الدكتور رضا العطار
ridhaalattar@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 March 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
السياحة وحسناتها – 3

  وفي اليوم الذي حصلت فيه الموافقة على اجازتي الاضافية ذهبت الى محطة القطار الرئيسية وتقدمت الى احدى نوافذ بيع التذاكر طالبا السفر الى هامبورغ. فسألني الموظف: هل تريد كرسيك قرب مخزن الحقائب ؟ ام قرب عربة المطعم ؟ ام بينهما ؟ ام لا هذا ولا ذاك ؟ واية درجة تشاء ؟ وهل تريدها بالعادي ام السريع ؟ وفي اي ساعة ؟ ففي كل ساعة قطار ---   فبعد ان اجبته على مرامي، ناولني تذكرتي المنشودة وقال لي: لتكن واقفا يا سيدي في الساعة والدقيقة كذا في القاطع الثامن من المحطة  وعلى اللون الأخضر منه، وتدخل القطار من الباب التي ستقف امامك في الوقت المحددعلى بعد متر واحد،  وهناك ستجد مبتغاك و شكرا !  متمنيا لك سفرا مريحا.

 كان ذلك قبل خمسين عاما !!

 

كان القطار حضاريا جدا وعلى درجة عالية من ضبط الوقت والنظافة وحسن اللياقة ووفرة الخدمات الاجتماعية، ناهيك عن طيب المعاشرة التي يتسم بها الالمان عموما،  فعندما تسألهم او تتحدث اليهم، يقابلوك بوجه بشوش وسلوك اجتماعي مقبول يحترمون الرأي المقابل ويجاملوك قولهم: هل اعجبتك المانيا ؟ نرجو لك طيب الاقامة في ربوع بلادنا الخ  ---  وبعد ساعات طوال من السفر قضيتها ممتعا نظري بمناظر الطبيعة  ورؤية العمران السريع في المدن الصغيرة على الطريق، علما انه لم يمر اكثر من عقد ونصف على انتهاء الحرب العالمية الأخيرة.  وفي النهاية دخل القطار محطة هامبورغ في الدقيقة التي اعلن عنها سلفا. ومن هناك انتقلت الى المنتجع السياحي واستقريت في فندقه المطل على بحر البلطيق.

 

لقد كان الفصل ربيعا، وكان كل ما في المدينة الصغيرة ملونا مزدهرا، فأشجار التفاح قد رصعت بالزهور البيضاء كأنها فصوص الماس، وازهار البرتقال قد تفتحت وفاح منها العبير وانتشر الشذى والنباتات كلها تكاد تتفجر من فرط الحياة.

وعندما اطلت من نافذة غرفتي في الفندق، وجدت البحر يمتد امامي في زرقة عجيبة، يصافح نسيمه الرطب وجوه الزائرين، تجعلهم يحسون ان حقيقة الحياة قد تفوق في متعتها اجمل الاحلام. اما الكورنيش الذي كان يمتد على طول الساحل فكان يزخر بأحواض الزينة،  تحيطها تماثيل من الرخام الابيض الناصع في اوضاع فنية مختلفة، يتدفق من  نافوراتها الماء العذب عاليا،  تجعل الجو نديا منعشا، يبعث البهجة والسرور وينعم على الانسان اكثر شغفا بالحياة.

 

وفور وصولي عملت لنفسي برنامج عمل يومي: فكنت انهض في الصباح الباكر وبعد تناول طعام الفطور اذهب  لرياضة المشي ساعه واحدة على امتداد كورنيش الساحل، امتع نفسي خلالها بمناظر الطبيعة الخلابة المتناغمة مع اللحن المتوالي لأمواج البحر، بعدها ارجع الى الفندق وانزل في حوض السباحة الذي تتغير درجة حرارة مائه طبقا لفصول السنة، وفيه جميع الرفاهيات التي هيئتها الحضارة الحديثة. بعد ذلك اتناول طعام الغداء واذهب الى الزاوية الخاصة للكتب وغالبيتها كتب سياحية مسلية. اما عصرا وبعد تناولي شرب الشاي كنت اشارك جموع المصطافين تجوالهم التقليدي على طول رصيف الساحل وهم يستمتعون بشم النسيم الممتزج مع عبق الرياحين، منتظرين بفارغ الصبر  رؤية منظر الغروب وروعته وما تحدثه الشمس في الأفق البعيد، من خطوط طبيعية  زاهية الالوان، تطبعها في صفحة السماء الصافية.

 أما بعد فترة العشاء فكنت استمتع بشطر وافر من الليالي الحمراء التي يحييها ضيوف الفندق وما تقدمه ادارته من فعاليات فنية مسلية.

 

وفي صبيحة احد الأيام المشرقة وبينما انا اتهادى على رمال الشاطئ حافيا مسترخيا  منتشيا بماء البحر البارد الرقراق واذا بي اشاهد من بعيد صيادا، وقد صاد سمكة، لكنه بعد لحظات، عاد ورمى بها في البحر. فكان عمله هذا بالنسبة لي امرا غريبا. فلم استطع مغالبة حب الأستطلاع الذي بدا يدب في داخلي فدنت منه على مهل، محييا اياه ومعتذرا ثم ناشدته ان يكشف لي سره. وعندما بدأ يتكلم استنبطت من لهجته  ان الرجل ذو ثقافة متواضعة يسكن منطقة فلاحية قريبة من الساحل. قال: ( ان تعاليم نادي الصيد لمنطقتي تقضي الاّ نصيد سمكة لو كان طولها اقل من 18 سنتيمترا، لكن السمكة التي ارجعتها الى الماء كانت 15 وشوية. فلما سألته متخابثا: وهل تريد السمك للنادي ام لنفسك ؟ اجابني مندهشا: اريدها لأسرتي طبعا لكن لي ولد صغير مولع في قراءة النشرة الشهرية للنادي ويعلم ذلك جيدا، وقد يميل الى ان يلقي علي درسا في الاخلاق كأن يقول: كيف تنتظر مني ان احترم القانون في الوقت الذي انت نفسك لا تحترم القانون !!!

 فشكرته ومضيت.

 

 وفي ابان الظهيرة وبينما انا في مطعم الفندق اتناول طعامي تعرفت على مواطن الماني، انه كان في اواخر الستينيات من عمره. انسان هاديء ودود. سألني بأدب عن موطني. فلما قلت له: العراق،  بلاد بابل القديم، تنهّد مستبشرا وقال: كانت امنيتي دائما  زيارة بلدكم ورؤية آلاثار التاريخية العظيمة. فأعلمته اني راجع الى الوطن بعون الله قريبا وسوف اكون في عونه اذا جاء.

قال: عندي مناسبة في عصر هذا اليوم حيث ان افراد اسرتي ينظمون لي حفلة في صالة المناسبات التي ستضم الاقرباء والاصدقاء وجمع من نزلاء الفندق. وحضورك يا دكتور سيسعدني كثيرا. ولكنني عمدت الاّ اسأله عن بواعث هذه الحفلة.

الى الحلقة التالية !







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز