورة الوهمية التي يحاول النظام الهاشمي بنائها لنفسه كان من ابزرها مناحيها تكوين علاقات شخصية وخاصة مع الرؤساء وصانعي القرار في الغرب، فكان الملك عبدالله الثاني أكثر الحكام العرب زيارة للبيت الابيض، بل أنه كان أول رئيس دولة يجتمع بريئس الوزراء البريطاني المنتخب حديثا عام 2010  ديفيد كاميرون.  بالطبع، فإن إجتماع الملك الأردني مع هؤلاء هو أمر ضروري ومفيد له، خاصة وأن مملكته قد تحولت إلى ثقب أسود لامتصاص المعونات المالية الغربية التي ما تفتأ تختفي بشكل غريب عند وصولها، إلا أن الطريقة التي يتعاطى بها إعلام الملك المسيطر عليه بشدة من الأجهزة الأمنية الأردنية، يظهر كم هو الملك يأس للحصول على الإهتمام الغربي. فالمتصفح لإعلام الملك يجده يصف الرؤساء الذين يجتمع بهم على "أنهم أصدقاء شخصين له"، وبأنهم "يستشيرونه في شؤون الشرق الأوسط"، وبان الملك "لاعب دولي مهم" وبأن الأردن هو" بيت قوة دولي".  وإن كانت هذه الأوصاف شبيهة بكل تلك الأوصاف التي يخلعها إعلام الديكتاتورات العرب عليهم، إلا أن ملك الأردن يبدو أكثر عاطفية وتشوقا في لعب هذا الدور الموصوف في إعلامه، حتى أنه قضى أغلب مدة الخمس سنوات الأولى من حكمه في زيارة كافة رؤساء دول العالم، الذين يصفهم إعلامه على أنهم "أصدقاء جلالته الممتنين".

 

 حب عبدالله الثاني للظهور والبروز ليس جديدا، حيث أنه تمكن عام 1996 من الظهور لعدة ثواني في مشهد تمثيلي صامت في إحد حلقات مسلس ستار تريك الخيالي الامريكي. إنفلونزا الشهرة هذه تمكن الملك على ما يبدو من نقلها إلى زوجته الفلسطينية، الملك رانيا، والتي ما تفتأ متنقلة بين الشاشات الدولية المهمة، من الظهور على برنامج اوبرا إلى الظهور مع المذيع الشهير لاري كنج، وهي أيضا معروف عنها الحفاظ على قربها من النجوم العالمين، سواء كانت كارلا بروني، زوجة الرئيس الفرنسي، أو فرقة يو تو، فالجميع  سيجد نفسه مرغوبا ومطلوبا من الملكة وزوجها، وتماما كما الحال مع الملك، تمكنت رانيا العبدالله من تكوين خط كلامي او منحى فكري تخاطب به العقل الغربي بما يحب أن يسمع من الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في حين أن معظم مواطني الأردني يقبعون في الفقر والقمع والتهميش، وفي حين كان التعذيب في مراكز الشرطة "أمرا إعتياديا" كما وصفها أحد تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش، بل أنها تتحدث كثيرا عن حقوق المرأة والطفل في حين أن الأردن يمنع الأردنيات من اصل فلسطيني، وهن الغالبية، من منح الجنسية لابناءهن من غير الأردنين.

 

إلا أن تسونامي التغيرات السياسية والثورات الساحقة الذي يطغى على الشرق الأوسط قد اخذ يكشف الحقيقة للكثيرين، مما لم يدع من مجال للمجاملة من قبل الدولة الغربية التي تعرضت للكثير من الإحراج بسبب علاقتها مع دكتاتورات عرب. وفي هذا الحال، كان الملك عبدالله الذي لا يملك النفط ولا العمق السياسي هو الحلقة الأضعف على ما يبدو.

 

قبل أشهر، لم يكن ربما هناك من زعيم عربي أكثر احتمالية  لحضور حفل الزفاف الملكي أكثر من الملك عبدالله، فالملك هو المواطن الأنجليزي الوحيد غير الملكة اليزابيث الذي يحمل صفة رئيس دولة، فوالدته الأنجليزية، توني غاردنر، منحته تلك الجنسية، إضافة إلى أن الرجل عاش طفولته وشبابه مع والدته المنفصلة عن والده  في منطقة سوراي الفاخرة على أطراف لندن، واستمر ذلك الحال حتى نضوجه،  بل أنه كان قليلا ما يزورالأردن، فلم يتعلم الحديث باللغة العربية إلا عندما فاجئه ولاده بتوريثه العرش عام 1999، فما من شيء غير إنجليزي في الملك عبدالله إلا ربما وسائله القمعية في الحكم. أضافة إلى هذه الحالة الملكية الفريدة للرجل، فإن، الأردن كان جزءا من الإمبراطورية البريطانية وبالتالي فإن دعوة الرجل هي أكثر إقناعا من حضور ملك مملكة سوازيلاند في جنوب القارة الإفريقة. كذلك، فإن العروس، كاثرين ميدلتون، كانت قد عاشت في الاردن وهي طفلة، حيث كان والدها يعمل، بل و يروى عنها أنها تتحدث بعض العربية التي تعلمتها في صغرها. لكل ذلك، فإن أبسط المنطق يحتم أن يكون الملك الأردني وزوجته قد تلقيا دعوى أو على الاقل تم إعتبارهما لأجل دعوة لحفل الزفاف الملكي ولكن تلك الدعوة لم تكن قد صدرت حيث أن القائمة الرسمية للمدعوين و المنشورة بتاريخ 23 ابريل 2010 لم تورد اسم الملك الأردني، رغم أنها أوردت اسم معظم رؤساء الدول التي كانت يوما جزءا من الإمبراطورية البريطانية.

 

كذلك فإن جريدة نيوز اوف  ذا ورلد  نشرت عن  من وصفته "بمصدر مقرب للملك" بأن الملك قد اصدر دعوة للعروسين الملكين بقضاء شهر عسلهما في قصره المحصن في مدينة العقبة، ميناء الأردن الوحيد، ناسبة للمصدر"المقرب للملك" قوله : "إن جلالة الملك قد كان مقربا من العائلة المالكة البريطانية معظم حياته"، ترى، لو تم اخذ كل ذلك في الإعتبار، فهل يعقل أن إقصاء الملك من الدعوة إلى الحفل الملكي الأهم في هذا القرن هو مجرد صدقة بروتوكولية، أم إنها مؤشر حقيقي بتراجع صورة الملك عند حلفاءه الغربين، خاصة وأن القرار بشأن المدعوين الأجانب كان القصر الملكي قد رفعه للإستشارة من وزارة الخارجية البريطانية  حيث نقلت وسائل الإعلام عن الناطق الرسمي بإسم قصر سانت جيمس، وهو القصر الملكي الخاص بالأمير وليام،  " بأن التقليد المتبع هو وضع قائمة بدعوة كافة  الملوك المتوجين للدول الأخرى ومن ثم رفعها لوزراء الخارجية للإستئناس بنصحها" مما يجعل وزارة الخارجية البريطانية هي الجهة المرجح كونها قد استثنت العاهل الأردني.

 

كذلك، فإن أحد الاحزاب الأردنية المعارضة للملكية، حزب الأردن الجديد (الذي انتمي إليه) كان قد ارسل رسالة للملكة اليزابيث ملتمسا فيها  سحب  أي دعوة بالحضور قد تكون وجهت الى الملك عبدالله. واصفين إياه: "بدكتاتور يدير نظاما قائما على الفصل العنصري ضد الغالبية من مواطنيه ذوي الاصول الفلسطينية" وبكون حضوره "تلويث لمناسبة ملكية مجيدة... وللصورة المشرقة لحفل زفاف ملكي نابع من مؤسسة ملكية دستورية طالما دعمت الديمقراطية والحرية" و أشارت رسالة الحزب، والتي أوصلت إلى قصر بكنغهام مباشرة، إلى أن الملك وقواته يقومون بقمع المظاهرات السلمية المطالبة بالاصلاح ما تسبب بسقوط قتيل على الاقل (في إشارة إلى أحداث دوار الداخلية)، إضافة إلى الممارسة اللامسؤولة بسحب جنسيات مواطني الأردن من اصول فلسطينية" و"بأن المؤسسة الملكية البريطانية لا يجب ان تبارك الديكتاتورية والأعمال اللا إنسانية ونظام الأبارتايد الذي يتم ممارسته من قبل الملك الأردني"

 

إلا أن المفارقة المضحكة هو كون بعض المواقع الأخبارية الأردنية، والتي تخضع لمراقبة وسيطرة دقيقة من قبل المخابرات العامة الأرنية، قد نشرت خبرا مفاده ان العاهل الأردني قد حضر الحفل هو وزوجته. 

 

من الواضح أن الملك الأردني لم يعد قادرا على إخفاء الوجه الحقيقي لنظامه، شأنه شأن كل الأنظمة العربية المتهاوية، إلا أن الملك الأردني هو الأقل قدرة في المنظومة العربية الحاكمة على أن يفقد  الرضى والبركات الخارجية وخاصة الغربية منها.  من يدري، فلعل هذا مؤشر قوي على ان التغيير في الاردن بات اقرب مما يتوقع الكثيرون.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز