أسامة غاندي
osamagandi@live.se
Blog Contributor since:
13 February 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
ثورات شعبية ......أم مصارعة ثيران

مصارعة ثيران كبيرة تتناثر اشلاؤها فوق رؤوس الشعب العربي المقهور , ومحاورة دموية مرعبة تستعمل فيها كل البنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية العربية والمصانع والمشاريع الزراعية الكبرى العربية , والتي كانت توفر الحد الادنى من الكفاف , تحطم على ايدي جلادين وخصومهم السياسيين من الخارج وذيولهم من الداخل , وسوف لن يدفع احد الفاتورة من دمائه ورزقه كرامته الا الفرد العربي , الذي اخرجته الميديا الاعلامية والفايسبوك ونزعة التقليد والحمية من داره , ليجد نفسه قد خلع الرئيس , وبات لايستطيع العودة الى البيت لأن خريطة البلد قد تغيرت , والمتظاهرون من الصعيد الذين نزلوا القاهرة للمشاركة في جمعة 614 لان التسميات المفضلة للجمعة قد نفذت لكثرة التسميات من قبل الحاكم والثوار  . المتظاهرون علقوا في القاهرة لان الطريق الى محافظة قنا مقطوع , والقطارات معطلة , لأن اهالي قنا  إعترضوا على تعيين محافظ , باتت الحرية المنفلتة من كل عقال لاتمكن الدولة من تعيين محافظ مالم يوقع على تعيينه جميع سكان المحافظة .

مسكين هو المواطن العربي الذي يتآمر عليه الجميع ويتاجر بدمه الجميع ويراهن على جهله وأميته وتخلفه الجميع ويعبئه التعبئة التاريخية الفاسدة الجميع , وهو الوحيد الذي يتحمل كل الالام والمصائب والتي تتغير عناوينها , من دكتاتورية وظلم واستعباد وفقر وفساد وسرقة الثورة والالتفاف على المطالب والاستعمار والغزو , وهي في الحقيقة واحدة وسببها الاساس أنه يجب أن يدفع الثمن دائما لانه لا يعرف ماذا يجري , وإذا انتخب لايعرف ماذا ينتخب قبل أن يستشير رجل الدين واذا اعترض لا يعرف لماذا يعترض قبل أن يسمع كثيرا قنوات البترول الفضائية , واذا ثار لا يعرف لماذا يثور وتحت أي جناح هو ثائر .

كشفت الاحداث الاخيرة للثورات عن عطالة كبيرة وفقر دم شديد في الاستعداد الثقافي والسياسي لغالبية الجمهور العربي , وأن التصور والتفهم للحدث من قبل الجماهير لم يكن بذلك الحضور الذي يخوض ثورة جادة نحو التحرر , لأن ما معروض من فعاليات مجتمعية متناقضة ومحدودة الافق يدعو للغثيان حقا , وقد أكون سابحا ضد التيار واتكلم بشكل شخصي الا أنها رؤية يجب أن تؤخذ في الحسبان استنادا الى ما سأقدمه من معطيات  .

لقد سبقت الثورةفي مصر مثلا حالة تبذل وتفسخ في المجتمع وحالة ما يشبه الاتفاق على مداراة الحياة بسرقتها من أطرها الاخلاقية الاجتماعية وسياقاتها المدنية , وقد يكون هذا ما عجل بالثورة ودفع بها , الا أنه شكل حالة سلوك عام على الاقل في إطاره المعلن ,

الا تلاحظون معي ان الاعمال التلفزيونية والسينمائية المصرية خلال الثلاثة عقود الخيرة باتت تتمركز حول الشيشية والقرقرة والحشيش والقوادة والفهلوة وطريق الاثراء السريع عبر الرشاوى وشراء الذمم والتآمر والسرقة , لتنتهي في الاخر إلى اكتشافها من قبل رجال الشرطة والنهاية المأساوية لبطل على الطريقة الاخلاقية القديمة . مع صياعة وتهريج . الاترى ان الاغاني اصبحت شبيهة بالوجبات التي تقدمها الشرطة للمساجين حساء العدس الذي لا لون له ولاطعم ولا رائحة , كلمات هابطة مع لحن مؤسس على الايقاع والهز وكليبات ورائية  تستعرض ازياء المطرب البشعة , وختمها شعبولا المكوجي بحيث صار جزءا لا من الفولكلور انما معبر جيد عن الحداثة . هل هذا العرض للمجتمع المصري مقصود : ام كان يعبر عن حالة الخدر التام في القواعد الاجتماعية ؟ هل كان هذا الضغط الاجتماعي هو ما حمل جماهير الغاضبين الى الخروج عن النظام واحدث ثورة ,

ما هو الفرق في العرض الحضاري لمصر في صورة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بين السد العالي وتأميم قناة السويس والبناء الفكري العقائدي والتنمية البشرية والمنعة القومية ومعركة تحرير اليمن من الظلامية ومؤتمر عدم الانحياز وزعماء باندونغ  وحرب 67 و73 والنهضة القومية والفكرية العربية ورجال مثل طه حسين ولطفي السيد وسلامة موسى وعلي امين ونجيب محفوظ واحسان عبد القدوس وشوقي وحافظ وطلعت حرب والسنهوري .

وبين 85 مليون وبيوت الصفيح والعشوائية والفقر والامراض وكثرة المعممين والملتحين والملتحقين بالحركات الاسلامية . وكثرة التخصصات العلمية والاكاديمية ممن انصرف لتدريس الجهاد والشريعة الاسلامية ونسبة الامية العالية والتسطيح والغشم , ورجالات مثل عمرو خالد ومحمد حسان و النبي شعيشع واشرف السعد والريان والحشيشة ومحمد هنيدي  وزغلول النجار والقرضاوي والشيخة امينة وشعبولا ونانسي عجرم وعماد الدين اديب وعمر موسى ومحمد البرادعي وهيكل في نسخته الاخيرة .

ما معنى ان تنتج مصر الافكار والنماذج وباقي الدول العربية تنفذ , وما معنى ان توجه السياسة العربية على نحو ما في كامل المنطقة , وما معنى ان يكون المصري محفوظ الكرامة والسمعة ومثال يقتدى في المقارنة الاجتماعية . ومعنى ان تقوم قطر الدولة والقناة والقرضاوي , برسم سياسة مصر وابتزازها والحط من كرامتها وبالتالي تكون اداة لتمزيقها . وأن تتحمل فتيات مصر حمولة الفحولة الزائدة للخليجيين الذين استغلوا فقر العائلات وحاجتهم الى المال , في مطارحات جنسية اسبل عليها فقهاء رضاع الكبير المزيد من الفتاوي . وما معنى أن يخاطب حسن نصر الله جيش مصر الذي ابلى البلاء الحسن في معاركه القومية واقر الخريطة السياسية التي يريدها , يخاطبه ويدعوه الى اسقاط النظام ويرسل خلية من مرتزقته للاطاحة بالنظام في مصر . ثم يجد من المصريين الغيورين على بلادهم من يدافع عن الخلية بحماس الدولارات المنثالة على رؤس محامين وضعوا كل عضو من اعضاء جسمهم في ناحية , وضع عينه على المصالح الشخصية ويده على المناصب وفمه على اكتاف المتنفذين وعقله مع الجماعات السلفية ولسانه يتحدث في السيرة كي لاتفوته النجومية في شيء ولكنه وضع رجله على الوطن .

الا يستفزنا في المقارنة ملاحظة ان المحامين ي مصر اكثر من المجرمين , وان لا زواج في مجتمع متكون من 85 مليون بين مسلم وقبطية بينما كانت هذه الزواجات رائجة قديما ولم يكن المجتمع ينظر اليها على انها نشاز .

الا تثيرنا الحالة العامة لشعب لازال يستخدم كلمة الباشا والبيه والافندم التركية , شعب لازال يترحم على  فاروق والخديوية , الذين كانوا يعتبرون المصري شيئا دون الانسان والبشر ,

أذا لم يتخلص الافراد من هذه الذهنية وهذا المزاج والتبني , لايستطيع الانتصار في معركة كبيرة كهذه المعركة . فقدنا القدرة على القياس الصحيح واعتماد المعيار الصحيح في النضوج والتقدم والتطور . كما فقدنا القدرة على التصالح مع الذات , أو التوحد معها على مستوى القناعات والمواقف .

في اليمن خرجت آلاف النساء المنقبات تدعو الى الحرية , عن أي حرية تتحدث هذه المأسورة بنقابها التي لم تستطع أن تتغلب على الاختيار الذاتي في موضوعه , ولم تناقشه حتى مع نفسها , الا يعطينا هذا انطباعا سيئا بأن المتظاهر مسلوب الارادة والعقل فعلا .

فما يجري في بعض الدول العربية لايعدو أن يكون صراع كبار برؤوس الابرياء وصراع ثيران اقوياء بدعاوى شتى , أكثر منه شعارات تغيير واصلاح ومفردات كثيرة . انا على يقين أننا لن نشهد الكثير منها لسنوات طويلة قادمة . فقد ذهبت السياحة والاستقرار الاقتصادي والاستثمار عن بلادنا في إجازة طويلة وسوف لن تعود الا بصحبة صندوق النقد الدولي الذي يشتري السيادة الوطنية قبل الاقراض  ,

  تصارعت قطر دولة وقناة وقرضاوي مع النظام في مصر , وراهنت على اسقاطه وجندت لذلك ما استطاعت ,  تصارعت السعودية والغرب مع القذافي ولم تدخر جهدا اعلاميا او عسكريا الا واستخدمته ضد النظام الليبي . يتصارع الان كتل المساومة في لبنان والاردن مع كتل المقاومة في سوريا , في البحرين يتحمل الشعب البحريني الشقيق ويلات صراع الثيران في كل من ايران والسعودية واخواتها .

الهشاشة الواضحة في حجم المصارعين الجدد , الذين أتخذوا رؤوس حربة لاقتلاع الانظمة الموجودة وتنظيف الارض من النظام والشعب كما حدث في العراق , من دول كارتونية شكلت ثقلا ماليا دون الثقل السياسي والحضاري الموازي ,ومن معارضات مستوردة من الخارج تفضحهم الوثائق الامريكية كل يوم بانهم تلقوا مساعدات مالية منها لغرض التآمر , بدورهم لا يتورعون عن إنكار هذه الحقيقة , معارضة تتوسل الغرب أن يقتل الاطفال والنساء , وأن يسير أمامهم الى طرابس لاحتلالها واجلاسهم على الكراسي , غير مصدقين انفسهم ان ساركوزي يستقبلهم في قصرالاليزيه . الى كومبارس آخرين يتنقلون من خندق الى آخر يوجههم مذيع تلفزيوني هلفوت يلقن مفككا كبيرا كيف يتكلم .

كل هذا يشي بأمر واحد أن الجموع التي تحركها هذه الشراذم , لم تنضج كفاية لتقوم بالتغيير وتسيطر على القرار وتكمله للأخر .

المعروف عن الشعب العربي أنه شعب غير قاريء , وهذا ما يجعله مثقوب الذاكرة على الدوام , كما أن حوادث التاريخ لا تضيف الى معلوماته الكثير كما لاتضيف اليه العبرة والاتعاظ . ثورات العرب الان ضد الانظمة مع ما تحمله من معاني انسانية واهداف نبيلة في بعضها وعند البعض ايضا , تشبه الى حد كبير ثورات دول أمريكا اللاتينية الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الامريكية التي عبثت بها كما لم يعبث أحد بأحد .التي حطمتها ألة الاعلام والمال الأمريكي , وتركتها بعد الثورات الحاصلة فيها كيانات سياسية يفتك بها ثلاثي , المخدرات والجنس وانياب صندوق النقد الدولي . الامر الذي اوجد لدى مواطنيها حالة نزوع دائم من ازماتها فهربت مرة أخرى الى اليسار للخلاص من هذه الهيمنة . والخلاص من هذا الشيطان الواعظ ,

 وشبيهة ايضا بثورات دول اوربا الشرقية التي تركتها الدعاية الغربية والامريكية فريسة اقتصاد هزيل ومؤسسات لاتستطيع الايفاء بمتطلبات الشعب , جعلتها تستجدي العضوية في الاتحاد الاوربي للخلاص من ازماتها الاقتصادية , كما ان الشعوب عادت تترحم على ايام الهدوء الاقتصادي والاجتماعي ايام الحقب القديمة . والفت الولايات المتحدة الامريكية افرازاتها السيئة على هذه الدول على رؤوس الاتحاد الاوربي الذي منحها العضوية دون أن يشركها في النماء الاقتصادي الحقيقي , أو خلاصا من مواطنيها الجائعين المهاجرين الى اوربا بحثا عن لقمة الخبز . وقد اهتدى بعض كتابها ومثقفيها الى هذه النتيجة سلفا , ولكن طوفان العواطف  وكمية الجرعات الاعلامية المخدرة انذاك كانت كفيلة باسكات الاصوات العاقلة .

أنا شخصيا افهم من الثورة انها حالة سخط عام على الاوضاع الاقتصادية والسياسية بوجه عام , وهذا السخط يتواجد حيث تتواجد هذه الاوضاع , اما أن تقام ثورة في مصر ولاتقام في المغرب المشتركة معها بنفس الشعب ونفس الشعور . لان الراعي لايريد ذلك الان , وأن تقام في سوريا ولاتنشط في الاردن . وان تقام في تونس ولاتقام في العراق الذي يفقتد مواطنه لابسط مقومات الحياة على الارض . فذلك يعني أن الثور الاخر المصارع غير حاضر للحلبة , ولاقامة المباريات لابد من ثورين .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز