د.سلمان محمد سلمان
salman@planet.edu
Blog Contributor since:
05 June 2010

أستاذ الفيزياء النووية والطاقة العالية – قلقيلية – فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
لماذا تتم شيطنة القذافي ج2\2

روسو يضع أربعة شروط لتحقق الديموقراطية. ولو طبقنا ذلك على ليبيا القذافي نجدها تحققها أكثر من تلك الدول التي تقاتله. شروط روسو للديمقراطية تتلخص بالتالي:

1- حجم الدولة:  كلما كبر حجم الدولة كلما كانت الديموقراطية أقل تحققا. وحسب روسو يجب أن تكون الدولة صغيرة جدا حتى يمكن لأهلها التجمع ومعرفة بعضهم وحتى يتم نقاش القضايا قبل التصويت. لأنه بدون النقاش يفقد التصويت قيمته التمثيلية ويصبح طريقة لتثبيت الديكتاتور.

الدولة الليبية تقوم على تحالفات قبلية والقبائل بالتعريف تمثل تجمعات نسبية أصغر عددا وأكثر تقاربا وبالتأكيد فان روح الديموقراطية أكثر وضوحا ضمن القبيلة أو القرية مقارنة بالمدينة أو الدولة الكبيرة. والسبب الأهم أنهم في القرية أو التجمع الصغير يعرف بعضهم بعضا ويشتركون بحياة متشابهة ولهم تنظيم أخلاقي عرفي متشابه ورقابة ذاتية مشتركة.

حسب هذا المفهوم ليبيا تحقق شرط روسو أفضل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا لأن تلك الدول تمثل مجتمعات مدنية منفصلة بحيث لا تعرف من جيرانك وربما لا تقول لهم صباح الخير. هذه الدول اعتمدت لتصويت الذي صمم بطريقة تخفي حقيقة أن تصويت المواطن على مستقبل البلد ليس له معنى عندما لا يعرف الشخص أهل البلد الآن. وهذا طبعا أصبح يمتد لإعطاء حق التصويت لمن يحمل الجنسية ولم يعش في بلد التصويت. الانتخاب أساسا يتطلب الحوار المسبق لمعرفة وتعريف الفروق.

2- البساطة

العادات والسلوك تمثل مخارج هامة لمن يريد تجاوز قضاء معظم وقته يناقش مسائل قانونية وإجرائية إذا أراد التعامل مع المتناقضات المختلفة والكثيرة التي تنشا في مجتمع كبير. المجتمعات الغربية تعتبر نفسها متحضرة بتركيبات اجتماعية معقدة بينما ليبيا تعتبر دولة بدائية بمجموعة بسيطة من القوانين والعادات. هذه المواصفات تتناسب مع متطلب روسو الثاني المتمثل في البساطة. في الحضارات المعقدة تحسم الصراعات المعقدة عادة لصالح من هم أكثر قوة ونفوذا. وهذا يفسر لماذا يستطيع الأغنياء التهرب من العقوبة على جرائمهم لأنهم يملكون المال الكافي لتعيين محاميين متنفذين يغيرون من صيغ القوانين لتركز على عقاب المجرمين الصغار والعفو عن مرتكبي الجرائم والمخالفات الكبيرة. فعقاب من سرق موزة من السوبر ماركت أسهل وأسرع من محاكمة من سرق بنكا.

3- التوازن في توزيع الثروة والوضع الاجتماعي

وهو شرط روسو الثالث لتحقق الديمقراطية. ولو نظرنا لمجلة فوربس 2010 نجد قائمة أغنى الأغنياء كبيرة في تلك الدول التي تقصف ليبيا الآن ونرى التفاوت الرهيب بين الأغنياء والفقراء. فالغني يمثل أكثر من مليون ضعف للفقير. مقارنة مشابهة لليبيا:  توزيع الثروة في ليبيا يكشف أن لدي ليبيا الكثير مما تعلمه للغرب في هذا المضمار. هنا أيضا فشرط روسو ينطبق على ليبيا أكثر من تلك الدول. في الولايات المتحدة 5% من السكان يملكون 60% من الثروة مما يجعلها الأسوأ من ناحية توزيع الثروة.

4- استحالة الترف

حسب روسو لا يمكن أن يكون هناك إمكانية للترف في مجتمع يطبق ديموقراطية حقيقية. يقول روسو أن الترف يتطلب الغنى الفاحش ويصبح قيمة قائمة بذاتها. وعند ذلك يصبح أولوية قبل مصلحة الآخرين. والترف يفسد جميع الناس: انه يفسد الغني بسبب تملكه أدوات التحكم ويفسد الفقير بسبب الغيرة والحسد. وهذا يقسم الأمة ويجعلها أكثر قبولا للتحكم والسيطرة ويخضع الناس لعبودية رأي الآخرين.

من لدية ترف أكبر ليبيا أم فرنسا.  انتحار العمال في فرنسا ساركوزي بسبب الضغط النفسي لتحقيق الربح الأكبر للمالكين يمثل ظاهرة ملفتة. وهو بالمقابل معدوم في ليبيا.

قال عالم الاجتماع  الاميركي سي رايت ميلز عام 1956 أن الديموقراطية الأميركية  تمثل ديكتاتورية النخبة. وحسب ميلز فالمال هو الذي يصوت في الانتخابات وليس الناس. بعد بوش الأب والصغير يتحدثون عن بوش صغير آخر لانتخابات عام 2012.

وقد أوضح ماكس ويبر انه بسبب اعتماد القوة والنفوذ السياسي على البيروقراطية ولأن بيروقراطية الولايات المتحدة تتكون من جيش من حوالي 43 مليون بيروقراطي وعسكري فهم من يتحكم بمجرى الأحداث فعلا دون انتخاب أو مساءلة أمام الناس. نعم يتم انتخاب شخص غني لكن الأهم أن يبقى النفوذ بيد الأغنياء الذين يتم ترشيحهم سفراء ووزراء وجنرالات ومبعوثين وخبراء.

مقارنة بالديمقراطيات التائهة ضمن العالم الثالث: كم من شعوب هذه الديموقراطيات المزيفة يعرف أن دستور البيرو يمنع الترشح للانتخاب أكثر من مرة واحدة. ومن يعرف أن الرئيس في غوتيمالا لا يستطيع إعادة الانتخاب بل إن عائلته ممنوعة من الترشح أيضا وحتى لمناصب عليا. ومن يعرف أن رواندا هي الدولة الوحيدة التي لديها 56% من البرلمانيين نساءا. ومن يعرف أنه حسب إحصائيات الاستخبارات الاميركية فإن من بين أفضل الحكومات في العالم تقع واحدة من كل أربعة منها في أفريقيا وأن أفضل دولة بالحكم الرشيد ماليا هي غينيا التي يصل دينها لأقل من 1.1% من دخلها القومي مقارنة بالولايات المتحدة التي يصل دينها لأكثر من 100% من دخلها القومي.

يؤكد روسو أن الحروب الأهلية والتمرد صفات مرتبطة بتحقق الديمقراطيات. فإذا لم تكن الديموقراطية هدفا شكليا بحد ذاته وإنما تمثل عملية مستمرة ودائمة في تثبيت حقوق الناس فإن عليها النضال المستمر للوقوف أمام من يحاول دائما التلاعب بها من قبل الطغم الحاكمة الذين يختطفون الحكم من أهله وهذا يحصل في كل مكان وزمان.

وما دام الإفساد دائما فالإصلاح من خلال التمرد والثورات يمثل متطلبا دائما لمنع الانحراف. وعليه حسب روسو فإن هدوء دولة ما لفترة طويلة دون احتجاجات يدل على أن النظام جائر بما يكفي ليمنع أي احتجاجات أو متنفذ لتفريغها من محتواها ولا يعبر بالضرورة عن هدوء ناتج عن القناعة.

ليس هناك ما يمنع ثورة الليبيين.  السيئ هو ادعاء المتحكمين بالعالم أنهم يحمون هذا الحق لأهل ليبيا. وكما قال روسو "لو كان للآلهة نظام حكم لحكموا أنفسهم بنظام ديموقراطي والديموقراطية ليست للبشر" وعليه فإن فتل الليبيين تحت شعار تحقيق الديموقراطية يمثل كذبة كبيرة.

الدروس لأفريقيا

بعد 500 عاما من العلاقة غير المتكافئة مع الغرب من الواضح أننا لا نتفق في تعريف الخير أو الشر. لدينا آمال وطموحات مختلفة.  كيف يمكننا عدم إدانة دعم 3 ديمقراطيات من جنوب الصحراء للقرار 1973 ( غابون وجنوب أفريقيا ونيجيريا) الذي عمد بشعار حماية المدنيين وأعطى شرعية للنظريات العنصرية التي تريد فصل شمال الصحراء عن جنوبها. كيف أمكن لهذه الدول التصويت على القرار.

لقد تعاملنا كأن تونس ومصر وليبيا والجزائر ليست جزءا من أفريقيا وأهملت الأمم المتحدة الأخذ بجدية موقف الاتحاد الأفريقي بخصوص أعضائه. الهدف طبعا عزل جنوب الصحراء عن شمالها وهذه خسارة كبرى لجنوب الصحراء. علينا الأخذ بالاعتبار أن مساهمات الجزائر ( 16 بليون) وليبيا ( 10 بليون) تمثل 62% من إجمالي رأس مال صندوق التنمية الأفريقي بقيمة 42 بليون. من المعيب أن اكبر دولة افريقية (نيجيريا) وتتبعها جنوب أفريقيا تتذيل المساهمة بما لا يزيد عن 3 بليون لكل منهما.

من غير المريح القول انه لأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة يتم إعلان الحرب على شعب دون أدنى محاولة للبحث عن وسائل سلمية لحل الصراع. هل بقي أي شيء من أفريقيا للاتحاد الأفريقي. لقد قبلت نيجيريا وجنوب أفريقيا التصويت بنعم لكل ما يريده الغرب لأنهم بسذاجة يعتقدون بإمكانية تحقق الوعود الزائفة بتوفير مقعد دائم للام المتحدة لأفريقيا. لكنهم ينسون أن هذا مثل حلم إبليس في الجنة فلو كان ذلك ممكنا لتم توفيره قبل ذلك لألمانيا.

إصلاح الأمم المتحدة غير وارد في الأجندة. إن أفضل الطرق استخدام الطريقة الصينية. على كل دول أفريقيا الخمسين الانسحاب من هيئة الأمم المتحدة حتى تتحقق مطالبهم من خلال توفير مقعد دائم لأفريقيا بمجلس الأمن. مثل هذا الأسلوب السلمي يمثل السلاح الوحيد المجدي لشعب أفريقيا الفقيرة. علينا ترك هذا التنظيم الدولي لأنه أصبح سلاحا بيد الأقوياء والمتسلطين.

علينا ترك الأمم المتحدة لتسجيل موقف رافض لوجهة النظر التي تقوم على القضاء على المستضعفين في العالم. يمكن للأمم المتحدة الاستمرار في غيها لكننا لن نكون جزءا من ذلك. علينا رفض أن نكون جزءا من مؤسسة لا تستشيرنا حتى في قضايانا وأهملت رأينا الذي أبديناه بوضوح يوم 19-3-2011 في نواكشوط عندما رفضنا استخدام القوة ضد ليبيا.

أحداث اليوم تجرنا للمقارنة بما حصل مع الصين في الماضي. اليوم تعترف الدول بحكومة قتارا( في ساحل العاج) كما اعترفت بعض الدول بعد الحرب العالمية بتايوان ممثلا للشعب الصيني بدلا من حكومة ماو التي مثلت معظم الصين. لقد استغرق الأمر 26 عاما عندما اضطر العالم يوم 25-10-1971 تمرير قرار 2758. على كل الأفارقة الإطلاع على هذا القرار حتى يتعلموا من نفاق الغرب. لقد تم قبول الصين حسب شروطها التي رفضت قبول العضوية دون حق الفيتو. وعندما تحقق طلبها هذا وصدر القرار استغرق الأمر سنة كاملة حتى تكرمت الصين بالرد بالقبول عام 1972 ولم يحتو كتاب وزير خارجية الصين أي شكر لأحد وإنما أكد على تمسك الصين بحقوقها الدولية وضرورة احترام العالم لهذه الحقوق.

ما الذي تأمله أفريقيا من الأمم المتحدة دون اللعب بخشونة. رأينا كيف تصرفت الأمم المتحدة فوق القانون في ساحل العاج. إذا كان طموحنا من دخول الأمم المتحدة البقاء عبيدا بأمل دعوتنا للجلوس على نفس الطاولة والأكل من نفس الصحون التي غسلناها سابقا فهذا يمثل السخف والغباء.

عندما قبل الاتحاد الأفريقي اعتماد انتخاب قتارا في ساحل العاج وتجاهل تقارير مناقضة تطعن في صحة انتخابه كيف يمكننا توقع أن نكون محترمين. كيف يمكن التوفيق بين ما قاله زوما في البداية عن عدم صحة فوز قتارا وتحوله بعد ذلك لمباركة فوزه بعد زيارته باريس. علينا عند ذلك التشكك في مصداقية مثل هؤلاء الزعماء الذين يمثلون أفريقيا.

قوة أفريقيا وحريتها تتحقق فقط عندما تتخذ قراراتها بنفسها وتتحمل نتائجها. فالاحترام والهيبة لهما ثمن فهل نحن مستعدون لدفع هذا الثمن






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز