الدكتور رضا العطار
ridhaalattar@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 March 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
ما العبرة من ثورة العبيد ؟ 2 والأخيرة

 ان ما ذكرناه في الحلقة السابقة من ان العبيد لم يفكروا يوما في الانعتاق والتحرر، الاّ ان هذه الحالة كانت تنطوي ايضا على بعض الأستثناءات. فان هناك العبد الذي يتعلم ويحصل على الثقافة ما يلهمه الاحساس البشري، فيجد الحافز الى التحرر. وهذا ما نجده في الكثير من العبيد المثقفين الذين اشتروا حرياتهم من اسيادهم بالمال مثل ياقوت الرومي - ثم كان الاسراف في التأمل والانتباء الى الحقيقة التي تذكرهم بانهم كانوا من صنف البشر، ويمكن ان يكونوا منهم، وذلك كانوا يثورون. وهذا ما وجدناه في حركة سبارتاكوس في ايطاليا حوالي 730 قبل الميلاد. فان الرومانيين كانوا يدفعون ببعض العبيد الى ساحة اولمبيا الرياضية ليصارع عبدا آخر، يقتله امام المتفرجين الذين يهتفون ويصفقون. وكان سبارتاكوس واحدا من هؤلاء.

 اذ كان عبدا مقدونيا، رفض ان يبقى كالخروف يربى ويسمن للذبح. وكان يعرف انه سوف يوجد من يقتله في النهاية دون شك. وكان تلميذا في مدرسة لتعليم المصارعة للعبيد في بلدة بادو، ففر مع سبعين عبدا آخرين. كانوا يتعلمون معه، وكانوا خليطا من الزنج والبيض والسمر من اسبانيا والسودان وسوريا ومصر ومقدونيا والمانيا ومراكش، فحضهم على الثورة واجتمع حوله من روما وسائر المدن والقرى الايطالية نحو مائة الف عبد، وجعلوا من قمة فيزوف البركان المعروف مركزا لأنطلاقهم، فصاروا يعيثون وينهبون. لكن ثورتهم فشلت ذلك انهم كانوا من امم متفرقة ليس لهم لغة مشتركة تجمعهم، لغرض التعبير عن اهدافهم ولم يكونوا قد ذاقوا طعم الحرية والعمل المستقل. وبذلك استطاع الرومانيون ان يهزموهم وينتقموا من ستة الاف منهم حيث صلبوهم على اعمدة الطرقات العامة. فكان تنكيلا فظيعا جعل العبيد راضين بالعبودية الفي سنة اخرى. ولم يبقى من قصة سبارتاكوس سوى الذكرى الاليمة التي يصبوا اليها الاحرار، يحسون لوعة الحرية المسحوقة في نفوسهم. كلما تذكروا هذه العاصفة. التي هزت ضمير الانسان في ايطاليا والتي انتهت بسيل من الدماء ... دماء العبيد.

لكن بشهادة التاريخ يجب ان نتذكر ان سبارتاكوس وهو على رأس قواته من العبيد الثائرين، لم ينهزم امام الجيوش الرومانية بمقدار ما انهزم بتخاذل العبيد انفسهم. فان هؤلاء المسحوقين من الرومانيين الذين كانوا في نفس حالة العبيد فقرا ومذلة، لم ينضموا اليه، لانهم نشأوا كما قلنا في مناخ خلقي اجتماعي يؤيد الرق. فالعبودية كانت ممزوجة في روحيتهم، فلم يتصوروا ولم يفهموا معنى الحرية كما انهم لم يجدوا لغة الثورة وكلماتها الملهمة التي تبعث في الانسان الهمة و الشجاعة وتعين الهدف فضلا عن قوة الاندفاع. فقد كان كل عبد يتسائل: ماذا افعل اذا صرت حرا ؟ ثم لا يعرف الجواب. وفكر سبارتاكوس كثيرا في تحريك العبيد والفقراء والمحرومين من الرومانيين والفلاحين المطرودين كي يجعل منهم جيشا يحطم به الدولة الرومانية ويؤلف دولة جديدة يلغي فيها الرق. ولكنه وجد تبلدا. بل جمودا عاما من كل هؤلاء الا القليلين الذين رافقوه منذ ابتداء ثورته وتورطوا معه.

هكذا الّف الرومانيون جيشا لمحاربته. وكان يقوده كراسوس وهو رجل ثري ليس بالقائد الحربي ولا بالسياسي المحنك. ولكنه ثري فقط. يحس وجدان طبقته. ويلتهب من الغيظ لان الرق الذي تنبني عليه ثروته سيزول --- وبقى سبارتاكوس يحارب وينتصر ولكن ليس الانتصار الحاسم الذي يقضي على فلول العدو. ومما اضعفه انه تردد بين ان يخرج بالعبيد الذين يؤيدونه الى خارج ايطاليا، وهناك البرابرة من الالمان والصقالبة ليؤسس دولة حرة وبين البقاء في ايطاليا محاولا ايجاد حكومة رومانية حرة بغير عبيد. والرجل المحارب الذي يتردد في المغامرات يخسر على الدوام لان المغامرات موت او حياة ولكنها ليست بين بين. وجمع كراسوس قواته ضد سبارتاكوس وانجلى الصراع وتحدد بين السادة الاثرياء من ناحية والعبيد المحرومين من ناحية اخرى. وحار سبارتاكوس ان يحتل جزيرة صقلية ويستعدي قراصنة البحر على الرومان، ولكن الرومانيين استعدوا له وقضوا عليه. ولم تكن المسيحية قد ظهرت بعد، اذ انها كان يمكن ان يستنبط منها سبارتاكوس فلسفة الرحمة التي ربما كانت تزود الثائرين بالكلمات والافكار عن الاخاء البشري والتراحم والمساواة. وانطفأت الشعلة التي اضاءها سبارتاكوس وعاد الرق سيرته الاولى في روما وجميع انحاء الدولة الرومانية. ( من كتاب الثورات لسلامه موسى )







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز