الطيب آيت حمودة
aithamoudatayeb@maktoob.com
Blog Contributor since:
17 July 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
في صراع ... المجد مع المتمجد

المجد والتمجد مفهومان مركزيان في علم السياسة والإجتماع ، وخصلتان من الخصال التي تظهر في أحوال المجتمع و ترتسم في طبائعه بفعل المبالغة في نفاق الذاتية والغيرية ، وإن كان المجدُ ذا مقام شريف ورفيع له لذة روحية لا يفقهها إلا ذوي الألباب ، وقد يظهر في بأس مقاومة الظلم والطغيان والإستبداد قدر المستطاع ولو بالقلب الذي هو أضعف الإيمان ، ومجتماعاتنا مغربها ومشرقها حبلى بالمفوهمين ، قد نحتاج في استجلاء أمرهما لشيء من التوسع والمثال ، خاصة ونحن نعيش في أيامنا هذه نماذج طافحة من المجد والتمجد ظهرت بجلاء في خصام الشعوب مع أنظمتها في البلدان التي طالتها الإنتفاضات الشعبية من قرطاج إلى المنامة مرورا بعدن ودمشق و عُمان ، والقاهرة و بنغازي .
***فالمجد في جوهره هو اكتساب تقدير واحترام الناس ، وفيه لذة روحية لا يستشعرها إلا ذوي الإحساس المرهف ، فهي لذة خيرية في الإنسان يشعر بها عند قيامه بجلائل الأعمال في سبيل نفسه ، أو أبناء جنسه ووطنه ، أو أهل ملته ، فالمجد في حقيقته الواسعة تضحية من أجل ( العامة ) ، تلك التضحية التي تجعل من القائم بها محفوفا بهالة التقدير من لدن الذين تمت التضحية من أجلهم ، وهو يفوق لذة التملك عند الحكام والسلاطين والأمراء ، أو لذة الكسب والثراء عند الفقراء ، أو قل إن شئت بأنه مزاحم قوي للحياة ، وكثيرا ما توافق البُحاث وتناغموا بأن جعلوا المجد مقدمٌ ومفضلٌ على الحياة ، فقد أورد عبد الرحمن الكواكبي أمثلة طبيعية عن تفاضل المجد على الحياة منها إقدام بعض القادة والأمراء على الإستبسال حد الحتف طلبا للمجد، أو مثل ما عند الحيوان من رغبة في الإنتحار بدل الإندحار ، فالبلابل الصداحة كثيرا ما تنتحر تخلصا من قيود المذلة والهوان في قفصها المزدان ، وفي أسر الوحوش ما يدعوها للصوم عن الأكل إلى حد الإنتحار ، كما أن المرأة الحرة الشريفة تموت ولا تأكل بعرضها ، والماجدة تموت ولا تأكل بثدييها .
وقد فصل المتفقهون في المجد فجعلوه صنوفا وأنواعا منها (مجد الكرم ) الذي يأتي عن سخاء وحب إنفاق كالذي عليه حاتم الطائي ، ومنها ( مجد الفضيلة ) الذي يتوفر لأوقر العلماء والمفكرين الذين سخروا جهدهم وفكرهم لعلم ينفعُ الناس في دنياهم وأخراهم كابن كثير ، والبخاري ، وابن سينا ، وابن رشد ،عند المسلمين ، أو أصحاب المكتشفات الحديثة في الغرب التي أضاءت مسارات البشرية ،كمبتكر المصبا ح الكهربائي ( طوماس أديسون) ومكتشف الجاذبية ( إسحاق نيوتن) وواضع النظرية النسبية ( اينشتاين ) ، وأكثر أنواع المجد طلبا للنيل هو ( مجد النبل) وهو من أعلى مراتب المجد يأتي عن طريق بذل النفس رخيصة تعرضا للمشاق والصعاب والأخطار من أجل نصرة الحق وإحقاق العدالة ومحاربة الطغيان والإستبداد ، وهي صفة اتصف بها الثوار قديما وحديثا ضد البغاة والطغاة والمستبدين أينما كانوا وحيثما وجدوا ، ولعل في صور ما شاهدناه ونشاهده هذه الأيام مباشرة على التلفاز في ساحات الإعتصام يُعد من قبيل ذلك ، وأكثرها وضوحا ما يقوم به شباب ليبيا واليمن وسوريا والبحرين من جهاد سلمي يدل كثيرا عن شهامتهم ونبلهم ضد السفالة والنذالة التي ينأى الإنسان عن ذكرها بالإسم، باعتبارها أنظمة إرهابية منافقة سفاكة دماء لا رحمة ولا شفقة في نهجها ومسارها وأفعالها ، فمجاهدوا ليبيا ضد الطاغية القذافي يصدق فيهم ما قالته أسماء بنت أبي بكر الصديق لابنها الثائر عبد لله بن الزبير[ إن كنت على حق فاذهب وقاتل الحجاج حتى تموت ] ، في حين يصدق في القذافي وطغمته ما قاله (غامبيتا الفرنسي) يوما لصديقة (ماكماهون ) الرئيس المستبد بقوله [ الأمر للأمة لا إليك ، فاعتدل أو أعتزل ، وإلا فأنت المخذول المهان الميت ] غير أن الإعتدال والإعتزال في وضعنا العربي وظروفنا هذه لن تقبله العامة الجريحة ، التي رفعت في سقف مطالبها ، ولازالت تصدح بمطلبها ( الشعب يريد إسقاط النظام )، بعدما أدركت بأن التغيير لن يتأتي بتبديل الأشخاص وتغيير الحكام ، وإنما بمسح واجتثاث كل هياكله وهيئاته وقوانينه ورموزه واستبدالها بما يتوافق و مطالب العامة من المواطنين ، وجعل الشعب هو ( السيد الحقيقي ) الذي تطأطأ له الرؤوس وتحسب له الحسابات من لدن السلط التي فوض لها أمر رئاستها وتسيير أمورها .
المجد محبب للنفس البشرية ، الأفراد والأمم ساعية لتحقيقه وارتقاء سلاليمه ، وهو وإن كان قابل التحقيق بأنواعه في ظل وجود أنظمة حكم راشدة ترعاه كما كان الشأن في عهد الخليفتين عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وغيرهما ، فإن نيله وتحصيله وبلوغه ينحصر ويندرُ في أزمان الطغيان والإستبداد ، ليتحول إلى إمكانية تحقيق ما يسمى ( بمجد النبل ) عن طريق مقاومة الإستبداد والظلم والعسف ، وهو ما تقوم به الشعوب العربية آنيا ضد أنظمتها الجائرة المستبدة ساعية منها إلى تحقيق مطلب عزيز في نفوس أبنائها هو ( مجد) شعوبها التي تفطنت إلى ضرورة بناء مجد جماعي لا فرداني ، يرفعها على مراقي الأمم المضحية من أ جل ترسيخ قيم العدل والإخاء وتغليب إرادة الشعوب ، و تقليص هامش السلط التنفيذية التي تستمد قوتها من قوة الرئيس أو الملك ، على حساب السلطة التشريعية التي تستمد سلطانها وقوتها من الشعب الذي انتخبها ، والقضاء المبرم على كل مظاهر الحيف والتمييز بين أبناء البلد الواحد مهما كانت المبررات والدواعي ، والضرب بيد من حديد على أيادي من يريدون إستمرار الحال باعتبارهم أنهم مستفيدون من ريوع النظام ، وما يقوم به شعب اليمن ضد طغمة صالح ، وما يقوم به الليبيون ضد نظام القذافي ، وما يقوم به السوريون ضد الأسد ببعثه ، وما يقوم به شعب البحرين المضطهد باسم الطائفية على يد جلادي السعودية الذين يحاولون محاربة الخطر الداهم من بعيد قبل وصوله إليهم ، ولا شك في أن من تبقى من الشعوب سيلتحق قريبا بمسار الإنتفاضة للمشاركة في قطف نصيب أوفر لها من المجد بمحاربة الطغيان الذي عشعش فيها .
***التمجد كما يصفه الكواكبي هو التقرب من المستبد ( الملك أو الرئيس ) بالفعل والقوة ، والمتقربون هم الباشا وات والوزراء والسادة ، وهم أصحاب عزة وأرباب صولة ، مرهوبوا الجانب ، موسومون بالنياشين ، تقلدوا سيفا من قبل الجبار ( الحاكم)، برهنوا به على أنهم جلادوا النظام ، فهم صورة مصغرة للمستبد الأعظم الذي وظفهم لقهر الأمة .
فالتمجد هو صورة سلبية للمجد ، هو الوجه القبيح الوضيع في التزييف ، تزييف التمجيد بجعله مجدا ، كمن يغش معدن النحاس الوضيع بجعله ذهبا خالصا من عيار 24 قيراط ، هكذا دأب حُكامنا الذين يحاولون تفخيم وتعظيم عملهم البسيط بوسمه بمختلف مظاهر الأبهة عبر أبواق وسائل الإعلام ، فيجعلون مُلكهم مصونا و موصوفا بألقاب مملكة في غير موضعها ، كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد ، فأي مجد للمملكة القذافية ؟ ، إنه مجد مزيف ( مُتمجد) ، لم ينتج على مدار الأربعة عقود من الزمن سوى الزيف والإضطهاد ، فلولا (بترول الله ) لبقي شعب ليبيا تحت الخيام وحوله قطعان الإبل والنعاج وما شابهها من الأنعام ، ولما كان القذافي بعطاءاته السخية للمطبلين المتمجدين لفكره الخادع ملكا لملوك إفريقيا ، ولا عميدا لحكام العرب ؟ فالإستبداد لا يبق رهين الحاكم ، بل له امتداداته وتشعباته ، لهذا لا يجب الإقتصار على ترحيل الحاكم فقط وإنما السعي إلى إسقاط النظام بجملته من رئيسه إلى أبسط خدامه ، الذين يحملون في أنفسهم شيئا من ديكتاتورية الجلاد المستبد الأعظم قلت أو كثرت ، ولأنه نظام استحدث بنهجه واستراتيجيته لخدمة منافع طغمة معينة من الشعب دون سواها ، لهذا فالمنتفعون سيخرجون لتبيان مآزرتهم لنظامهم الذي مكنهم و أغناهم ، فذهابه يعني انحسار المنافع التي يدرها عليهم ، لهذا سعت الثورات المنتصرة بتونس ومصر إلى اجتثاث كل رموز الحكم السابق بتنظيماته وقوانينه التي صيغت لخدمة أغراض طغم لا أغراض شعوب ، فدون ذلك يعني استبدال طاغية برئيس جديد لكنه سرعان ما يتحول إلى أقسى الطغاة المستبدين ، ولو كان في الأصل من طائفة المتدينين .
فالتمجد هو محاولة بلوغ المجد بطرق ملتوية متشعبة إعتمادا على الخداع وتلوين الأحداث والأفعال لتبدوا أصيلة بالطرق التي أشار إليها ميكيافيلي في كتابه الأمير ، والحكام بارعون في خلق وتنشئة طبقة المتمجدين من الوزراء والولاة ،ورجالات الأمن الذين يعتقدون بأنهم خدام نظام لا خدام دولة وشعب! هؤلاء الحكام الذين تعودوا الإسراف والظلم لا يمكن لهم أن يتحولو إلى أياد طيعة في قبضة شعوبهم ، هؤلاء الحكام الذين سلمنَا لهم أبناءنا لخدمة أوطانهم ، فحولوهم إلى حماة لهم بدفعهم على قتل ذويهم وشعبهم ،وخنق كل صوت حر يظهر للعيان باسم القانون والدستور والوطن ؟؟؟!!! ... فأصبح المواطن المسكين لا يقدرُ التمييز بين السلط ولا بين الدولة والنظام ، ولا بين السلطة التشريعية و التنفيذية ولا بين الثابت والمتغير من أمور السياسة ، حتى بعض رجال الدين أصبحوا في خدمة ملوكهم بإفتاءاتهم التي ترسخ القول هذا حال لا يجب تغييره لأنه ( قضاء من السماء لا مرد له ، علينا تقبله بالصبر والدعاء ....) ، فحُكامنا غالبا مُخادعون يظهرون ما لا يبطنون ، يستصنعون الأسافل وأراذل الناس من المتملقين الذين ينشدون ملذات الدنيا على حساب القيم الدينية والوطنية ، وأصبح هؤلاء المتملقين المتمجدين بعد ترقيتهم ، قوة تستمد منها السلطة القائمة قوتها لأنها تُؤتمر بأوامره ، وتستجيب لرغاباته و تحفيزاته وهو ما ظهر جليا لدى مرتزقة القذافي ، ومسيرات المؤيدين لعلي صالح اليمن في ساحة السبعين ، أو ما وقع على يد المتمجدين ( البلطجة) في ميدان التحرير و غزوة الجمل فيها .

ختاما أن المجد والتمجد فعلان متعارضان ، فالأول فعل مليح مستحسن يتحقق بالتضحية الإيجابية لفائدة الفرد والجماعة والشعب والإنسانية ، والثاني قول دنيء يحاول تحقيق المجد بالقول الرنان و التلوين الكاذب ولو على حساب أبرياء الناس ، وكلما نقص المجد إلا وانفسح المجال واسعا للمتمجدين لتحقيق طموحهم الإنتهازي ، ولعل في انتفاضات اليوم المتلاحقة ما يجعلنا نقتنع بأن الأمة أدركت أن ليس لها من يحك جلدها غير ظفرها ! ، فلهذا اتكلت على (نفسها ) وعلى ( الله )في تغيير حالها التعيس المصاب بلوثة (التمجيد )، إلى واقع (المجد) الأسمى تتغلب فيه إرادة الشعوب ، وتنمحي فيه مظاهر الإستبداد والإستعباد بأشكالهما ، ليكون الجميع وإن اختلفوا سواسية كأسنان المشط أمام القانون الذي يصيغونه بإرادتهم لا بإرادة محكوميهم .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز