هشام عابد
hiwarcom@gmail.com
Blog Contributor since:
22 January 2011

باحث في الفكر الإصلاحي






Arab Times Blogs
المؤسسة العسكرية بالوطن العربي اليوم؟

 

المؤسسة العسكرية في العالم العربي في ظل التغيرات الأخيرة؟

وما هي المتغيرات التي تستتبع ذلك على مستوى المجتمع والسياسة العامة؟

وما دور الجيش في إنجاح الثورة؟

وهل هو حياد حقيقي أم نسبي للمؤسسة العسكرية في الشأن السياسي؟

وما هي العلاقة والحدود الجديدة بين الجيش والشعب؟

هذه أسئلة يحاول المقال الإجابة عنها او على الأقل تسليط الضوء عليها.

 

الوضع القديم

ماذا كان الوضع قبل الثورات؟ كان العالم العربي من الماء إلى الماء عبارة عن حكومات عسكرية بعقليات متخشبة، وأنظمة مريضة تعيش أمراضا مزمنة، محتمية داخل "قانون الطوارئ" لمدة عقود طويلة، وترسانة من القوانين البوليسية منذ السنوات الأولى للاستقلال... وضعية كان الخاسر الأكبر فيها هو المواطن العربي. ناهيك عما عرفته هذه الحقبة من التعذيب القاسي في السجون والمعتقلات السرية، وحقوق إنسان تحت درجة الصفر. بل وتخيلوا معي الكم الهائل من الصفع والركل والبصق والإهانة والتعنيف الذي كان يمارس في ظل هذه الدول البوليسية.

 

المخـاض

ماذا يحدث اليوم؟ هل هي انتفاضة العرب؟ هل هي شرارة نهضة العرب بعد قرون من التخلف والتراجع؟ أي إجابة عن هذا السؤال ستكون متسرعة في الوقت الراهن.

بدأت المسألة بانتفاضات شعبية متفرقة على هذا الواقع المريض المليء بالاختلالات، وانتقلت إلى انتحارات كلاسيكية لتتطور إلى سلسلة من إحراق الذوات في ربوع الوطن العربي لتندلع بعدها ثورات وانتفاضات شعبية عارمة أطاحت برموز الحكم والظلم والتعذيب والفساد. كما بدأت أيضا وبشكل أقل حدة وأكثر هدوءا بالتعديلات الدستورية في تركيا والتي تمحورت حول الجيش ودوره في الدولة...

وعموما ما وقع كان معركة الخبز والكرامة ضد الدبابات. والصورة التي التقطت من الثورة التونسية عميقة ومعبرة، حيث تجمع بين تونسي يتأبط خبزا باريسيا موجها في وجه الشرطة التونسية. وهي صورة تعبر عن الشرعية الشعبية في مقاومتها للسلطة العسكرية وتقوض أساسها الظالم، سنوات من الصراع والمواجهة والضغط والفساد والعنف والسجون والتسلط والقهر... إن ثورات شعبية تحررية وإسقاط لقادة عسكريين في الأصل والتكوين معناه قوانين وتشريعات ومنطق للتعامل مختلف أقرب إلى الديمقراطية والتمدن والإنسانية منه إلى المنطق السابق، منطق القهر والأوامر والتسلط وقانون الطوارئ واللغة الخشبية والهواجس الأمنية.

وما وقع بالضبط هو انتقام للكرامة المهدورة وللدماء السخية على مسلخ المواطنة والهوية المستلبة، والحرية المفقودة. ولابد من انعكاسات لهذه الثورات الشعبية على مجمل مسطح المجتمع، إذ التساؤل المطروح كيف سيتأثر منطق الحكم في الدول العربية والإسلامية جراء الثورات الحاصلة في تونس ومصر والأردن والجزائر واليمن وسوريا...

لقد أنجبت هذه الثورات المصرية والتونسية وغيرهما "ثورات إصلاحية" بدل المنطق القديم المتمثل في الانقلابات العسكرية. هي إذن ثورة الحرية، ثورة المواطنة، ثورة المدنية. نضالات سلمية مقابل الآلة العسكرية والطغمة الحاكمة الفاسدة... فهل انفك عقال الشعوب أخيرا وتغلبوا على الخوف والصمت.

 

الحيـاد

لابد من قراءة ما وقع من هذا المدخل (مدخل حيادية الجيش) في تونس ومصر. وعلينا الانتباه إلى أن هناك جانب إيجابي يتمثل في الحياد الذي صنعته الدولة العلمانية، والذي يقضي بأن الجيش يحمي الدولة والشعب ولا يحمي النظام أو الحاكم، ويجب أن نعلم أنه كان من بين أسباب نجاح الثورات بسرعتها التي رأينا في تونس ومصر الأمر الذي نجد عكسه في ليبيا والبحرين واليمن وسوريا. فالجيش مكون أساسي في اللعبة السياسية من خلال حياده، فالثورات الشعبية تجد لنفسها الفرصة للانطلاق والبروز على السطح والدليل انطلاقا من النموذج التونسي والمصري. وهو حياد إيجابي، يجسد صوت ورغبة الشعب غالبا ما تكون صادقة حقيقية ديمقراطية عادلة حرة وثورية وتطالب للانتقال من واقع فاسد إلى واقع صحيح. فكيف هو هذا الحياد؟ وهل نحن أمام نهاية عصر تدخل الجيش ضد الشعوب، لتدخل هذه الظاهرة إلى متحف التاريخ؟ لكن ماذا لو أقدم الشعب على اقتحام مؤسسة عمومية يحميها الجيش؟ وهل هو حياد مؤسس ومتين أم حياد هش ونسبي؟

على العموم ستمتحن الأيام القادمة مدى هشاشة أو صلابة العلاقة السلمية بين الشعب والجيش، ومدى حيادية الجيش في المعادلة السياسية في البلاد.

نقول هذا الكلام على ضوء التعليقات الشديدة اللهجة الموجهة إلى الجيش مباشرة في مصر ما بعد الثورة من طرف الشعب، والمطالبة والمناداة بتطهير المؤسسة العسكرية من ذيول النظام وأتباعه.

لكن تخيلوا معي إذا انقسم الجيش في مصر فمن الأكيد أن البلاد ستدخل في شيء لا تحمد عقباه في دولة يتجاوز سكانها 80 مليون نسمة، إن الجيش المصري مسألة بالغة الخطورة.

ولا يتوقف الأمر على ذلك فقط، فالأمر تعدى إلى ارتماء المؤسسة العسكرية على الشأن السياسي ممثلا في المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يتكلم سياسيا الآن، وتدخله في السياسة يظهر أيضا من خلال إخلائه ساحة التحرير، وأخذ المبادرة السياسية في وضع دستور جديد للبلاد وقيادة المرحلة الانتقالية في مصر، الأمر الذي يدل على حساسية المؤسسة العسكرية تاريخيا بمصر لاعتبارات إقليمية واستراتيجية ودبلوماسية في المنطقة.

وما يوضح خطورة وحساسية المؤسسة العسكرية أيضا في الوطن العربي هو ما جعل الرئيس اليمني "علي صالح" يقول في إحدى خطاباته "المؤسسة العسكرية هي صمام الأمان في البلد، وليست ملك أحد" في إشارة إلى حيادية هذه المؤسسة وفصل المقال فيما بينها وبينه وبين الشعب من تقارب أو اتصال.

 

الجيش والشعب..؟

لقد اختار الجيش وقياداته العليا الشعب في النهاية. وذلك بسبب من الجذور العلمانية للدولة في تونس ونسبيا في مصر.. لكن ما هي الحدود الحقيقية مابين العسكر والشعب؟

إن"عسكرة الثورة" في نظرنا مسألة مرتقبة جدا في السنوات المقبلة. فتزايد الوعي سيؤدي إلى تقارب أكثر بين أفراد المجتمع وستنمحي شيئا فشيئا التباعدات والجدران بين القطاعات فحتى العسكريون ملوا أنظمتهم العسكرية المعمرة والفاسدة. إنها طفرة حقيقية في الحياة العسكرية:

فالقيادات الوطنية (المخضرمة) المنتمية لجيل المقاومة وجيوش التحرير، ظهرت تصدح باستنكارها لما يقع من ظلم وفساد.

ونجد قائد الجيش في الثورات الأخيرة في تونس ومصر وليبيا... يقول أعلن انضمامي لثورة الشعب، وآخر يعلن انضمامه لصوت الشباب، وآخر لنداء الحرية.

ورأينا جنودا ينضمون إلى الشعب وهو أمر خارج أعراف ووحدة الجيش.

ورأينا انشقاق 25 عسكريا عن الجيش المصري ونزولهم إلى ساحة التحرير مع المتظاهرين في "جمعة التطهير" 8 أبريل 2011.

إن المؤسسة التي كانت بالأمس تعيش كجزيرة منعزلة أو ككيان ملفوف بجدران عالية. أصبحت اليوم مؤسسة ممكنة الاختراق وعساكر وقيادات لا تكتفي بتطبيق الأوامر بل تتكلم في السياسة وتبدي آرائها ومواقفها... إن العلاقة بين المجتمع والمؤسسة العسكرية تعيش مدا وجزرا، والفجوة بين الشعب والجيش تحدد نسبتها وترسم معالمها الأحداث المتالية.

إننا إذن وبعد ركود طويل أمام إعادة بناء العلاقة بين الشعب والسلطة...

 

والآن  

علاقة السلطة والأمن بالمجتمع تتغير.

المفهوم الضيق للأمن وللجيش وللسلطة تغير.

انتقلنا من ثورات عسكرية إلى ثورات شعبية.

ومن ثورات انقلابية  إلى ثورات مدنية.

ومن ثورات فردية إلى ثورات جماعية.

ومن ثورات وإرادات فوقية إلى ثورات ومطالبات بالإصلاح قاعدية من الشعب.

يتم الآن تغيير كبير على مجمل مسطح المجتمع العربي والإسلامي.

قال الشعب كلمته أخيرا في الوطن العربي، وكتب تاريخه بالطريقة التي يريد.

سقوط القيادات العسكرية سيعوض بمدنيين وهذا معناه عقلية جديدة ونفس جديد للحريات المدنية والسياسية.

السيطرة الحديدية التي كان يمارسها العسكر بنسبة مائوية خيالية وعالية أصبحت اليوم تتقلص لصالح طاقات مدنية شعبية والأكثر من ذلك شابة.

العلاقات مع أمريكا وإسرائيل ستبني من جديد وستتغير ولو نسبيا.

الشعب تنفس، والسلطة تقننت، والعلاقة بين الحرب والسلم بين القوة والقانون وبين العسكر والمواطن تصحح شيئا فشيئا، لكن الأكيد أن رحلة الإصلاح والتغيير ليست إلا في بدايتها من أجل وطن عربي كريم حر بين الأمم...







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز