عاطف عبد الجواد
gawadaa@gmail.com
Blog Contributor since:
27 April 2011



Arab Times Blogs
نسيب عمر سليمان

عندما لبينا دعوة صديق في وشنطن احتفالا بمولد ابنته الاولى، لم نكن، انا وصديقي ابراهيم، نعلم ان الاحتفال سيكون ايضا تجمعا لبعض اسوأ نماذج الفساد المصري. سوف اترك لإبراهيم ان يروي قصته، ولكن هذه قصتي مع زوج ابنة الجنرال عمر سليمان، الرئيس السابق للمخابرات المصرية، ونائب الرئيس السابق حسنى مبارك لفترة ايام قليلة قبل الاطاحة السلمية بالرجلين.

حول مائدة في قاعة الاحتفال المغلفة بنوافذ زجاجية تطل على مدينة وشنطن من الطابق العشرين لعمارة سكنية ضخمة، دفعني الحظ السئ الى الجلوس، ومعي طبق المأكولات الشهية لكي استمع الى حوار يغلق الشهية. كان الحوار من نوع مألوف لدينا في الثقافة المصرية- العربية، وهو الحوار من طرف واحد. لعلنا جميعا نألف هذا الحوار الذي ينفرد به شخص واحد يعتقد انه الأهم والأعظم، وفيه يستغل الأدب الجم للحاضرين المتواضعين الذين ينصتون في صمت. سمعت الرجل اولا يكيل المديح والثناء المفرط للجنرال عمر سليمان الذي كان يطلق عليه لقب وزير في مصر. ولأني لست اسعى الى التشهير بالاشخاص فلن اذكر اسم هذا الرجل ، بل سأكتفي يذكر وظيفته في وشنطن لأن في هذه الوظيفة اكبر دليل على فساد الرجل، وفساد نائب الرئيس المصري السابق عمر سليمان.

قال الرجل الذي تحدث بصوت عال، ربما لكي يضمن ان صوته سوف يصل الى مسامع الجالسين حول الموائد الأخرى، إنه لا يفتخر في حياته بشخص او بشئ قدر افتخاره بوالد زوجته عمر سليمان.  واستمر يغني اغنية المديح بينما التزم الحاضرون الصمت ازاء فشخرة الرجل بحميه. ورغبة مني في المشاركة المهذبة وفي تحويل الحوار الى حوار متبادل و متعدد الاطراف، سألت الرجل ما إذا كان الجنرال سليمان تقاعد ام ما زال يدير المخابرات المصرية. رد الرجل بأن حماه تقاعد لأنه وصل الى منصب نائب رئيس الجمهورية وهو اعلى من منصب رئيس المخابرات.  بعد هذه الاجابة عاد الرجل الى الحوار من طرف واحد، فسمعته الآن يتحدث عن ديون مصر ويقول: "يا جماعة المديونية ليست شيئا سيئا." ثم أضاف: "انا حجة. هذا عملي وانا افهم ما اقول."

ارتطمت عبارة: "انا حجة" بأذني ووجدت في كلامه هذا دليلا آخر على انه ليس فقط من النوع المفرط في فشخرته، بل ايضا على انه ربما مصاب بأوهام العظمة والرغبة في الظهور وفي الاستئثار بالاهتمام.

مرة اخرى حاولت المشاركة الايجابية فقلت له: كلامك مضبوط ولكن بشرط توفر كريديت ريتنج Credit Rating جيد للبلد المستدين. لم يفهم الرجل اولا معنى هذه المصطلح الاقتصادي باللغة الانجليزية رغم اصراره على كونه  " حجة" في الاقتصاد.  طرحت عليه مثالا للتوضيح وهو ان الولايات المتحدة بديونها الهائلة شعرت بعبء خطير لهذه الديون بمجرد ان خفضت مؤسسة ستاندارد اند بور التقييم الائتماني، او الكرديت ريتنج، للاقتصاد الأمريكي. صاح الرجل بأعلى صوته: انت تقاطعني. انت قليل الادب. ثم انك تتحدث عن امريكا، بينما انا اتحدث عن مصر.  قلت له انا آسف على المقاطعة واعدك الآن بأن اتركك تنفرد بالساحة والميكرفون .. يا حجة.

انفعل الرجل وهاجت اعصابه وقال لي: انت تسخر مني؟ قلت: من الذي بدأ هذا؟ ورد الرجل: انت قليل الأدب.

تركته منصرفا بعد ان استأذنت من الحاضرين الآخرين وهو يصيح: مع السلامة. في ستين داهية.

زوج ابنة عمر سليمان يعمل رئيس المجموعة العربية في البنك الدولي. هذا ما علمته فيما بعد. هذا الرجل الذي يصف نفسه بأنه " حجة" تقلد وظيفة جذابة بمرتب كبير لا تستقطع منه الضرائب، لسبب واحد بسيط هو انه زوج ابنة عمر سليمان. هناك الاف الاقتصاديين المصريين الأكفاء والمؤهلين لشغل مثل هذا المنصب، ولكن زوج ابنة عمر سليمان هو الذي جاء الى وشنطن لكي يمثل مصر ( والعرب) في البنك الدولي.  وهل يعقل ان عمر سليمان ارسل زوج ابنته الى وشنطن لأنه  "الحجة " الوحيد في مصر؟

الجنرال عمر سليمان لم يتعرض حتى الآن لانتقادات او اتهامات بانخراطه في الفساد لسبب واحد وهو الطبيعة السرية لوظيفته ومهمته . فنحن لا نعلم اسرار المخابرات ولا العاملين فيها. ولكني اعلم امرين علم اليقين. الاول هو ان الجنرال سليمان بوصفه رئيس مخابرات حسني مبارك وصديقه الشخصي الحميم، كان بالضرورة على علم ودراية بدبيب النمل في مصر، وبكافة ممارسات الفساد في عهد مبارك. وكون الجنرال سليمان لم يتصد للفساد المتفشي يجعله ضالعا ،بحكم القانون، في ممارسات الفساد او التستر عليه. هذا فضلا عن ان وجود زوج ابنته في وظيفة في البنك الدولي دليل على المحسوبية والوساطة ومحاباة الاقارب واستغلال النفوذ والكوسة وخضروات اخرى.

لكن الجنرال عمر سليمان، ثانيا هو شريك ، بالضرورة ايضا، في التعذيب الذي تعرض له مصريون في سجون ومعتقلات اجهزة الأمن المصرية. وهو شريك بطبيعة مركزه الاستخباراتي للسي آي ايه الأمريكية في تنفيذ برنامج للمخابرات الأمريكية في عهد الرئيس بوش عرف باسم ( رينديشن). سأشرح معنى رينديشن في سياق الحادثة التالية: اختطفت المخابرات الأمريكية، قبل سبعة اعوام، امام احد المساجد في مدينة ميلانو الايطالية وهو المصري حسن مصطفى اسامة نصر، وشحنته في طائرة امريكية خاصة الى القاهرة، وهناك تسلمته المخابرات المصرية برئاسة عمر سليمان وزجت به في السجن بدون تهمة محددة او جريمة اقترفها الرجل الذي اخبر الصحافة العالمية انه تعرض للتعذيب في مصر. تكشفت الفضيحة عندما امرت النيابة الايطالية بمحاكمة ثلاثة وثلاثين شخصا من بينهم ستة وعشرون من رجال ال سي آي ايه برئاسة مديرهم في روما روبرت سيلدون ليدي، فضلا عن كيرنيل في القوات الجوية الأمريكية و اثنين من الشرطة السرية الايطالية. بسبب الفضيحة افرج عمر سليمان عن نصر. ولكن سليمان استمر ضالعا في تنفيذ برنامج ريندشن الأمريكي الذي ثبت انه ينتهك القانون الأمريكي، وهو البرنامج الذي توقف فقط مع انتخاب باراك اوباما رئيسا امريكيا.

الآن هل نسيب عمر سليمان؟

وهل نسيب زوج ابنته، احد المستفيدين بالفساد؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز