حسن القيرواني
patchwork@altern.org
Blog Contributor since:
11 February 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
على إيقاع الحزن... وتفجيرات مراكش

على إيقاع نغمات الأحزان تابعنا بأسى كبير و حسرة عارمة ما وقع البارحة في مدينة مراكش الحمراء. حدثٌ لا يمكن أن يُمَر عليه مرور الكرام ولا يمكن القفز عليه هكذا دون الوقوف على حيثياته و أسبابه، تجلياته و نتائجه.

مهما كانت الأسباب التي أدت إلى الهجوم على المطعم فلا يمكن إلا أن يقال أن هذا العمل جبان بكل المقاييس الإنسانية و الشرعية، و لا يمكن لعاقل أن يبرر ما اقْتُرف في حق أبرياء مهما اختلفت قومياتهم و انتماءاتهم الدينية.

و هكذا على حين غرة، و من المنعطف، و في خضم الحراك الشعبي الذي يشهده المغرب تخرج علينا فجأة هذه الحادثة المروعة البعيدة بكل مقاييسها عن التقاليد المغربية و رحابة صدر المغاربة بكل طوائفهم.

هؤلاء الذين يقومون بمثل هذه الأعمال  التخريبية الإرهابية يجب أن لا يعاملوا برحمة و شفقة، حتى هؤلاء الذين يحملون مثل هذه الإيديولوجيات المسمومة يجب ان يصلبوا و تقطع أرجلهم وأيديهم أو ينفوا من الأرض إلى جبال تورابورا بعيدا عن المدَنِيَة و الحضارة التي لا يقبلون العيش فيها.

إنني في الحقيقة أمانع دائما في محاكمة الفكر الإيديولوجي، لكن عندما نرى ما يُوصلنا إليه الفكر المتحجر أيا كان منبعه فلا بك من الوقوف وقفة فيهاغلظة لسد الطريق على هذه الكائنات التي تأبى إلا أن تنعث بشر الصفات مهما حاولت أن تطفي على نفسها سمات الإيمان.

إنني أمانع في استخدام التراكيب المشينة المناهضة للمخالف و أرفض التهجم على فكر دون آخر، فالكثيرون "و ايا كانت الأيادي التي تقف خلف ما حدث" لهم علاقة مباشرة أو غير مباشرة في ما حصل. و لا يمكنني أن أتصنع مواقف لأدين فيها طرفا على حساب آخر، و لا يمكنني توجيه كلام لجهة دون أخرى.

الدولة المغربية ساهمت بما لا يدع مجالا للشك في ميلاد التطرف و تنشئته تحت عين المخابرات المغربية حتى ترعرع و خرج عن الطوق ليدير مخالبه إلى الحاضن الذي تبناه وأحسن تربيته، و كان دوما يربيه على محاربة الحركات الإسلامية المعتدلية و التكتلات اليسارية و خاصة الرادكالية منها.

هذه العينات التي منحها الوزير السابق المدغري اللجوء في المغرب و وفر لها الكتاب "الذي يهدى و لا يباع" بوفرة حتى تقوم بمهام الإستقطاب، رغم تعارض فكرها العقائدي الفقهي مع ما يعتبر في مغربنا من الثوابت: "أشعرية مالكية جنيدية" و فتح لها المجال أن تفرخ ما شاء الله لها أن تفرخ حتى اصبحت اليوم مثل هاجوج و ماجوج يحسب لها ألف حساب . هاهي الدولة اليوم تجني الثمار كما جنتها من ذي قبل، في أحداث سابقة أليمة ذهب ضحيتها العشرات من الأبرياء الذين أزهقت أرواحهم في سبيل تغذية الفكر الإستعلائي العقيم. الفكر الذي لا يقبل بينه من لا يلبس قبعة شرقية و يعفي لحية "تطول ماشاء الله لهاأن تطول"و لباس أفغاني لا نجد له سنداً متصلا في عرفنا المغربي وتقاليد بلدنا الحبيب.

إننا نجد من لا يفقه في دين الله شيئا يحشر أنفه أمور أكبر من عقله و فكره، تجده يخوض في باب الولاء و البراء، و تراه يحاكم الناس و يحكم عليهم بالفسق و الكفر. و هذه الشرذمة تبني فكرها المعوق على كره الآخر و عدم تقبله ظنا منها أن ذلك يقربها إلى الله زلفى.

ليس هناك في الإسلام ما يمكن البناء عليه لتبرير مثل هذه الأعمال الوحشية. الإسلام خضوع كامل لله تعالى يحمل في طياته تعهدات أمام الإنسانية بكل تركيباتها المختلفة. فالمكانة التي يوليها الإسلام للمؤمن من أنه الخليفة في الأرض يتطلب الإنخراط الإيجابي للخوض في الصفوف الأمامية للإنسانية لا البقاء على الجانب الذي يميل الى الحافة ظنا من المرء أنه الطريق الصحيح. الإيمان ليس مسألة شخصية لها علاقة بالفرد فقط و لا هي مسأله روحية محضة فقط،الإيمان اعمق من هذا و يجب أن يطبق بين الناس في المجتمعات و التجمعات، هنالك يمتحن، و شتان بين من يسير على هذا الدرب و على من يكفر المجتمع و يجعل سفك الدماء طريقا للترقي في سلم الإيمان.

المجتمع كيفما كانت الفتنة فيه معششة و لا اقول "جاهلية" فهو ميدان التدافع و بيئة المحك و التعلم و التعليم و الدعوة بالتي هي أحسن. و من الواضح أن المجتمع الذي يترعرع فيه المرء يؤثر بشكل عميق في التطور الديني لدى الفرد. فمعظم الناس تكتسب نظرتها الدينية عن طريق سلم الإرتقاء المجتمعي الذي لا يمكن القفز عنه بحال من الأحوال:

1.   الميراث التقليدي: العثائد الموروثة عن الأجداد و الوالدين أو ما يسمى بالإسلام الوراثي.

2.    مرحلة التصحيح المرحلية: تصحيح بعض امور من خلال الإلتقاء مع آخرين أكثر علما بحيث تصحح بعض المفاهيم التي أخذت دون الولوج إلى كنهها و مقاصدها، او  التي يكون بعضها من ايحاءات العرف و التقاليد التي لا يجب البناء عليها.

3.   مرحلة البحث عن المزيد: هنا تلعب بعض التركيبات النفسية دورا بحيث تجعل الشخص قابلا للبرمجة الخارجية بإيديولوجات فكرية، إذا لم يستطع التمييز بين الحق و الباطل فسيغرر به لا محالة و يصبح من القنابل الموقوتة فكرا و فعلا.

اختبار مدى القدرة على التأقلم في المجتمعات تظهر عندما نقابل من يخالفنا الرأي بالحجة و الدليل لا بالقنبل و التفجير و السباحة عكس التيار المجتمعي.فمن الناحية النفسية نجد أن الإنسان الذي يقع تحت تأثير دوافع متساوية في القوة و التأثير و متضادة في الإتجاه، لا بد أن يجذبه أحد هذه الدوافع إلى هدف ما، و خاصة إن كان هذا الإنسان لا يمتلك زادا فكريا و شرعيا و أيضا قدرة عقلية راجحة تمكنه من التمييز بين خفايا هذه الدوافع.

و الدوافع الأخرى لا تتركه في حاله بل تجذبه ايضا إلى هذف مضاد و مقابل للأهداف الأخرى فيحصل له الحيرة و التردد و لا يستطيع الإتجاه إلى أي هدف منها و يصبح عرضة لعامل الإقناع بالحماسة.

هذا الصراع النفسي له التأثير الفائق التصور على هذه العينات التي تصبح قابلة لقبول فكر دموي ظنا منها أنه الطريق المستقيم و تكاد تجزم أن من حاد عن هذا السبيل دخل في غيابات الكفر و النفاق و العياذ بالله.

الصراع هذا بين مختلف الدوافع له علاقة وطيدة بإشباع رغبات و طموحات دينية و دنيوية من أجل الحصول على مكانة مجتمعية و التميز عن الآخرين بصبغة مغايرة،و من أجل الحصول على السعادة في الدار الآخرة كما يعتقدونه.

عودة إلى الموضوع فلابد أن هذا الحدث لن يمر دون سخونة تذكر، فستكون له تجليات مجتمعية على المدى القريب، و سوف تستغله الدولة المخزنية للترويج للبعبع الذي يرهب العباد و البلاد.إن لم نقل أنه ليس بغريب أن نسمع أصوات تتهم أيادي المخابرات بالوقوف خلف ما حدث "من قريب أو بعيد" رغم أن الأمر مستبعد حالياً.

و لنا عودة...







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز