سري سمور
s_sammour@hotmail.com
Blog Contributor since:
27 January 2010

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
حضرة الدكتور سلمان...نقطة نظام5/6

 

-الجزء الخامس-

 

قبل البدء فإني قد علمت أن من الأخطاء الشائعة كتابة «سوريا» بالألف الممدودة،وأن الصواب كتابتها «سورية» بالتاء المربوطة،وشكرا لمن أهدى لي أخطائي.

الملف الفلسطيني...وما بعد ثورة مصر

لعل هذا هو أساس تميز سورية،ولكن أود في البداية أن أؤكد على أن توقيع اتفاقيات كامب ديفيد بين النظام المصري البائد وبين الكيان العبري مثل تراجعا في تعاطي العرب مع قضية فلسطين،رغم تشكل جبهة الصمود والتصدي،والمواقف التي كانت في جوهرها حنجورية وانفعالية،وتراكم التراجع العربي الذي وصل حد الهوان أمام الإسرائيليين،ولهذا بدا الموقف السوري أكثر صلابة،بعبارة أكثر صراحة:الموقف السوري أفضل من مواقف بقية العرب،لكن ليس فقط هو المطلوب من الدول العربية تجاه فلسطين وشعبها،والفيصل سيكون موقف مصر من الآن فصاعدا.

مرت العلاقات السورية-الفلسطينية بمنعطفات ومراحل عدة،لا مجال لتفصيلها،وشهدت علاقة أبي عمار مع السوريين مدّا وجزرا،ووصل التوتر أحيانا للاشتباك الميداني في لبنان.

الكويت..مدريد..أوسلو...

سورية حافظ الأسد اتخذت سياسة معادية لصدام حسين بعد دخول الأخير للكويت صيف العام 1990م،وأرسلت قوات من جيشها وقفت إلى جانب القوات الأطلسية في السعودية،ورفضت سورية علنا قيام صدام بقصف إسرائيل بصواريخ باليستية واعتبرتها مناورة سياسية لا غير،وأصبحت سورية إضافة إلى مصر ودول الخليج ضمن ما عرف بدول إعلان دمشق،وذهبت سورية إلى مؤتمر مدريد،والذي كان نتيجة طبيعية لهزيمة العراق،أو بمعنى أوسع سقوط القوة العسكرية الكبيرة لدى العرب،وأخذت إسرائيل تلعب لعبة المسارات،فتظهر أنها تتقدم على المسار السوري،وأنها لا تتقدم على المسارات الأخرى وخاصة الفلسطيني.

إلا أن توقيع اتفاق أوسلو قد أجج التوتر بين منظمة التحرير والسوريين،وخاصة مع عدم وجود تقدم على المسار السوري،وقد بلغ التوتر مراحل صعبة؛فمثلا قام وزير الدفاع السوري في عهد حافظ الأسد العماد مصطفى طلاس بشتم الرئيس عرفات بألفاظ نابية وقاسية،وظل التلفزيون الإسرائيلي،والذي كان له متابعة واسعة هنا،بإعادة بث تصريحات أو شتائم طلاس والتعقيب عليها على مدار أسبوع كامل،لكن عرفات سارع بإصدار أوامر مشددة بعدم شن حملة إعلامية مضادة،وأشاد بسورية وبجيشها،وحين توفي حافظ الأسد حضر عرفات مراسم الدفن،وحرص على تقدم الصفوف.

فصائل ومواقف

فشلت الفصائل التي انشقت عن فتح ومنظمة التحرير في تحقيق اختراق يذكر في الداخل الفلسطيني،لأسباب عدة،منها أن ثمة انطباعا برغبة سورية بمصادرة القرار الوطني الفلسطيني المستقل،مع تبعية تلك الفصائل ،ومواقف قادتها(أبو موسى وأبو خالد العملة) المدافعة عن الأسد والاهتمام بشأن سورية أكثر من شأن تحرير فلسطين،اللهم إلا عبر الخطابات الرنانة،ناهيك عن ضعف الموارد المالية لهؤلاء،وبصراحة فإن المعروف عن سورية مسألة الشح والبخل في دفع المال اللازم والضروري للعمل الميداني.

وتستضيف سورية على أراضيها حركات ومنظمات تصنف في خانة «الإرهاب» الأمريكية والأوروبية،مثل حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية(القيادة العامة) وهذا ما لم تجرؤ عليه دول عربية أخرى،وبسبب هذا الأمر اتهمت سورية بدعم الإرهاب،إضافة لدعمها العلني للمقاومة اللبنانية،وقد استطاعت سورية أن تتعامل بذكاء وحنكة من خلال الفصل بين حركة حماس كحركة مقاومة فلسطينية،وبين حركة الإخوان المسلمين المحظورة في سورية،وهو ما عجز عنه نظام حسني مبارك،رغم أنه كان يعطي الإخوان مساحة أكبر للحركة في مصر،بعكس نظام الأسد الذي سنّ قانونا يقضي بإعدام من ينتمي لحركة الإخوان المسلمين،ولفترة طويلة كان الإعلام السوري يتعمد تبديل كلمة «الإسلامية»من اسم حركة حماس المعتمد والمعروف وهو«حركة المقاومة الإسلامية-حماس» فيضع الإعلام السوري كلمة«الفلسطينية» بدل «الإسلامية»!

وفي بواكير انتفاضة الحجارة دعت حركة حماس في أحد بياناتها الرسمية جماهير الشعب الفلسطيني إلى إحياء ذكرى مذبحة حماة وشنّ البيان هجوما على حافظ الأسد،ولكن الخلاف الأيديولوجي ،تم القفز عنه من البعث السوري وحماس الإخوانية،بسبب التلاقي على رفض مسار التسوية،على الأقل بالطريقة السائدة،ولكن التسوية الآن في مهب الريح،وفقدت أهم أركانها وهو نظام مصر البائد،عدا عن موقف إسرائيل المتشدد،ولعل النظام السوري قد يرى أن يبرم صفقة مع الغرب بإخراج قادة حماس والجهاد من دمشق،ولو تم هذا فحماس لن تخسر كثيرا،كما أن أي نظام سوري قادم،سواء بوجود الأسد والبعث أو برحيلهما،سيعطي للإخوان المسلمين مجالا للعمل والحركة،وإخوان سورية قبل نكبتهم كانت لهم شعبية لا يستهان بها،و من بينهم شخصيات مؤثرة ومتميزة،ولن يكون الخطاب السوري الجديد محابيا لإسرائيل ومهادنا لها بالتأكيد،ولكن حاليا لا أظن سورية تقدم على طرد قادة حماس والجهاد الإسلامي.

ورغم العلاقة بين سورية وحماس فإنها لم تقطع علاقاتها مع حركة فتح،وأبقت على شعرة معاوية،ولطالما سعت لإقناع الجميع أنها طرف محايد،رغم أن هناك تحليلات لطالما وصفت الخلاف الفلسطيني الداخلي بأنه خلاف بين دمشق والقاهرة يجد له صدى في الساحة الفلسطينية،وهذه مبالغة كبيرة،فالخلاف قديم،رغم أنه ربما تصاعد قليلا نظرا لهذه الجزئية.

منكوبون دائما يا شعب فلسطين

وضع اللاجئين في سورية أفضل من وضع إخوتهم في لبنان،لكن هذا لا يعني أنهم على ما يرام،ثم أن سورية كانت تسيطر سيطرة تامة على لبنان ولم تعمل على تحسين وضع المخيمات الفلسطينية البائسة فيه،وهذه تسجل عليها.

وقد ضاقت سورية باللاجئين الفلسطينيين الذين فروا من جحيم الميليشيات الطائفية في العراق،فبقى هؤلاء في مخيمات تعيسة على الحدود،بينما قبلت دول مثل البرازيل استقبال بعضهم،فهل كان هؤلاء الذين ظلموا مرتين،مرة من العصابات الصهيونية التي أخرجتهم من فلسطين،ومرة أخرى ممن لا يرقبون في عربي فلسطيني إلاّ ولا ذمة من عصابات مجرمة،هل كانوا سيغيرون تركيبة سورية الديموغرافية؟وإذا لم يكن بالمقدور مساعدتهم أو استيعابهم،فإنه كان بإمكان الحكومة في سورية إدخالهم و ترتيب وضعهم وتوفير الدعم لهم من جهات فلسطينية مختلفة وأيضا جهات عربية عدة،عدا الجهات الدولية.

مصر الثورة وسورية

في كل الأحوال فإن الأنظار اليوم تتجه نحو القاهرة وموقفها الجديد،وبلا شك فإن أي حكومة وأي رئيس مصري قادم لن يتعامل كسلفه،وأصغر موقف مصري متحدٍّ أو رافض لسياسة إسرائيل ينعكس على العرب أجمعين،ويقدر بعشرات المواقف من دول أخرى،فمصر هي الأساس هنا،ولا يمكن لسورية الاعتماد على موقفها المختلف عن مواقف نظام حسني مبارك لتبقى في صورة الدولة الممانعة فحسني رحل!

قد يرى البعض بأن موقف سورية سيظل متميزا نظرا لأن المجلس العسكري قد أعلن عن تمسكه بالاتفاقيات،ومنها كامب ديفيد،هذا الوضع ليس ثابتا،لأن الإرادة الشعبية أخذت تلعب دورا محوريا في رسم السياسات في الداخل والخارج،ومما لا شك فيه بأن إسرائيل فقدت كنزا استراتيجيا(وليس مجرد متعاون كما جاء في مقال د.سلمان) هو حسني مبارك.

الموقف السوري يفترض أن يعززه موقف مصر الجديدة،لكن هذا مشروط ببدء النظام السوري بعملية إصلاح واسعة وكبيرة وجريئة،لأنه كما بات واضحا لم يعد للموقف من القضايا الخارجية نفس التأثير السابق،ولا بد لي قبل الانتقال للنقطة التالية من التنويه بأن موقف سورية لا يخلو من حرج وخجل في معرض ردها الروتيني على اعتداءات إسرائيل وعربدتها على منشآتها،والذي يتلخص بالعبارة المكررة«نحتفظ بحق الرد في المكان المناسب والزمان المناسب» أما الحجة بأن إسرائيل تريد استفزاز سورية لجرها إلى خوض مواجهة غير محسوبة العواقب،فيبدو كعذر أقبح من ذنب!

احتجاجات أم ثورة؟

من الواضح أن حجم المظاهرات في سورية ليس كما كان الحال في مصر،وعدم مشاركة مدينتي حلب ودمشق بفاعلية في هذه المظاهرات يدلل على أن الأوان لم يفت لتدارك الوضع،ولكن الوقت ليس في صالح النظام،ولا عودة إلى الوراء،وعدد الشهداء في تصاعد مستمر،ودماء هؤلاء تعقد الوضع،وتصعب مهمة إصلاح النظام،حيث سيكون المطلوب هو اجتثاثه.ويمكن عموما تقسيم المتظاهرين والمحتجين إلى فئات ثلاث:-

الفئة الأولى:متظاهرون لهم قائمة مطالب تتعلق بالحرية والكرامة مع احتجاجات على مسلكيات أجهزة الدولة والحزب ونقمة على الفساد، وقد تطور الوضع بسبب قسوة ودموية أجهزة الأمن ليرتفع سقف هؤلاء للمطالبة بإسقاط النظام،وأرى بأنه بعملية إصلاح سريعة وجادة وليس مجرد خطابات ووعود يمكن التفاهم مع هذه الفئة التي تشكل أغلبية عددية ونوعية.

الفئة الثانية: هناك من يدفعهم التعصب المذهبي والطائفي،ويرون في النظام القائم تجسيدا لهيمنة منطقة معينة وطائفة معينة على البلد،وهذه فئة خطرة ولا مانع من استخدام الشدة الذكية الحازمة معها،ولكن يجب التمييز بين هؤلاء وبين الفئة الأولى،والغربلة صعبة حاليا،فالأجدى التفاهم مع الفئة الأولى لكشف الثانية على حقيقتها التي تهدد وحدة البلد.

الفئة الثالثة:هم المأجورون والمتآمرون والمندسون،مع الذين يعملون لصالح رأس المال السياسي في لبنان،وهم قلة ويمكن السيطرة عليهم،ولكن النظام يعتبر الجميع أو الأغلبية من الفئتين الثانية والثالثة وهنا مكمن الخطأ.

إن ما يجري بدأ باحتجاجات يمكن أن تتحول إلى ثورة شاملة تتسع شيئا فشيئا ضد النظام،وهنا ولأهمية سورية،ولخطورة الوضع فيها وعلى محيطها يجب أن نضع الحقائق التالية نصب أعيننا:-

أولا: حركة التاريخ،وطبيعة العصر،وما لسورية وشعبها من تاريخ عريق،وحضارة ضاربة الجذور هي عوامل تفرض بلا جدال نمط حكم جديد في سورية،لا يقوم على العقلية الأمنية،وتحكم الحزب الواحد واحتكاره للسلطة والدولة،وتكميم الأفواه،فهذه أدوات وأساليب لا تصلح في عصرنا،وفي بلد كسورية تحديدا،والرئيس بشار الأسد قريب من سن الشباب السوري وكان مأمولا منه الكثير،إلا أن خطاباته لم تكن بالمستوى المطلوب،ورغم ذلك فإن الأوان لم يفت،وإذا كان ثمة أفراد في الحزب أو العائلة أو الحاشية يقفون في وجه إنقاذ النظام بالإصلاح،كما يشاع،فعلى الرئيس اتخاذ موقف تاريخي وشخصي وإجرائي ضدهم،لا أن يتحمل المغارم السياسية والتاريخية وحده.

إن سورية هي وطن عبد الرحمن الكواكبي أول مسلم عربي نبه إلى خطورة الاستبداد،وليس من المعقول أن يستمر الاستبداد في وطن أول من حرّض عليه.

ثانيا: يجب إغلاق ملف الاعتقالات القديمة والجديدة،فهذا ملف محزن ومؤلم،فلا يعقل وجود أفراد في السجون،لا يعلم عنهم أحد شيئا منذ عشرين أو ثلاثين سنة،ولقد نجح الملك محمد السادس مثلا في إغلاق ملف مشابه ورثه عن والده الحسن الثاني،وبهذه الطريقة وبإغلاق هذه الصفحة السوداء فإن النظام يؤسس لمصالحة حقيقية مع شرائح الشعب،ويرمم الصورة السلبية المأخوذة عن البلد بسبب موضوع المعتقلين.

ثالثا: إعادة ترتيب  أجهزة الأمن والسماح لمنظمات حقوقية محلية ودولية بمراقبتها،وإيجاد آليات قانونية فعالة لمحاسبة هذه الأجهزة،وضرورة تقليص عددها وتحديد دور كل منها،والحد من هيمنتها على حياة الناس المدنية.

رابعا: محاربة الفساد أفقيا وعاموديا وعدم الاكتفاء بتقديم أكباش فداء،فهذا أسلوب لم يعد مجديا،فالفاسدون يجب أن يقتص منهم بالقانون وبمحاكم شعبية،مع السماح للصحافة وخطباء المساجد وكافة المنابر الإعلامية والدينية والاجتماعية بالحديث علنا عن الفساد والفاسدين.

خامسا: التصدي للمؤامرة،ولا ينكرن أحد وجود مؤامرة،وهذا يتطلب التحرك خارج الحدود،ولو أن حزب الله تحرك الآن وفورا ضد إسرائيل لسارعوا باتهامه بالسعي لإنقاذ سورية من أزمتها،ولا أظن النظام السوري يريد اليوم فتح أو تحريك جبهة الجولان،رغم أن مثل هكذا تحرك كفيل بإحراق كل المراحل،كما أنه يحبط ويغير جميع الخطط المرسومة في واشنطن وتل أبيب وباريس وبعض الدول العربية،ولكن هذا غير وارد حتى اللحظة في أروقة النظام على ما يبدو.

على كل يمكن للنظام الضرب في الجبهة العراقية ضد القوات الأمريكية من خلال عناصر المقاومة التي اختارت الهدوء منذ فترة،ولعل أزمة أمريكا في أفغانستان تجعلها أكثر ارتباكا لو تأزم الوضع في العراق في المرحلة الحالية.

ولا أستبعد طمع حلفاء أمريكا وإسرائيل في لبنان،لا سيما سمير جعجع، في تحقيق مكاسب وارتكاب حماقات ومغامرات على الساحة اللبنانية،مما سيضطر حزب الله إلى الحسم القاسي،وهو ما سيستغله بعض العرب باستخدام بعض من ينتسبون إلى السلفية إلى تصوير الوضع كحرب طائفية يقودها «النصيريون» في الشام بالتحالف مع «الروافض» في لبنان والعراق وإيران ضد أهل السنة،وهنا يجب البدء بتوعية شاملة منذ اللحظة،ورغم ما في هذا الأمر من خطورة إلا أن له ارتدادات سلبية عميقة على إسرائيل وأمريكا وحلفائهما من العرب.

وفي آخر الحديث عن سورية نتفق بأنها تتعرض لمؤامرة كبيرة،ولكن النظام فيها ليس كما يجب،وكما تستحق هذه البلد العريقة وشعبها العظيم،ويجب على الرئيس الأسد ألا يربط مصيره بمصير القذافي،فهذا خطأ قاتل، وألا يسعى لعقد صفقات من تحت الطاولة مع الغرب وأمريكا لإطالة عمر نظامه،فهذا خطأ أكثر فتكا،ولا أن يلجأ إلى تقسيم البلد إذا اشتد الضغط الشعبي فتلك أم الكوارث،بل الأكثر حكمة -وكما قلت فإن السوريين أذكياء-هي عملية مصالحة مع الشعب الآن وفورا.

أنظمة قديمة بعصر جديد

منذ انتهاء الحرب الباردة تغيرت الأنظمة في قارات العالم إلا عندنا فقد قويت وازدادت فتكا بالناس،وبعد«الحرب على الإرهاب» وجدت ذخيرة جديدة للاستمرار،ولم تدرك أن الاستبدال سنة الله في عباده،فكل ثورة تقوم في أي بلد عربي تستخدم النظم في مواجهتها خطاب التخويف من القاعدة،هذه الفزاعة،كما قلت في مقالتك،وتستدعي خطاب الحرب الباردة عن المؤامرات والأجندات الخارجية،واستهداف الأوطان...إلخ.

فبن علي لم يتورع عن اتهام شعبه بالإرهاب؛ومبارك استخدم معادلة إما أنا أو الإخوان،وعلي عبد الله صالح لم يشذ عنهما،أما القذافي فقد أوغل في الحديث عن القاعدة مع تطعيم حديثه بوصف الثوار بالجرذان والمهلوسين...أتدري لماذا؟لأن كل الأنظمة تقريبا تتبع النسق الأمني الظلامي في تعاملها مع الشعوب،إضافة إلى الاحتماء بالغرب،وخاصة بأمريكا،ونسي هؤلاء أن أمريكا تخلت عن الشاه محمد رضا بهلوي حين خرج ملايين الناس إلى الشوارع بهدف إسقاطه،وغاب عن هؤلاء أن أمريكا التي غرقت في مستنقع أفغانستان وتورطت في العراق،وضربتها أزمة مالية لم تتعافى منها بعد،على استعداد للتفاوض مع القوى الصاعدة،والحديث بلغة مغايرة،لأن لكل مقام مقال و لكل وقت أذان.

الفساد استشرى في البلاد العربية،ومعه القمع المركب،وكرامة المواطن ليست موجودة في قاموس الحاكمين بأمرهم،الذين أضفوا على أنفسهم صفات قداسة،وصورهم وتماثيلهم ،التي تذكرنا بعصور الوثنية وعبادة الأصنام، معلقة ومنصوبة في كل مكان وفي كل شارع وميدان،وبعضهم اتخذ لنفسه عشرات الأسماء والألقاب التي لم يحملها لا نبي ولا ولي ولا فاتح عظيم،ناهيك عن إقران أسمائهم باسم الله،سبحانه وتعالى عما يصفون.

وكل ما فعلوه هو إتاحة المجال للشباب للدراسة وحمل شهادات جامعية تعلق في البيوت بلا أمل في حياة كريمة،وربما حصل بعضهم على وظيفة «بملاليم» لا تسمن ولا تغني من جوع،وحالة الاستخذاء أمام الغرب بلغت حدا مخزيا ومستفزا؛فلا يكفي أن كرامة الفرد ضائعة،بل تبعتها كرامة الوطن،الذي تباع ثرواته إلى إسرائيل أو غيرها بأسعار لم يحلم بها بن غوريون.

وكان هناك استعداد لمسلسل توريث في الجمهوريات،التي اصطلح على تسميتها «جملكيات» العرب،وأصبح الحاكم و أولاده وبناته وأصهاره يحتكرون كل قطاعات الحياة الاقتصادية،وبدا المشهد مريعا وداعيا إلى اليأس والإحباط عشية الثورات التي انفجرت.

ورغم كل خلافات زعامة الدول العربية وتراشقهم الإعلامي ودسائسهم ضد بعضهم البعض،إلا أن وزراء الداخلية العرب كانوا يجتمعون وينسقون بحجة أن«الإرهاب» لا حدود له وخطر يتهدد الجميع فانطلقت أول ثورة في الدولة التي رعت واحتضنت تلك الاجتماعات، وهي تونس،ولله في خلقه شئون.

العبرة من العدو

إن إسرائيل تحرص على إرسال أي مسؤول فاسد إلى المحكمة ومن ثم إلى السجن إذا أدين مع المنع من ممارسة العمل السياسي والأمثلة عديدة من درعي إلى أولمرت إلى كتساف وربما ليبرمان لاحقا،رغم أن الفساد منتشر في إسرائيل أفقيا وعاموديا،وقد يقول قائل بأن السبب يكمن في رغبتهم بأن يروا العرب أنهم يتميزون عنهم،وهذه سطحية مفرطة،فالقاضي وقبله محقق الشرطة حين يتعامل مع المسئول الفاسد لا يخطر له العربي ببال،فهذا العربي له «تساهال» ليقتله أو يردعه،وله الموساد والشاباك والشين بيت وأمان ليتجسسوا عليه أو يغتالوه،ولكن السبب هو الإدراك المحفور في العقل الباطن بأن التغاضي عن المسئول الفاسد،يعني مسمارا في نعش دولة موجودة في محيط مختلف عنها تماما؛وما دمنا نتحدث عن إسرائيل،وليس عيبا أخذ العبرة من الأعداء،فهي رغم أن لها جيشا لا يهدأ وفي حالة حرب منذ قيامها فإنها تجري الانتخابات،وهناك أحزاب تصعد وأخرى تتراجع،وحزب العمل الذي أقام هذه الدولة تآكل وتراجع إلى حد مذهل،ولم يشفع له ما قام به قادته للدولة،وهنا يحضرني تعليق طريف لأحد الإخوة المصريين«ليت حسني مبارك قد وجه الضربة الجوية لإسرائيل كي يحكمها ثلاثين سنة!»

لا يشفع لأي كان أو لم يعد يشفع لأي نظام موقفه من إسرائيل لتعطيل الحياة السياسية،وإطلاق يد أجهزة الأمن القمعية،وارتفاع مؤشر الفساد المالي والإداري،فكيف بمن يتحالف بإسرائيل؟هذا عصر يختلف عما قبله وسبق بأن قلت بأن قطار التغيير سيدوس كل من يقف في طريقه....(يتبع الجزء السادس)







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز