حسن القيرواني
patchwork@altern.org
Blog Contributor since:
11 February 2011



Arab Times Blogs
يوم سقط الصنم

القاسم المشترك بين بني الإنسانية، مؤمنهم و ملحدهم ، هو ردود أفعالهم حيال الظلم و المعاناة النفسية و الجسديةالتي يتعرض إليها بنو الجلدة من أحفاد آدم. كلما انتقلت بسمعي بين موجات المذياع، المحلية منها و العالمية، إلا وجدتها تدندن حول موضوع استيقاظ بني يعرب من سباتهم العميق الذي دام عقودا طويلة. الفرق بين ما هو عربي من هذه الموجات و ما هو غربي هو فرق في التحليل الجوهري المستقبلي، العربي طرح التحليلات المستقبلية و النظرة الثاقبة الى صميم الأمر الجلل جانبا و ذهب يحتسي كأس "الشربات" على نغمات تقسيمات العود، أما العقل الغربي فبدأ يدقق في ما هو متوفر لديه حول النازلة بالنسبة له، يحلل كل فئة معارضة على حدة بدءا بالبعبع الأكبر الذي يرفع شعار "الإسلام هو الحل" نزولا إلى الطوائف الصغيرة التي يطلق عليها اسم الطوائف الطائشة "المؤقتة".

البساطة المفرطة للقول الفصل في تجاوز الأزمات الحالكة التي لا تخفى عن أي مفكر متعمق تجعل العقل المتزن يصور للإنسان الحلول الذاتيةالتي ترقى فوق المعجزات، بل حتى التفكير العقلاني المتزن يرمي الإنسان الى ساحة الميتافيزيقيا و سرادق الأحلام.

تهويل الأمور حول الأنظمة الديكتاتورية المتسلطة المتجبرة المتكبرة يبدو و كأنه تجاهل للأسئلة الكبرى في بنية الفكر البشري و تعقيداته. مصر التي كانت الى أمد قريب رمز للحكم بالحديد و السوط، نجدها كتابا مفتوحا لآستقراء الأجوية الكفيلة ببسط الكيف و طريقة استقطاب الكم.

الشباب رمزيته الإنتفاضية ضد أي ظلم قائمة و هي من سنن الله في كونه، و قد قيل:

أرني شباب أمة***أنبئك بمستقبلها

 رسول الإسلام محمدٌ صلى الله عليه و سلم قبل أن يلتحق بالرفيق الأعلى جعل القيادة الجهادية في يد شاب تربى بين أكناف النبوة، تشرب فهم الإسلام الصحيح، إنه الفتى أسامة بن زيد. هذا الشاب ولاه رسول الله صلى الله عليه و سلم القيادة الجهادية لفتح بلاد الشام و هو ابن ثمان عشرة سنة. في جيش أسامة نجد الكثير من كبار الصحابة و خاصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه و أمثاله. هذه هي تربية القرآن التي درست لأمثال هؤلاء في مدرسة محمد صلى الله عليه و سلم. أتصور لو كان مثل هؤلاء الشباب الإيماني اليوم- و استغفر الله أن يكون حكما عاما- في دولة عروبية اليوم لوجدته يتسكع في الشوارع، سادلا شعره على كتفيه، يهتز على نغمات "بوب مارلي"و يسبح في عالم ادخل فيه عقله عنوة، أو تجده يلبس الخواتم في اصابعه، من ذهب و عاج، و السلاسل الذهبية في عنقه كأنه عذراء تتزين لزوجها. حقيقة لا تميز بين كثيرهم هل هم من صنف النساء أم الرجال.

الشسباب الرمز و القدوة هم الذين اعتبروا أئمة لهذه الأمة في العلوم الشرعية و غيرها، مثل: عبد الله بن عباس حبر الأمة و ترجمان القرآن، حتى أن الكثير من كبار الصحابة و شيوخهم كانوا يغارون منه لغزارة علمه و دقة فهمه ورجاحة رأيه، و هو شاب من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

نجد أيضا من بين هؤلاء الصحابة الشباب الذين تقلدوا الوجاهة العلمية عبد الله بن الزبير و عبد الله بن عمر و عبد الله بن عمرو. هؤلاء العبادلة الأربع كانوا كلهم شبابا، نضيف إليهم سيدنا أبا هريرة الذي كان يكثر الشكوى للنبي صلى الله عليه وسلم -كما تحكي لنا كتب التاريخ- من العزوبة، و كان يرجوه أن يعينه على أمر الزواج، لكنه شغل نفسه بالعلم حفظا و استعابا و راوية و دراية و نشرا.

هؤلاء الشباب لما علموا انطلقوا بعلمهم الى الافاق لتأسيس حضارة علمية إنسانية مبنية على اسس ربانية في منتجع الدولة الإسلامية الفتية. الشباب هم رمز القوة إذن و عليهم المُعول، و نجدهم دائما هم عنصر النجاح في اي ثورة بعد القيام بأعباء التصدي و المدافعة السلمية و العنيفة إن دعت إليها الظروف. موقف القرآن الكريم حيال المعاناة الفردية و الإبتلاء الجماعي للأفراد و لأمم ليس سلبيا أو استقلاليا بل نجده في جميع مناحيه ايجابيا و ديناميكا فعالا و مؤثراً إلى أبعد ما يمكن للعقل البشري تصوره. القرآن يخبر الإنسان أنه لا بد من المعاناة في هذه الحياة الدنيا، و أنه لابد من الصبر و المصابرة و الثبات في الأوقات الشديدة و العصيبة، بل القرآن يدعوا إلى أبعد من ذالكم حيث يفرض على الإنسان التطلع إلى الأمام بحثا عن ما هو افضل وسيلة و تخطيطا لتحسين الأوضاع و تصحيح الأخطاء الموجودة.

في مصر سقط المئات من الشهداء زكاة الحرية و الإنعتاق من القبضة اللامباركة. لكنه يجب ان لا ننسى القومات التي مرت في تاريخنا الإسلامي و التي ذهب ضحيتها الآلاف، فالحرية ثمنها باهض و لا تقبل دونه عوضا، لا بد للحرية أن ترى أجسام فتية تتدفق منها الدماء و ارواحا زكية تزهق في سبيلها، فهي ليست سهلة المنال و تتطلب تحدٍيا كبيرا و كبيرا جداً. لكنه مع عظم البلاء يعظم الأجر، يقول الله تعالى:"  إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله "(البقرة:218)

و قول الله تعالى في سورة آل عمران:" أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين "( آل عمران:142) و قوله سبحانه و تعالى:" ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما "(النساء: 95-96)

و قوله عز و جل والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم" (الأنفال:74) ، و قوله تعالى:" ( لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم " (التوبة: 88-89)

هذا التدافع الذي تشهده البلاد و تزهق في سبيله أرواح العباد تدل على أن هذه الحياة الدنيا لم تخلق لتكون سهلة يسيرة، بل القرآن الكريم يعبر بأسلوب راقٍ جدا عن حقيقتها، و الإنسان يريد ان يغطي شمسها بالغربال و يسبح في فضاء يظن أنه سينجيه من نصبها. الحياة عقبة و اقتحام لا يمكن للمرء أن يتحاشاه ولو أراد ذلك بنفسه لما استطاع، يقول الله تعالى في سورة البلد: " لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ . أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ . يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا . أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ . أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ . وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ . وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ . فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ . فَكُّ رَقَبَةٍ . أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ . يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ . أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ . ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ".

تجد الكثير من بني جلدتنا يتعلل بتعليلات وهمية بمجرد أن يسمع أن الشعب قد انتفض في مكان ما، منهم من يرتكز على تخدير اصحاب العمائم، ديدان القراء الذي يبيتون بحمد سلطانهم يسبحون و على اعتابه يسجدون. و الشق الآخر يختبىء خلف مصطلحات الليونة و الرفق و الحوار و المداهنة الخ.

من تتبع الأخبار في الأيام القليلة السالفة فلا بد أنه قد وجد هناك فرق شاسع بين آراء المتمسلفين في نجد، حماة السَّعودة و شكيلاتها في المنطقة، و بين آراء العلماء الذي ذاقوا مرارة الظلم و طعموا سم العض و الجبر المسلط على رقابهم في أرض الكنانة و من قبلها أرض مالك الصغير.

الغريب في الأمر الذين يتشدقون بالثوابت الغير متغيرة نجدهم اليوم يميلون مع حاكمتهم السيدة أمريكا، بالأمس كانت الأحزاب السياسية حرام، و اليوم نسمع بميلاد أول حزب سياسي سعودي المسمى "حزب الأمة الإسلامي". كيف ينقلب الحرام حلالا مباحا بين عشية و ضحاها؟.

إن أي جواب هنا لا يمكنه إلآ أن يكون تصوريا، لأن العقل المنظبط بوازع الشرع لا يستجيب لهذا السؤال بشكل واضح، و قد يكون هناك العديد من المسوغات و الأسباب أكثر من أن يكون هناك منطلق منطقي لهذا التساؤل، لأن الكل يعرف الجواب عنه دون الخوض فيه بفلسفات مزركشة لجذب الأنظار إليها.

التحولات الكبرى و القومات و الثورات ضد الظلم، الإستبداد و المستبدين لابد أن تكون نتاج محاولات جماعية أو فردانية تخطط وفق نظام ضغط مدروس التنقلات من مرحلة الى مرحلة وفق معطيات تعري جسم الإستبداد و تطعنه من حيث لا يحتمي بدراع واقٍ.

لتصل هذه التفاعلات الى هدفها لابد من كوكبة في المقدمة، كوكبة متمرنة روحياو عقليا ووجدانيا و فكريا لتحمل الطعنات المرتدة و الهجومات الإظطرارية من الخصم المستبد، و هذا ما حصل في مصر و لم نراه كثيراً في تونس، و هذه الكوكبة يجب ان تبني منهجيتها وفق مبدأ التعاون و التسامح و التواضع و الصدق و الرفق، فكل ابن آدم خطاء و خير الخطائين التوابون...

إمكانية الترقي للوصول الى الأهداف المعلنة و الخفية التي تنجم عن كل محاولة انتفاضة كهذه تفوق مزية أن تقوم تكثلات سياسية لا تعدو أن تكون قزما في وجه الأنظمة المستبدة لترفع صوتها في وجه كل صغيرة و كبيرة ليبتَّ في كل شاردة و واردة من اسباب الخلاف بين الحاكم و المحكومين و بين الفراعنة و المستضعفين.

قد يكون هناك عامل آخر و هو أن البيئة المعاصرة قادرة على تقديم مكونات على مستوى من النقاء و الصفاء ترتقي لكي تكون شعلة البدء و حطب النار. و حتى المكونات السوسيوتواصلية تلعب دورها فقد طفحت على السطح الكثير من هذه المنتديات التي تجمع الكثير من ذوي الإهتمامات المشتركة دون أن يكون بينهم خط ايديولوجي واضح بالمعنى التنظيري بل همهم هو التخلص من القيود و الأغلال التي احاطها بهم المستعلون، نجد في الآونة الأخيرة الفايس بوك في اوج عطائه الثوري خاصة للمنطقة العروبية فبعدما لعب دورا في اسقاط الصنم في تونس و الفرعون في ارض الكنانة نجده ينفخ بالوناته لتنفجر في مناطق أخرى مرشحة للتصعيد و خاصة في اليمن و الجزائر و الأردن.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز