سري سمور
s_sammour@hotmail.com
Blog Contributor since:
27 January 2010

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
حضرة الدكتور سلمان...نقطة نظام(1/6)

 

-الجزء الأول-

بقلم:سري  سمور

تجمعني علاقة ودية وطيبة بالأستاذ الدكتور سلمان محمد سلمان (قلقيلية) أستاذ الفيزياء في جامعة القدس/أبو ديس حاليا،والنجاح الوطنية/نابلس سابقا،ولطالما تحدثنا مطوّلا،واتفقنا أكثر مما اختلفنا،وأحببت هذه المرة أن يكون ردي وحواري مع الدكتور،وتحفظي على بعض ما ورد من أفكار مباشرة أو بين سطور مقالته الأخيرة بعنوان«ليبيا وما بعد ضياع دليل مثقفي الثورات» مفتوحا للقرّاء ،كي تعم الفائدة،ولأن الموضوع على قدر كبير من الأهمية،وليس كما اعتدت سابقا برسالة مباشرة عبر البريد الإلكتروني أو باتصال هاتفي،ولمن لم يطلع على مقالة الدكتور المذكورة فيمكنه قراءتها في نهاية هذا الجزء،وقد قسمت ردي إلى ستة أجزاء.

وأخال بأن د.سلمان قد وقع في حيرة المثقف الراهنة تجاه الأحداث والثورات المتلاحقة في البلاد العربية؛فالمثقف العربي أو الكاتب المتعمّق فوجىء-عموما- بما جرى ويجري،وقلة القلة من الأساتذة والكتاب والمحللين والمتابعين والمعلقين توقعوا ولو بشكل جزئي ما جرى،وأنا شخصيا حين قرأت مقالا للشيخ د.راشد الغنوشي قبل أسابيع قليلة من تفجر الثورة التونسية،عقّبت وقلت في سرّي بأن الشيخ حالم ومفرط في تفاؤله،ليتبين أن الغنوشي كان من القلّة التي استشرفت المستقبل الذي غدا حاضرا.

دكتور سلمان:   أعلم بأن حسّك الوطني،المفعم بالانتماء الصادق،هما الدافعان الرئيسيان لما خطه قلمك الذي أحترمه،وأقرّ برجاحة عقل حامله،وهذا ليس غزلا ولا مدحا،فما اعتدت ذلك؛ولكنك بما كتبت في مقالتك الأخيرة تبنيت نظرية أصبح من الضرورة بمكان وزمان الابتعاد عنها إلى حد النبذ؛نظرية ووجهة نظر مفادها بأن الحاكم ما دام ليس خائنا وعميلا للغرب وإسرائيل فلا داعي للثورة عليه أو إزاحته،أقله في الظروف الحالية!

وقد تبين بأن هذه النظرية ليست صحيحة،وأعلم سلفا بأنك لم تكتب هذا صراحة،ولكن ما وراء السطور،وما قدمته من إيحاءات لا تحتمل التأويل يوضح بأنك تتبنى هذا الطرح،ولست وحيدا أو متفردا فيما ذهبت إليه،فأنت تمثل شريحة قد تختلف الخلفيات الأيديولوجية لأفرادها ولكنهم اتفقوا على هذا الطرح ،وركنوا إلى هذا الرأي.

مفهوم وتأكيد العمالة

إن العمالة والخيانة أو التعاون مع الغرب أو إسرائيل أو الحركة الماسونية،ودرجة هذه المفاهيم وطبيعتها ليست معرّفة تماما،أو ليست بالطريقة الفسطاطية الثنائية؛أي الحق أو الباطل،الخير أو الشر،الأبيض أو الأسود؛اللهم إلا في حالات قليلة ومعلومة لا لبس فيها ولا تقبل التشكيك والتأويل؛مثلا حالة السيد حسن نصر الله مع سمير جعجع،أما العديد من المواقف والحالات فتدعو أحيانا إلى الحيرة،أو تجبرك وتضطرك إلى سماع التبريرات والسياقات المكانية والزمانية لكل منها،مع التأكيد أن الخيانة جرم  عظيم وإثم كبير وليست وجهة نظر إذا ثبتت بحق أي إنسان.

ورغم كل ذلك فأنت قلت بوضوح بأن القذافي ليس عميلا لأحد،وهذه مسألة فيها نظر وتأمل،وهو ما سآتي عليه بالتفصيل في جزء لاحق،كما استبعدت فكرة تخلص الغرب من عملائه وجواسيسه حين انتهاء الحاجة إليهم،وهذا أمر تنفيه الشواهد التاريخية؛مثلا من قتل إيلي حبيقة؟ولماذا؟ففكرة التخلص من عميل أو متعاون أو شريك في مخطط أجنبي واردة خاصة حين يصبح عديم الفائدة أو أنه يمتلك بعض الأسرار والمعلومات التي قد تفضح من يشغله ويستخدمه،أو تربك هذه الأسرار خطط هذا المشغل لو تم كشفها،وأستغرب استبعادك الكلي لهذا الأمر وعدم وضعه في الحسبان!

وقد تعلمنا بأن السياسة وتحالفات القوى الكبيرة والصغيرة أشبه بالرمال المتحركة،فلم يكن العثمانيون عملاء،لكن بريطانيا وقفت إلى جانبهم ضد محمد علي باشا(القرن التاسع عشر)،ثم ساعدت وشجعت الشريف حسين كي يثور عليهم(القرن العشرين).

ودعم الغرب صدام حسين في السر والعلن في حربه مع إيران،ثم جيّش له الجيوش الجرّاراة ودمر آلته العسكرية،وفرض على بلاده الحصار القاسي،وفي نهاية المطاف احتل بلده وحطم نظامه واعتقله وقدمه إلى المشنقة صبيحة يوم النحر!

وسهّل الغرب وشجع من أراد محاربة السوفييت،وربما قدم الدعم في بعض الأحيان،ثم أصبح هؤلاء الذين كانوا بنظره ثوارا ومجاهدين إرهابيين وظلاميين وعصابات من القتلة الذين يستحقون القتل بلا محاكمة،والسجن في غوانتانامو ليسومونهم سوء العذاب!

وهذا الغرب هو الذي رفض اندماج اليهود في المجتمع الأوروبي،وجعل لهم الغيتوهات،ثم دبر وموّل ونفذ مشروع إقامة دولة يهودية مدججة بالسلاح،وقوية اقتصاديا في قلب بلاد العرب،وليس في أوروبا،وأصبح مجرد توجيه أي نقد لهم في أي منبر أوروبي جريمة كبيرة تستحق أشد العقوبة،وغض الغرب وما يزال الطرف عن كل ما ترتكبه الدولة التي زرعها هنا وسقاها ورعاها من جرائم تخالف وتناقض كل المثل التي يدعي أنه قائم عليها.

هذه بعض الشواهد عن طبيعة السياسة وتغيراتها وتبدلاتها،ما بين فترة إلى أخرى،ومن زمان لآخر،ويجب ألا تغيب عن ذهن أي شخص يتحدث أو يكتب عما يدور.

وحين نتحدث عن الثورات لنتذكر وقوف أمريكا إلى جانب شاه إيران محمد رضا بهلوي طويلا ثم التخلي عنه لاحقا،ولا ننسى كلام هيلاري كلينتون عن استقرار حكومة مصر بعيد ثورة تونس،وكيف تبدّل وتغير حديثها لاحقا،وجاءت لزيارة ميدان التحرير...ومواقف أخرى عديدة تجاه الثورات في بلاد العرب،رغم أن السمة الأبرز فيها محاولة التظاهر بالوقوف مع الشعوب في وجه جلاديها،رغم أن الجلاد والمستبد قد حصل على سياطه وسيوفه من أمريكا،وكان يستمد شرعية وجوده منها.

معضلة المثقف العربي

تعريف المثقف ليس واضحا تماما،لا سيما في عصرنا المفتوح على وسائل التكنولوجيا التي تضخ المعلومات لمن شاء وقتما شاء وبضغطة زر عن أي شأن شاء،ولكن شريحة المثقفين معروفة ويوجد اتفاق ضمني على ملامحها العامة.

وكانت مشكلة المثقف العربي وما زالت قائمة قبل وبعد الثورات العربية،وأقول كان الله في عون المثقف المستهدف دوما.

-  فقبل الثورة بحّ صوت المثقف،ومن المثقفين من قضى نحبه حزنا وكمدا؛وكان هناك تشخيص دقيق لحالة العرب وطبيعة النظم السياسية والاجتماعية،والتراكيب القائمة،وضرورة إصلاحها،أو تغييرها بشكل كامل،وأصاب اليأس المثقفين ومريديهم من إمكانية تبدّل الأحوال قبل جيل أو أكثر.

-  وقبل الثورة وأثناءها كان المثقف هو المستهدف من الأنظمة إما بالقمع أو التدجين أو الاحتواء الماكر،فهذه من طبائع الاستبداد التي تحدث عنها الكواكبي،فأنظمة الاستبداد كانت تخاف المثقف الذي يعي ما يجري حوله،وتخاف أن تنتقل «عدواه» إلى الشعب،فعملت النظم المستبدة على محاصرة المثقف بكل ما أوتيت من قوة ودهاء،ولم تتورع عن ارتكاب كل ما من شأنه الحط من مكانة المثقف وتأثيره على محيطه،بدءا بالقتل والسجن والملاحقة والتضييق ومرورا بالرشوة والتشويه الشخصي والتشكيك في الانتحار في الانتماء الوطني وليس انتهاء بالإقصاء والتهميش والحرمان من الأهل والوطن.

-  أما بعد الثورة فالمثقف مطلوب منه شاء أم أبى أن يجيب على الأسئلة الحساسة والدقيقة والصعبة،خاصة السؤال الكبير في محتواه الصغير في لفظه:وماذا بعد؟خاصة بأن الانطباع العام أو الصورة الظاهرة تقول بأن المثقف ليس هو من فجر هذه الثورات وكان الدور الذي لعبه فيها محدودا،ورغم ذلك أجب أيها المثقف عن كل الأسئلة،المثقف حائر،أو ضائع وتائه،إلا من رحم ربي،وما جرى أصابه بحالة ارتباك لم يفق منها حتى الآن،وانقسم المثقفون،وهنا أتحدث عن الشريحة المثقفة المنتمية لأمتها ووطنها،الحريصة على نهضة ورفعة أهلها وليس عن الشريحة الأخرى ،انقسم هؤلاء إلى فرق وشيع،إما مندفعة وإما متحفظة،وإما متناقضة وهؤلاء كثرة بالمناسبة فربما التسارع الكبير يؤدي إلى التناقض أحيانا.....يتبع الجزء الثاني

(هذا نص مقالة د.سلمان محمد سلمان موضع ردي)

 

ليبيا وما بعد: ضياع دليل مثقفي الثورات

د. سلمان محمد سلمان – أستاذ الفيزياء النووية والطاقة العالية – قلقيلية – فلسطين

 

ما يلفت الانتباه طبيعة الاصطفافات تجاه الثورات القائمة في العالم العربي وكما يبدو فالعقل العربي الجمعي بليد إلى درجة رفض فهم تعقيدات الأمور وتميزها ولا يستطيع استيعاب أكثر من;evH جملة واحدة تختصر الموقف وتفسره. الحقيقة أن من الصعب على الكثير من المحللين إقناع أنفسهم منطقيا بما يطرحون فكيف يقنعون غيرهم. فهم يخلطون الحابل بالنابل ويشتمون الغرب المنافق وينسون نفاقهم عندما يحاولون تفسير ما يحصل.  ربما من الأسهل للجميع لو قالوا ما يريدون فقط دون تبريرات متناقضة. عند ذلك ستكون الحياة أسهل لهم ولغيرهم. لن يغير ذلك من نتائج المعارك القائمة على كل حال لكنه ربما يخفف الانغلاق المطبق على السماء العربية.

 

سنتعرض لمجمل هذه التغطيات التحليلية ولكن قبل ذلك نود التذكير بأهم منطلقات تقييمنا. فان اختلف البعض مع فهمنا يمكنه رفض ما نريد لكنه لن يستطيع القول أننا نقول غير ما نؤمن به. لمزيد من المعرفة لوجهة نظرنا يمكن الرجوع لدراسة انهيار النظام العربي المنشورة سابقا.

 

أولا: ثورات مختلفة تتطلب التمييز: نلخص الأمر كالتالي:

1-1 مصر وتونس:

إجماع شعبي كبير على رفض النظام وتعاون كبير من قبل قوى الشعب المنظمة وحيادية ايجابية من قبل الجيش وبالتالي سقوط الحاكم بأقل عنف ممكن. الدور الغربي: لم يلزم تدخل بأكثر من إشعار الجماهير والجيش تحديدا أنه لا يمانع من إسقاط النظام لكنه يريد نظاما لا يتحدى الغرب ولا يخرج عن سياسته العامة الاقتصادية والاجتماعية وهناك حرص خاص على كيفية التعامل مع إسرائيل. وقد انقسمت مواقف الغرب بين من اعتبر إسرائيل موجهة للسياسة الغربية ومن افترض ضرورة تبعيتها. وعليه فقد كان هناك سيطرة لوجهة النظر الأولى بسبب قوة توحد الموقف الشعبي ونتج عن ذلك قلق كبير من قبل التيار الموالي لإسرائيل وتطلب ذلك تحركات جديدة تحجم مستقل الثورة المصرية تحديدا.

 

ليس هناك خلاف أن مبارك تعاون مع الغرب كثيرا ونفس الأمر بالنسبة لبن على. وعليه فالسؤال عن سبب تخلي الغرب عنهم يتطلب إجابة مناسبة. فالغرب لا يتخلى عن حلفائه دون مكتسبات أكبر ولا يكفي القول أنه استنفذ مهمته ولا يعقل قبول الغرب التخلي عن حلفائه دون الاطمئنان بالحد الأدنى أن يكون البديل أفضل وهذا يبقى سؤالا برسم المستقبل. هذه المقولة تفسر لماذا لا يقبل الغرب أي تغيير ضمن دول الخليج أو المغرب لأنها دول حليفة للغرب على مدى أجيال من الآباء إلى الأبناء ومن شبه المستحيل إيجاد بدائل أفضل منها.

 

1-2 اليمن:

موقف الغرب بشكل عام حيادي: فهم لا يرغبون في تغيير غير واضح لكنهم لا يعتبرون الرئيس صالح حليفا. ومع انه تعاون مع الغرب وخاصة أميركا خلال "حرب الإرهاب" إلا أن ذلك كان تجاوبا تحت الضغط أكثر منه تعاونا عن رغبة أو انتماء للغرب.  فوق هذا لا يرى الغرب مانعا من تقسيم اليمن تحت ضغوط التغيير التي يغذيها انفصال تاريخي لفترة تصل إلى حوالي قرن من الزمان بين الجنوب والشمال وطائفي بخصوص حوثيي صعدة. لكن هذه القوى لا تستطيع الانفصال دون دعم خارجي بحكم أكثرية الشمال المتبقي وتكافله القبلي. لكن  الغرب لا يريد نمو نبت شيطاني من القاعدة في حضرموت يهدد استقرار المنطقة رغم استخدام الكثيرين للقاعدة كفزاعة. وطالما بقي الاحتجاج مقتصرا على قوى الانفصال فلن ينجح بحكم الأغلبية الكبيرة للشمال. لكنه يصبح محتمل النجاح في حالة انشقاق من قبل الشمال وهذا يتطلب مزيدا من الوقت.

 

موقف الغرب انتهازي فهو يقبل استمرار الاحتجاجات بأمل انهيار اليمن وانقسامها وبالتالي لا يريد نجاح على صالح في الحسم. لكنه أيضا لا يريد سقوطه وما يحمل ذلك من خطر على استقرار المنطقة. وإذن من غير المناسب وصف الوضع في اليمن بالثورة بل هو احتجاجات أساسها مصالح جغرافية أو طائفية. ومن الأفضل لليمن حل مشاكله بطرق أخرى غير الخروج للشوارع والذي أصبح مشهدا سخيفا حقا. فما معنى خروج مئات الآلاف كل أسبوع يطالبون برحيل الرئيس عندما يخرج مثلهم أو أكثر منهم مؤيدين.

 

انه يعني فقط أن المرجعية عند ذلك تبقى للدستور وبهذا يكون الموقف مع الرئيس على صالح. أحببنا صالح أو كرهناه لن يغير هذا من حقيقة تمتعه بدعم قطاع كبير من الشعب ولا يمكن إخراج كل هذه المظاهرات بذريعة الخوف فالآخرون ليسوا خائفين. ولا يمكن أن يكون بإغراء المال بحكم الأعداد وإذا قبلنا ذلك فما الذي يمنع المقابل أيضا من نفس الاتهام.

 

كل هذا يتطلب التفكير من الذين يرفضون كل عروض صالح وتنازلاته التي في رأيي لا يحركها الخوف من المعارضين بمقدار الخوف على اليمن. موقف الرئيس أعلى أخلاقيا من المعارضين له. فعندما حاول مبارك استنهاض الجمهور استطاع إخراج عدد محدود من آلاف المتظاهرين مقابل ملايين من المعارضين. بمثل ذلك الوضوح لم يكن ممكنا للرئيس الادعاء انه محبوب من الشعب وان له قاعدة شعبية تتطلب احترام الوضع الدستوري. ونفس الأمر حصل لبن على إما اليمن فليس الأمر كذلك.

 

1-3 ليبيا:

يتندر كثير من الكتاب والسياسيين ومنهم الثوريون على القذافي ويجعلونه موضع استهزاء ولكنهم بنفس الوقت يهاجمونه بحقد غير طبيعي مع أن من غير المألوف التندر على خصم دموي تخافه. وهذا أول التناقض وهو تقليد للصورة النمطية التي يريدها الغرب عنه أكثر من تعبير عن الحقيقة.

 

هل القذافي دكتاتور: لا أعرف ولا يحق لي الحكم فهذا الجزء تحديدا مسئولية الشعب الليبي والجواب يتم بانتخابات حرة ونزيهة والرجل أبدى استعاده لذلك من البداية.

 

القذافي ليس عميلا لأحد وكل من يريد تبرير الأمور بهذا الفرضية يعرف أنه يكذب أو يخدع نفسه فلو كان القذافي عميلا فليس هناك أي مبرر للمبادرة بإسقاطه وخاصة بالشكل الذي يتم الآن. من الواضح انه ليس هناك أي إجماع ضده من شعبه وكل ما استطاع الثوار تحقيقه رغم كل الدعم احتلال منطقة مميزة جغرافيا قليلة السكان بعيدة عن المركز ومعارضة ليس للقذافي شخصيا بل ربما تعتبر نفسها مختلفة عشائريا عن غرب ليبيا.

 

والشرق يمثل حوالي مليون نسمة بينما الغرب حوالي 5 مليون. من الواضح أن الغرب هو الأغلبية وعليه من المستحيل لثوار من الشرق تحقيق أغلبية دون تعاون كبير من غربها. ولأنهم لم يستطيعوا ذلك فقد طلبوا تدخلا سافرا من الغرب ومساعدته العسكرية الفجة وضرب قوات الحكومة ويريدون من الغرب تسليحهم. ثوار ليبيا لا يحققون صفات الثورة الشعبية السلمية ولا يمثلون ثورة مسلحة صالحة للنصر.

 

القذافي ليس عميلا للغرب رغم انه تنازل لهم كثيرا وبنوع من السذاجة النسبية في فترة الانهيار العام زمن بوش. لكن تنازله لم يصل لدرجة أن يكون حليفا للغرب وهم يعرفون ذلك. أراد القذافي تجاوز الحصار منذ عام 1992 وحتى 2003 وكان خائفا بعد احتلال العراق ولم يكن في ذلك وحيدا فحتى روسيا والصين كانتا خائفتين. وعليه فكل تحركاته منذ عام 2003 مثلت هروبا وخوفا لمنع الأسوأ أكثر منها تآمرا أو تحالفا مع الغرب. وهذا يشبه سلوك الرئيس الشهيد ياسر عرفات (رغم اختلاف المعطيات والشخصية لكل منهما) عندما قبل التعامل مع مدريد أو اوسلو. فهو لم يدخل مقتنعا بمقدار ما كان تعاملا مع مرحلة مخيفة. وكما لم يصفح الغرب عن عرفات عندما رفض استكمال الدور الخطير في كامب ديفيد الثانية فلن يصفح عن القذافي مهما عمل طالما لم يعلن الولاء التام وهذا لم يتحقق.

 

الغرب يتخلى عن حلفائه فقط إذا أصبحوا مكلفين وغير مفيدين تماما وأمكن إيجاد بدائل أفضل منهم. ويتم التغيير عادة بطرق سلمية وبأقل عنف ممكن. والغرب لا يهاجم حلفاءه بالقسوة التي تمت في العراق أو ليبيا. هذه القسوة والعنف محجوزة لأعداء أشداء حتى لو تراخوا بعض الوقت. وإذا أخذنا بالاعتبار أن علاقة ليبيا بالغرب لم تعان من مشاكل خطيرة منذ فترة فلم يكن هناك مبرر للهجوم العنيف لإسقاطه وربما كان من المعقول التعامل معه مثل حالة اليمن على الأكثر. لكنه عومل بقسوة وسرعة فلماذا.

 

طبعا لا يمكن أن يكون الدافع إنسانيا فقط. يتم أحيانا ذكر النفط لكن ذلك لا يبرر السرعة وخاصة أن الشركات الغربية متنفذة بسوق النفط رغم أن هناك بعض السبب لأن ليبيا لا تعطي شركات النفط نسب امتياز عالية.  وأحيانا أخرى يفسر الأمر بغرض إسقاط القذافي لإقامة نظام على نمط مصر الجديدة يكتسب شرعية جماهيرية وهذا طبعا غير معقول لأن آلية الوصول للنظام الجديد تلوثت بالعنف والتدخل الأجنبي العسكري. ويتم التفسير مرات أخرى أن الدعم استباق للتغيير الذي كان سيفرضه الشعب وهذا طبعا قمة الإسفاف في حالة ليبيا. فلو تركوا الثورة لنفسها لما حصلت أصلا والدليل انسحاقها قبل بدء القصف الأميركي والغربي بل هي ضعيفة رغم كل الدعم. وإذن لماذا هذا التحرك الغربي المكشوف.

 

في رأيي أن التفسير يكمن في 3 أسباب: الأول تفجير ليبيا لإرباك نمو واتجاه ثورة مصر التي كانت مثالية وشجعت الناس على إعادة الثقة بانتصار إرادة الشعوب مما يشجع بروز حكام يؤمنون بنفس المقولة. وهذا يمثل خطرا كبيرا على موقف مصر من إسرائيل وتأثيرها الكبير على الأنظمة العربية الموالية للغرب وخطر عودة الروح الناصرية. تفجير ليبيا مثل رسالة تهديد لمن يفكر في مصر بانفصال عن الغرب. ومصر في وضعها المبكر والطري لم تصل لنقطة الشعور بالقوة. مرتبط بهذا طبعا أن سحق ليبيا يقصد به التذكير أن إسرائيل هي صاحبة الكلمة حتى قبل أميركا. وهذا يفسر حماس ساركوزي الصهيوني. ولا يخفى كيف تغيرت مشاعر إسرائيل وخف توترها الذي بدأ بعد نجاح الثورة المصرية. وهذا يفسر أيضا مطلقية دعم اللوبي الصهيوني لنفس التحرك. وعدم تحمس الموقف الآخر في أميركا ( أوباما والجيش) لهذا التطور وقبوله على مضض بسبب النفوذ الصهيوني أكثر من أي سبب آخر.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز