د. محمد فؤاد منصور
m_mansour47@hotmail.com
Blog Contributor since:
01 September 2010

كاتب عربي من مصر
مقيم حاليا في الولايات المتحدة

 More articles 


Arab Times Blogs
مشاهد مبهرة واختيارات صعبة

في مشهد سيتوقف عنده التاريخ طويلاً ،خرج شباب مصر عن بكرة أبيه يوم الخامس والعشرين من يناير 2011 إلى الميادين الكبرى بمختلف محافظات الجمهورية يعلن رفضه لحكم الرئيس مبارك ونظامه ويطالب بالتغيير الفوري ، ولم تمض ساعات حتى صار الهتاف الذي تتردد أصداؤه من شمال البلاد لجنوبها ومن شرقها لغربها هو هتاف وحيد لاغيره " الشعب يريد إسقاط النظام" ..

 الملاحظ أن الثوار المتحمسن كانوا من الفئة العمرية مابين الثامنة عشرة والخامسة والثلاثين ، وأن معظمهم إن لم يكونوا جميعاً ليسوا مسيسين و ليسوا أعضاء في الأحزاب الشرعية ولا محسوبين على أي تيار ديني أو سياسي . . الأكبر سناً والأكثر حكمة وروية كان متحفظاً مرعوباً مماقد يحدث للأبناء فيما لو فشلت الثورة ، بل وكان رؤساء الديانات الكبرى التي تشكل نسيج المجتمع المصري سواء الإسلام ممثلاً في الأزهر ورجاله أو المسيحية ممثلة في بابا الأقباط ورجال الكنيسة كانوا جميعاً ضد الثورة أو الخروج على الحاكم بأي شكل بل ونصحوا الشباب بعدم التظاهر وعدم الانسياق وراء هذه التيارات ، ولم ينسوا أن يلبسوا دعوتهم هذه أثواباً قشيبة من فتاوى سابقة التجهيز.

 لكن قطار الثورة سرعان مافرض نفسه وأجبر كل المترددين والخائفين والمتشككين على اللحاق به قبل أن يفوتهم مجد الاشتراك في أعظم ثورة شعبية عرفها تاريخ الثورات الشعبية على الإطلاق.. ذلك كان المشهد الأول الذي أبهر العالم بل وأبهر المصريين أنفسهم الذين وجدوا أن حجم الغضب المكبوت أكبر من كل التوقعات وأن مستودع الغضب كان في انتظار الشرارة الأولى حتى يقتلع طوفانه كل شيء. المشهد المبهر الثاني هو مشهد الشعب المصري وهو يخرج عن بكرة أبيه ليشارك في استفتاء أعد على عجل للتعبير عن إرادته في وضع تعديلات دستورية تؤسس لمرحلة مابعد الثورة ، وقد شهد هذا المشهد شداً وجذباً واختلافاً في الآراء والتوجهات والنوايا لكنه مع ذلك مر بسلام ونجح نجاحاً لانظير له ليثبت الشعب المصري للمرة الثانية وفي مدى شهر واحد تقريباً أنه شعب عريق لديه مخزون حضاري مبهر ومعدن نفيس عز نظيره .

ولأن زمن الثورات لاخوف منه لأن المطلب فيه يكون بسيطاً وواضحاً ومحدداً ومن السهل الإجتماع عليه فقد مرت هاتان المرحلتان بسلام ،وخرجت مصر منهما معاً شابة وبهية وعفية لتبدأ بعدها أخطر مراحل الثورات جميعاً حين يبدأ كل فصيل من الثوار العودة إلى قواعده ليستقي أفكاره ورؤيته للمستقبل . هنا وجد المصريون أنفسهم امام تيارات شتى من تيار سلفي متشدد دينياً إلى تيار إخواني معتدل إلى ليبرالي علماني إلى قومي عروبي إلى اشتراكي ناصري هذا فضلاً عن الجمعية الوطنية للتغيير التي تضم فصائل مختلفة وكان لها بلاشك فضل إشعال الشرارة الأولى . ولأن المصريين في أغلبهم قوم بسطاء لم يتعودوا ترف الاختيار بين بدائل عديدة ، وقد لايستطيع الكثيرون منهم التمييز بين هذه التيارات المختلفة من الأساس فقد برز التيار الديني السلفي كتيار عالي النبرة يريد ان يستغل العاطفة الدينية لدى معظم المصريين ليحسم الاختيار لصالحه ، وهوفي سبيل ذلك لامانع عنده من وصم بقية التيارات بالكفر أو على الأقل بالابتعاد عن تعاليم الدين وهو مايخيف المصري البسيط الذي يهمه أن يحافظ على دينه وتدينه فيبصم له بالموافقة وهو مغمض العينين . وهنا تحديداً يبرز سؤال هام ، بل لعله السؤال الأهم في هذه المرحلة من عمر الثورة..

ماالعمل ؟ .. هل نطالب بالتنكيل بالتيارات الدينية المعتدلة والسلفية على السواء كما كانت تفعل النظم الحاكمة في العهود المظلمة ؟ أم ننطلق بشعبنا ونحاول توعيته وتدريبه على الاختيار من خلال تطبيق قواعد الديمقراطية التي ارتضاها الجميع ؟ في ظني أنه ليس أمامنا في الوقت الراهن والحالة هذه سوى التمسك بقواعد الديمقراطية حتى النهاية وأن نحسن الظن في وعي الشعب الذي حرك الثورة وبايع الثوار ، فإن أخطأ الاختيار فهذه هي ضريبة الديمقراطية وعلينا جميعاً أن نتحملها إذا كانت تعكس إرادة الأغلبية دون تزوير أو تحريف ولنترك لاختيار الشعب الباب مفتوحاً على مصراعيه ليرينا التيار الرابح أياً كان توجهه كيف سيخرج بنا من عنق الزجاجة إلى فسحة الأمل ومن ضيق الحكم الأمني والمطاردة والملاحقة إلى رحابة الحرية والنور ، أما مادون ذلك فهو الخطر الحقيقي الذي يتهدد أمننا وسلامة بلادنا في حاضرها ومستقبلها







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز