د.سلمان محمد سلمان
salman@planet.edu
Blog Contributor since:
05 June 2010

أستاذ الفيزياء النووية والطاقة العالية – قلقيلية – فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
ليبيا وما بعد: ضياع دليل مثقفي الثورات ج2

 

ثانيا: مواقف وتحليلات فهم الثورات

تتراوح بين مواقف تبسيطية وحيدة البعد وسهلة الانقياد لمواقف متآمرة من جهة وبين مواقف تعتبر التآمر سيد الموقف المطلق مع استحالة تحقيق أي تغيير ايجابي من جهة أخرى. الحقيقة تقع بين الموقفين.

 

2-1 النظريات التبسيطية وحيدة البعد:

أبسط النظريات تقول أن الجماهير العربية ملت الوضع وتريد الثورة والتغيير مهما حصل. وعليه فدعم الثورات مهما كان مصدرها هو الحل. وهذه نظريات ربما تكون صحيحة جزئيا في وصف النظام العربي بالفشل لكنها لا تعبر إطلاقا عن حقيقة الفروق بين القوى العربية. وبتبسيطها هذا هي تقبل هزيمة القوى الايجابية نسبيا بشعار أحقية التغيير بينما لا تقول شيئا أمام عدم حصول أي من الثورات على مستوى القوى الأكثر ولاء للغرب. وحسب هذه النظرة السطحية يصب التأييد الأعمى للتغيير في خدمة أجندة تغير من يقاوم الغرب ولو جزئيا وبقاء الحليف.

 

طبعا السكرة التي تجعل هذا الموقف متعنتا هي نجاح ثورتي مصر وتونس وبالتالي يقولون دعها تأخذ مجراها فسوف تنتهي بخير كبير. وينسون أن ثورتي مصر وتونس لم تحسما بعد لصالح الأمة وأن هناك أخطارا تتهددهما بمقدار فرص نجاحهما.

 

من يؤمنون بهذا الحل البسيط هم معظم الشارع العادي الذي لا يرغب في فهم المعادلة أو لا يستطيع ذلك بسبب الإعلام الموجه. لكنه أيضا يشمل قطاعات ممن ينفذون أجندات انتقام خاصة أو أجندة الغرب. فهم من جهة يصمتون عندما لا تحصل ثورات في مواقع تتطلب ذلك أو تقمع في المواقع المرفوضة غربيا بل يدعون لعدم صحة حصولها. ويرفعون عقيرتهم بدعم التغيير عندما يصيب قوى لن يؤدي ضربها للتغيير الايجابي بمقدار الفوضى والدمار. وتشمل هذه القطاعات معظم الإعلام العربي والغربي ودول الخليج.

 

2-2 مواقف مسبقة وحزبية موجهة:

وهي وإن كانت معارضة للغرب حسب سياستها الرسمية إلا أن قبولها للثورات دون تمييز أو دعمها لثورات غير مؤهلة بسبب الانتماء الحزبي أو لتصفية حسابات على حساب المصالح القومية يجعلها تقع أسيرة نظرتها الضيقة لتصب في النهاية في خدمة الأجندات الغربية.

 

حزب الله الذي يعتبره قطاع كبير من الشارع ممثلا للمقاومة لم يكن موفقا في الإسراع في تأييد الثورة في ليبيا رغم أن نفوذ حزب الله بين الثوار ربما صفر. وتعميمه المتسرع في دعم التغيير في ليبيا ووضعه على نفس درجة دعم التغيير في مصر خطأ استراتيجي. والحقيقة أن دور حزب الله وسوريا ربما يكون التالي لو سقطت ليبيا وسيدفع حزب الله الثمن قبل الجميع.

 

حماس كانت في البداية على نفس النمط وظهر نوع من الدعم للثورة في ليبيا وربما اعتقدت حماس أن وجود إخوان ليبيا ضمن الصورة وبسبب دعم القرضاوي لها فالموقف يصب في صالحها. لكنها اكتشفت سريعا عدم دقة ذلك واكتفت بنقل الأخبار ولكن بالمصطلحات السائدة التي تشيطن القذافي وتجعل من الثوار قديسين وهذا في رأيي موقف ضعيف لكنه مفهوم حسب البيئة العربية.

 

إيران تقع في خطأ كبير معتقدة أن هذه المعركة سوف تصب في صالحها كسابقاتها في العراق وباكستان فهناك اعتقاد إيراني ولو جزئي أن نتيجة حرب العراق صبت في صالحها لأن نفوذها ضمن النظام السياسي في العراق تزايد وهذا في رأيي خطأ. موقف إيران في دعم الثورة في اليمن غير مبرر ونفس الأمر في ليبيا. وحسب تحليلينا السابق فنجاح التغيير في ليبيا سوف يسرع الضغط على سوريا وسيصل لإيران أخيرا.  أما موقف إيران الذي يؤيد الثورة في ليبيا ويعترض على التدخل الغربي فليس له معنى ولا يصلح. ودعمها للثورة في ليبيا ومعارضتها لها في سوريا يحمل درجة من التناقض لأنهما متشابهتي الدوافع. من المفهوم دعم الثورة في البحرين لكن من غير العملي الاعتقاد بنجاح هذا الدعم في تحقيق تغيير فعلي. ومن غير المفهوم دعم الثورة في اليمن إلا بالبعد الطائفي وعليه ربما من الأفضل لإيران الانتباه للفرق بين ما يحصل باليمن وليبيا مقارنة بمصر وتونس.

 

2-3 مواقف حريصة ولكن:

وهي نوعان بعضها أدرك الخلل في ثورات ليبيا وسوريا واليمن وتوقف عن دعمها رغم تأييده لها لو ظلت محلية وسلمية. ونوع آخر أدرك الخلل مبكرا في مواصفاتها الأساسية ولم يدعمها أصلا لكنه لم يستطع إعلان مواقف صريحة.

 

أهم الدول للموقف الأول تشمل روسيا والصين والبرازيل والهند وبعض الدول الأوروبية  وبعض أميركا وبعض مثقفي اليسار في الغرب. الموقف الآخر يشمل كوبا والاتحاد الإفريقي وفنزويلا وقوي يسارية في الغرب والعالم وقليل جدا من مثقفي العالم العربي من يسار أو إسلاميين أو قوميين أو لبراليين.

 

مواقف المثقفين العرب والفلسطينيين كانت المفاجأة الأكبر. فكثير ممن اشتهروا بدعم المواقف الوطنية لصدام حسين وحزب الله وحماس وتجاوزوا الفروق بينهم في خدمة موقف عربي قومي أكثر علوا, تخلوا عن ليبيا كأنها لا شيء وأيدوا الثوار رغم انكشاف موقفهم وبرروا طلبهم التدخل وهاجموا القذافي بل استمر البعض في اتهامه بالعمالة رغم كل ما يحصل. لقد سقط الكثير من المثقفين العرب في هذا الأمر بشكل غير مفهوم.

 

من غير المريح لأي مثقف حر الاستماع لتعليقات عزمي بشارة مثلا الذي اعتبره الكثيرون رمزا للمثقف الحر ليصبح محللا موجها لمحطة الجزيرة. وكم استغربت السلاطة القوية في مهاجمة القذافي من أكثر من كاتب عربي بلغة مغموسة بحقد وتشف بعيد عن الموضوعية وكأن هناك بعد شخصي لها. وتأسف كثيرا من كتاب آخرين يعترفون بفضيحة الدعم الغربي والتدخل ويتخوفون من نتيجة ذلك ضد ليبيا لكنهم يصرون على تحميل القذافي كامل المسئولية.

 

ثالثا: توصيات: نحو لغة مناسبة في وصف الثورات

لا بد من وضع مجموعة مبادئ تجعل تقييم الثورات موضوعيا ومن غير المعقول الرقص دو تمييز على وقع كل من قرع. ولعل في التالي بعض المبادئ:

 

1-   أي ثورة لا تستطيع الانتصار بإرادتها الشعبية وتحتاج لدعم من الأعداء لتحقيق النصر تعتبر ثورة فاشلة ومشبوهة وتتلطخ سمعتها مستقبلا وتصبح أسيرة لإرادة من دعمها.

2-   قيادة بعض القوى لأعمال التغيير بما لا يتناسب مع حجمها يعبر عن مشكلة حقيقة ومن الأولى لهذه الدول عدم المبالغة في تقدير نفسها أو قوة دعم من يدعمها.

3-   لا يجوز استعمال مصلحات تسحب شرعية نظام قائم قبل تبلور موقف شعبي واضح دون لبس لفقدان هذه الشرعية ولا يكفي أن تقول هيلاري كلينتون أن نظاما ما فقد الشرعية لنصفق وننزع هذه الشرعية. وعليه من غير المناسب استعمال مصلحات قوات القذافي أو سحب شرعية علي صالح أو القذافي بمجرد طلب ذلك من الغرب.

4-   طالما ظهر هناك درجة من الدعم الشعبي للنظام تعادل أو أكثر من المعارضة فمن غير المقبول سحب شرعية النظام وإسقاط الحاكم ومن الأفضل احترام الشرعية الدستورية عند ذلك.

5-      إذا لم يكن هناك شرعية دستورية للحاكم فمن الأولى تحقيق ذلك بأسرع وقت.

6-      لجوء الثورة للسلاح حتى لو مارس النظام العنف يعتبر اعترافا بفشل الثورة في تجنيد الشعب.

7-      لا بد من فهم البعد القومي والإقليمي والدولي قبل إصدار الأحكام. ومن غير المقبول دعم أي حركة احتجاج دون فهم دوافعها.

8-   لا بد من تعاون الأنظمة المستهدفة ومن غير المناسب أن تتبرأ من بعضها خوفا أو اعتقادا بالاختلاف. ولا يعيب النظام القومي التعاون مع مثيله. وعليه لا بد من درجة من التعاون بين سوريا وليبيا واليمن والسودان والجزائر ومن المفروض توفر درجة من التفهم من قبل مصر وتونس.

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز