د. محمد فؤاد منصور
m_mansour47@hotmail.com
Blog Contributor since:
01 September 2010

كاتب عربي من مصر
مقيم حاليا في الولايات المتحدة

 More articles 


Arab Times Blogs
لاتحاكموا مبارك..

لاتحاكموا مبارك بالرغم من إيماني العميق بضرورة المحاسبة والمراجعة ورد المظالم واسترجاع الأموال المسلوبة بغير حق إلا أنني لست من المتحمسين لمحاكمة الرئيس السابق أو إهانته بأي صورة من الصور مع تسليمي بأنه كان الراعي الأول للفساد والمفسدين سواء قصد ذلك أو لم يقصده .

 أما لماذا أدعو لعدم محاكمته فلأن هذا الرجل ظل رمزا لمصر بل ربما الرمز الأوحد علي مدي ثلاثة عقود حتي أن مالايقل عن سبعين بالمائة من شعب مصر لم يعرفوا رئيساً غيره ، ونحن جميعا وبلا استثناء مسؤولون بشكل ما عن بقائه ونظامه كل هذه السنين بالرضا والموافقة أحياناً وبالهتاف والتشجيع أحياناً أخرى أو بالصمت والسكوت في أحايين كثيرة. ومع ذلك فأنا مع محاسبته ماليا والكشف عن مصادر ثروته وقيمتها ومصادرة مايثبت أنه قد حصل عليه دون وجه حق ورد الأموال المنهوبة منه أو من غيره إلي الخزانة العامة.

سبب ثان يعزز فكرة عدم محاكمته هو أن شباب الثورة وجموع المصريين قد طالبوه بالرحيل والتخلي عن السلطة في مقابل الخروج الآمن وهو مايعتبر عهداً قطعه الثوار علي أنفسهم ولاينبغي أن يسجل التاريخ أن الثوار قد نقضوا عهدا قطعوه خاصة وأننا قد صرنا ندرك أن مبارك قد حقن دماء المصريين حين تخلي عن السلطة قبل أن تجري دماء المصريين أنهاراً وأن جيوش الأمن لديه قد قاومت الثوار في البداية بالوسائل المتعارف عليها ، فلما تجلى إصرارهم وسقط منهم الشهداء أدرك خطورة الموقف وعبثية المقاومة وشرعية الثورة والثوار .

ولعل نظرة سريعة لما يجري حولنا شرقاً وغرباً توضح لنا بجلاء أن شهوة البقاء في السلطة لاتأبه بحجم مايسيل من دماء الشعوب المقهورة . وسبب آخر هو أن سماحة المصريين وتحضرهم تشهدان بأن الشعب المصري العريق لم يسمح طوال تاريخه بإهانة حاكمه حتي بعد عزله من السلطة وابتعاده عن حصنه الحصين ، ولعل التاريخ القريب يدلنا علي عمق تحضر المصريين ومبلغ تسامحهم بل وإحسانهم لمن كانوا رموزاً لذلك الشعب العظيم ومهما صدر عنهم من أخطاء أو خطايا ، فالملك فاروق الذي قامت ثورة يوليو ضد إفساده للحياة السياسية وزجه للجيش المصري في حرب خاسرة بأسلحة معطوبة ، ذلك الملك الفاسد قام الجيش بعزله وإبعاده هو وأسرته وسط مظاهر احتفالية تليق بملك حكم مصر ردحا من الزمن ، بل ولم ينس الثوار الغاضبون أن يطلقوا طلقات المدفعية توديعاً له ، بل وأن يؤدوا له التحية العسكرية كمايليق بملك وإن كان معزولاً ، إنها روح الحضارة المصرية العريقة حين تتجلي في أصعب الظروف وأحلك المواقف .

ولم يسلم سجل الزعيم الخالد جمال عبد الناصر من مثالب جمة لعل أبرزها تلك الهزيمة النكراء في يونيو ١٩٦٧ لحد تبعثر الجيش المصري وضياع أسلحته كلها في صحراء سيناء وسقوط آلاف الشهداء غير الأسرى والمفقودين ، إلي جانب الحكم بدولة المخابرات والتنكيل بالخصوم السياسيين وتعذيبهم ، وقد تنحي الرجل طواعية بعد الهزيمة النكراء ، لكن الشعب العظيم قرر في لحظة صدق أن يغفر له وأن يهبه فرصة ثانية لتصحيح الأخطاء بل وأن يودعه بعد موته وداعاً أسطورياً لم يحظ بمثله حاكم في التاريخ. أما الرئيس السادات فقد أحدث في السياسة المصرية ماكان يُعد في السابق خيانة عظمي توجب إعدام صاحبها حين قرر وحده ودون مشورة من أحد أن يصالح العدو وأن يعلن نهاية الحروب بيننا وبينه، بل وأن يأخذ قادته بالأحضان ويتبادل معهم الأنخاب، صحيح أنه قد دفع حياته ثمنا لإحدي حماقاته الكثيرة لكن الشعب الطيب سرعان ماتجاوز عن سيئاته ولم يعد يذكر إلا أنه كان بطلاً للحرب كما كان بطلاً للسلام. هذه هي مصر ، وتلك هي أخلاقياتها ، المهم أن نستوعب دروس التاريخ وأن نبني مصر بناءً جديداً يقوم علي ديمقراطية حقيقية لاتزيف إرادة الناس وبها آليات واضحة لمحاسبة المخطيء قبل أن يستفحل خطؤه هذا هو الواجب الأهم الآن ، فحسني مبارك ليس أسوأ من حكامها السابقين الذين عاملتهم مصر بالفضل والإحسان وبالروح المصرية السمحة التي تمتد جذورها وسماحتها وتحضرها في عمق التاريخ ، ولايليق اليوم بمصر وشعبها العظيم أن يكتب تاريخها أنها نكلت يوماً أوأهانت حاكماً لها حاول أن يجتهد فأخطأ وأصاب ، إنها لو فعلت فلن تكون مصر التي نعرفها والتي تعطي بقية الأمم دروس الأخلاق والتسامح والارتفاع فوق الصغائر.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز