فواز أبو كفاح
fawaz1955@aol.com
Blog Contributor since:
21 February 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
نداء ...نداء ...أنقذوا حافلة التنمية

كان لقريتنا حافلة يقودها السائق أبو فتحي وأذكر أنها كانت مرسيدس قديم لها خطام أمامي كما الفيل وكان على يمين السائق من الخارج وبجانب نافذته صفيحة معدنية على شكل سهم مدهونة باللون ألأحمر يقابلها يسارا مثلها فاذا ما أراد أبو فتحي أن يأخذ اليمين سحب مقبض الصفيحة اليمين لترتفع بشكل افقي تنذر بانعطاف الحافلة يمينا وهكذا يسارا .
ولا زلت أذكر صوت بوق تلك الحافلة فقد كان خليطا من زئير أسد وعواء الذئب ونهيق الحمار معا وكنا نسمعه وهي قادمة من بعيد باتجاه القرية حيث اعتاد أبو فتحي أن يبشر الناس يوميا بأنه قد وصل بالسلامة فيخرج الناس لاستقبال الأصحاب والأحباب القادمين بأغراضهم المشتراة من المدينة أو اولئك القادمين بغلة جنوها من بيع منتجاتهم من خضار وحبوب ودجاج وحبش وبيض وما شابه من منتجات القرى الريفية .
كثيرا ما كانت هذه الحافلة القديمة تتعطل في أول الطريق أو وسطه وما أن يحدث هذا حتى تسمع صوت الكومسري عوض يصيح بأعلى صوته " ايدكم معانا ياشباب " فيهب الناس من بيوتهم وحقولهم وحتى الطلاب من المدرسة الاعدادية اليتيمة في القرية لنجدة الحافلة ، يجتمعون خلفها وقد شمر كل عن ذراعية ويشرعون بدفعها بينما ألسائق أبو فتحي يعتلي كرسي القيادة ثم تسمع صياحا من خلف الحافلة يقول " يا أبو فتحي هلكنا من الدفع ،أعطيها تعشيقة يا رجل وخلصنا " فيجيب أبو فتحي القائد قائلا
" صدقوني يا جماعة ورحمة أبوي عم بعشٍقها بس بنت هالـ ..... ما عم بتدور ذان من طين وذان من عجين " ولايملك الناس سوى أن يصدقوا كلامه ويستمرون بالدفع الى أن يفرجها الله على الحافلة وتدور ما كينتها .
أرادت جدتي يوما أن تأخذ الحافلة لزيارة عمتي في المدينة فحزمت أمرها وجهزت ما لذ وطاب من فراخ وزغاليل وبيض بلدي وبقول وخضار وضعتها في سلة القش وتخمرت بخمارها الأبيض وكزت على أطراف الخمار بأسنانها كما يفعلن نساء القرية وبخفة ومهارة الرباع رافع الأثقال رفعت السلة حتى استقرات على رأسها وكنا ننتظرها عند باب الحوش مودعين فتأهبت ثم استدارت نحو والدتي وأخذت تلقي عليها بالوصايا العشر:
لاتنسي أن تعلفي الجاجات ، ابعدي الديك عنهن ترا بيخرب البيض خليه يغور هاظ مش وقته ، سكري الخم "القن " مليح ، اجمعي البيضات يوم بيوم قبل طلعة الشمس ، هاي الطاحونة هناك اطحني لهن علف كل ما نقص عليهن العلف ..... الخ ثم تتابع ، ترا أنا باذن الله قاعدة أسبوع بس ومش مطولة . ثم تسير باتجاه الباب وهي تتمتم ما أني عارفة يا ربي الدنيا راح تخرب وراي بس شو العمل لازم أزور البنت قلبي موكلني عليها .
صعدت جدتي سلم الباص ونحن نودعها ولا زالت توصي ...ولك انت يا هرش بقص ايدك اذا بلشت بالجاجات خليك عاقل عشان أجيبلك معي برازق وحامض حلو "ملبس"اللي بتحبه من عند عمتك .

لكن حدث في أول الطريق ما لم يكن في الحسبان ، تعطلت الحافلة وأخذت تنتع حتى خضت معدة الركاب بما فيهم جدتي رحمها الله وكان أبو فتحي يعطيها سويتش ويدعس بنزين ولا زالت تنتع حتى فاض الكيل بجدتي فقامت من مقعدها واتجهت نحو أبو فتحي وخاطبته انت صار لك ساعة خاض معدتنا بالله تقول لي شو بتعمل فأجاب يا حاجة أم أحمد خليها على الله كما ترين فأنا أحاول والباقي على الله فقالت والنعم بالله بس شايفك كل دقيقة وانت عاص على هاللقاطة (السويتش) وما بسمع الا وماتورك بيجعر تقول بابور السفربرلك "قطار السفربرلك" والله ما أني شايفة الا جعير بلا طحين
ثم قررت النزول من الحافلة وهي تقول اسمع ترا يا أبو فتحي ، مرتك أم فتحي دوشت راسنا عالطالع والنازل زوجي شوفير وقد حاله ، زوجي علم كل شيفورية البلد ومن هالخرط الفاضي أي صدقني عاد اذا أنا بفهم بسواقة البابور " القطار" انت بتفهم بالسواقة ، غضبت الحاجة عائشة رحمها الله وترجلت من الحافلة ووضعت سلتها على رأسها وهي تقول بسم الله توكلت عليك ياربي أي صدقني يا أبو قرد لأصل قبلك للمدينه
وما أن قطعت مسافة لابأس بها حتى أقبلت الحافلة فنزل ألسائق أبو فتحي يرجوها ويحب على رأسها ويقول لها سألتك بالله يما اطلعي هسا بيزعل مني الحاج " والدي " لكنها أخيرا صعدت للحافلة وهي تقول الله يرضى عليك يابني أبو فتحي ما انت يما زودتها وبعطت المحشي خضيت معدتنا ومش سامعين الا وباصك بيزعق من قدام وبيطكع من ورا وانت شايفك قليل حيلة .
كانت تلك أخر رحلة في حياة جدتي فقد شاء القدر أن يتوفاها الله في بيت عمتي في المدينة ، عادت للقرية جثمانا عادت ولم ترى خطط التنمية العربية التي ذهبت بالحقول وبقن الدجاج وبكل ما هو حي ويانع أخضر والتي شردت شباب القرية وحولتهم من شباب كان لهم طموح الى مراسلين في الدوائر الرسمية ، نعم كانت قريتنا خضراء تدب فيها الحياة حتى جاءت خطط التنمية فأخذت كل شيىء وقتلت كل شيىء ، حتى الحافلة القديمة لا زالت قابعة هناك مشلولة الحركة كنصب تذكاري لسان حاله يقول   " عن أي تنمية تتحدثون يا فطاحـــل  العـــــــــــرب "
أقول هذا بعد أن استمعت لخطاب الرئيس اليمني الذي وقف يخاطب شعبه المعتصم في ساحات التغيير ويقول لهم ها قد توقفت عجلة التنمية " ويحملهم مسؤولية ذلك ولا يعلم أن مركبة التنمية خاصته لا تختلف عن حافلة قريتنا وان كانت لها عجلات لكنها تنتع أكثر مما تسير هذا اذا كان لها وجود أصلا . وسامحونا .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز