الدكتور رضا العطار
ridhaalattar@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 March 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
ما العبرة من الثورة على رجال الدين ؟

الأديان في حقيقتها كلها سواء، من حيث اعتمادها على الوحي بغية نشر اخلاق جديدة يؤمن بها الشعب كي ينأى بها عن الرذائل ويمارس الفضائل. ولا يمكن لأحد يؤمن  بالاديان الألهامية الثلاث، ان ينكر هذه الحقيقة، لأن الاساس في جميعها واحد، كما ان منطقها في الاقناع واحد ايضا. واذا كان هناك تفاضل بينها فلا يكون هذا من حيث الواقع وعدم الواقع وانما من حيث ملائمة هذه الاخلاق لخلق الانسان الصالح اولا.

 

والاديان الالهامية جميعها نشأت بلا استثناء نتيجة الثورة على اخلاق المجتمع. فهي في صميمها تمرد.  لأن النبي محمد (ص) مثلا كان يجد ان الظلم الأجتماعي و الفساد الخلقي، المتفشي في مجتمعه، مجتمع قريش، يثير في نفسه السخط والغضب والأشمئزاز، مما جعله ان  يكفاح في سبيل تغيير سلوكياته الرذيلة الى ما يناقضها من حميدة متسمة بالاخاء والمودة والعدل والرحمة.  ولذلك كان المجتمع يضطهده. وكذلك الحكومات كانت تضايقه وتطارده.  ومن هنا كان جهد النبي منصبا في غرس قيم اخلاقية جديدة  في نفوس افراد مجتمعه بهدف خلق المدينة الفاضلة التي نادى بها الفيلسوف الاغريقي افلاطون قبله بألف عام. 

 

وهذا الجهد المشكور الذي يُبذل في سبيل حياة احسن للناس يستمر حتى بعد موت الأنبياء، حيث القائمون به يتولون الزعامة والرياسة للمؤمنين والاتباع.  فإذا انتصروا، تولوا الحكومة ايضا.  وعندئذ يستقر الدين ويعود همّ زعمائه ورؤسائه والمحافظين على المبادئ والاسس الجديدة بعد ان كان همّهم ازالة الاسس القديمة. اي ان الدين استحال برجاله الجدد من الثورة الى الجمود،  ومن الرغبة في التغيير والتطور الى الرغبة في الاستقرار والركود.

 

ثم تظهر طبقة جديدة من المتفقهين في الدين ينتفعون ويرتزقون منه وهم يكافحون بذلك كل تغيير في المجتمع او الحكومة، لأن تغيير المبادئ والاسس القائمة يحتاج الى الرجال الجدد والى انتقال السلطة والرزق من ايديهم الى ايدي آخرين. ولذلك كان رجال الدين على الدوام محافظين. ولا يمكن ان يكون بينهم ثائر. واذا وجد،  فانه يُخرج من حظيرتهم او يقتل. وهذا هو معنى الاضطهاد الديني الذي سفك دماء الملايين من البشر.  

 

اما اذا وجد رجال الدين تأييدا من حكوماتهم، او اذا كانوا همْ يتولون الحكم،  فانهم ينساقون في السلطة المطلقة. والسلطة المطلقة تقود الى فساد المجتمع، وعندما يتفشى الفساد لا يجرأ احد على معالجته او منع رجاله من التمرغ في حياة البذخ والترف.

وكل ثورة تحتاج الى شرطين مهمين لأشعالها:

 1 – تغيير الوضع الاقتصادي.

2 -  الثقاب الذي يشعل الثورة.

وقد وجدنا هذين الشرطين واضحين في ثورة ( لوثر ) الالماني المولود عام 1483 على الكنيسة الكاثوليكية البابوية. فقد كان هو نفسه كاثوليكيا امينا لعقيدته.  وكان هو على ضمير يقظ  في الدين يحس بضرورة التعاون والرحمة والاخاء بين البشر اي انه كان مسيحيا عميقا في ايمانه.

 

لكن المجتمع الذي عاش فيه كان جديدا بالمقارنة مع مجتمعات القرون الماضية، وكان هو يحس وعيا جديدا يكدر عليه ولاءه للكنيسة الكاثوليكية. فقد رأى اكتشاف القارة الامريكية وعمره تسع سنوات، وبالرغم من ان الجامعات العربية في الاندلس كانت قبل 500 سنة تدرس طلابها عن كروية الارض،الا ان الكنيسة كانت تحسب ذلك كفرا، تعاقب قائلها بقسوة وحشية،  ثم كانت هناك دوافع تقول بان يكون لكل شعب لغته دون اللغة اللاتينية.  وكان الانجيل لا يقرأ الا في اللغة اللاتينية بحيث لم يكن يفهمه عامة الشعوب الاوربية.

 

كان لوثر يحس هذه الاحساسات، غامضة مضطربة في نفسه ولكنها انفجرت واستضائت عندما اشتعل الثقاب.  ان ما ادى الى الفساد هو اصرار الكنيسة الكاثولوكية  ، بيعها صكوك الغفران.  اي ان مرتكبي الخطايا كانوا يستطيعون ان يحصلوا على البراءة فلا يحاسبون ( يوم القيامة) اذا ادّوا مقدارا من المال يتلائم وحجم الأثم. ورأى لوثر الكهنة ينزلون على المدينة والقرى ويجمعون ما استطاعوا مما يبيعون من شهادات الغفران ، فثار ومنع الالمان شرائها.

 

ثم علق لوثر عام 1517 على باب كنيسته لائحة تضم 99 بندا يخالف فيها الكنيسة الكاثولوكية، وكان الشعب الالماني في هذه الثورة معه.  لكن الحكام كانوا ضده.

 وترجم لوثر الكتاب المقدس من اللغة اللاتينية الى اللغة الالمانية وصار في مستطاع الشعب ان يقرأ ويفهم دينه. وبعد ان كان لوثر راهبا،  جحد مجد الرهبنة وتزوج.

واستطارت هذه الثورة الدينية من المانيا الى جميع الاقطار الاوربية وتحررالضمير البشري من سلطة الكهنة وكان لهذا صداه في حرية الفكر في ميادين اخرى من الحياة. 

 

اما حال رجال الدين عندنا في الوطن العربي الكبير فان معظمهم يؤثرون تأثيرا سلبيا على المجتمعات المتحضرة التي تناضل من اجل تحقيق مكاسب اقتصادية واجتماعية عادلة. انهم تنابلة يعيشون كالطفيليات على حساب العباد، يمضون ايامهم متثاوبين، يهدرون الوقت سدى ولا يبذلون جهد عضلي او فكري، انهم غير منتجين بل بالعكس عالة على المجتمع. انهم يحترفون السياسة الأنتهازية، غايتهم احتكار السلطة. وانهم لا يبالون بالفقراء. بل انهم هم سبب هذا الفقر في مجتمعاتنا.

 

انهم يعقدون العهد مع الطغاة، يدعمونهم في مقاومتهم لكل حركة ترمي الى اصلاح المجتمع. ويصيغون كل انواع الفتاوى التي تضمن استمرارية الطغاة في ظلم شعوبهم. اي انهم يقارعون اي نظام ديمقراطي تعددي علماني وطني ليبرالي ، لأن مثل هكذا نظام حضاري ينزع عنهم براقعهم المزيفة ويدفعهم الى زاوية عملهم الروتيني في الجامع، ويمنعهم من التدخل في شؤون السياسة.

 

اما اذا ثارت الشعوب ذوي النزعة الوطنية،  كما يحدث الان في العديد من البلاد العربية وتمكن الثوار من كُنس المستبدين من عروشهم. انقلب رجال الدين ضدهم واصطفوا في جانب  الشعب لا لعدالة قضيته بل انما للحفاظ على مناصبهم ومالهم الحرام. والمشكلة ان الجمهور يصدقهم ويمشي ورائهم، دون ان يتسائل فيما لو كان هؤلاء المنتفعين الوصوليين اهلا للتصديق. انهم يثيرون الفتن بين المذاهب بفتاويهم السخيفة مسببين  سفك دماء المسلمين،  لكنهم يبقون قابعين في ابراجهم العاجية دون ان يصيبهم أذى.

 ولهذا السبب كان الغرب سباقا في التخلص من نفوذ كهنته، فأحجمهم ومنعهم من التدخل في الشؤون العامة و خاصة في العمل السياسي. وبذلك تمكن من ان يمهد لنفسه طريق التقدم والازدهار.

 

ومن هنا جاء سر محاربة بعض رجال الدين للافكار الغربية في بلداننا العربية لانها تدعوا الى تحجيمهم ومنعهم من مزاولة وظائف لا تمت الى الدين بصلة.  

واليوم جائت الفرصة التاريخية للشعوب الناهضة ان تجتثّ هذه الزمرة البغيضة من رجال الدين الذين يحجبون انفسهم تحت لباس الدين، مسببين البلايا للشعب.

 

 قال الاديب العربي توفيق الحكيم في كتابه ( تحت شمس الفكر) : ان اولئك الذين يجعلون (الدين) سلما (للدنيا) – لا (الدنيا) سلما (للدين) – قد طردهم الدين بعيدا عن حظيرته. فالدين السمح قد بسط  ذراعيه لكل الناس لا احتراف فيه ولا احتكار ! ...  

وقال الشاعر القرمطي في الدجالين من رجال الدين قبل الف سنة :  

 

                 لا يخدعنك اللحى والصور    تسعة اعشار من ترى بقر

                 تراهم كالسحاب منتشرا            وليس فيه لطالب مطر

                 وفي شجر السرو لهم مثل              له رواء وماله ثمر

وهذه ابيات لاذعة لألياس فرحات من ادباء المهجر، يصب فيها نار غضبه على رجال الدين الأنتهازيين سواء أكانوا اصحاب قلانس او اصحاب عمائم قوله:

 

              لا يفهمون الدين الاّ جبّة                  وعمامة وسبحة وهراء

              ان يخسر الوطن اللواء وارضه    وسواهما، فالأمر ليس بلاء

              أما اذا نقض الوضوء فنكبة        تذري الجبال وتغمر الأوداء

من كتاب الثورات لسلامه موسى مع اضافات هامشية لكاتب المقال.

                   






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز