الدكتور رضا العطار
ridhaalattar@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 March 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
ما العبرة من الثورة الهندية – 2 والأخيرة

 

  لقد عمد غاندي الى المقاومة السلبية. فلم يحمل سلاحا ولم يحضّ على حمله. وكان يقنع بألاّ يتعاون الهنود مع الاوربين. واصبح الهندي عندما يجد تعنتا وتعسفا يلجأ الى اساليب فذة في المقاومة. كأن ينبطح على عرض الشارع ويعطل حركة المرور.

وكان الهنود يعتقلون بالآلاف ويحكم عليهم بالحبس، كما كان رجال الشرطة يسطون عليهم ويفرقونهم لكنهم سرعان ما يرجعون ويحتشدون، مختلقين المشاكل لرجال الآمن.

وجاءت سنة 1919 فرأى غاندي ان الفرصة سانحة لأن يتوسع في رسالته لمكافحة الاستعمار والاستغلال لا في افريقيا الجنوبية وحدها بل في ارض وطنه الهند ايضا. فعاد اليها بعدما حقق لأبناء وطنه من الهنود في جنوب افريقيا الكثير من الحقوق الاساسية بفضل مهارته القانونية.  وعندما وصل الى وطنه بدأ يدعو الشعب الى المقاومة السلبية.

 

وهذه المقاومة تقول بعدم تعاون الهنود مع الانكليز. كما دعا الى مقاطعة السلع الانكليزية بل دعا الى الكف عن تأدية الضرائب. وكان اكثر هذه الضرائب ظلما، هي ضريبة الملح. فان الفقر في الهند كان يحمل الفقراء على ان يقتصروا طعامهم على الخبز لا يجدون غيره. وفي مثل هذه الحالة يحتاجون الى الكثير من الملح كي يسيغوه. فدعا غاندي الشعب الهندي الى مسيرة جماهيرية شاملة الى ملاحات شواطئ البحار حيث يتكدس الملح المجفف،  ومشى في مقدمة المتظاهرين  نحو ثلاثين كيلومترا على الاقدام والشرطة المسلحة تلح عليهم بالضرب والطريق يبلل بالدم والاعتقالات تتوالى ولكنهم مع كل ذلك وصلوا الى الملاحات وجمعوا الملح دون ان يؤدوا عنه ثمنا.

 

وكانت القيمة الرمزية لهذا العمل اكبر بالطبع من القيمة الواقعية. لام الهنود عرفوا منه الكف عن اداء الضرائب شئ يمكن التعويل عليه في مكافحة الاستعمار.

وعمم غاندي المغزل والمنسج في بيت كل هندي كي يتزود بالقماش الوطني بعد ان قاطعوا الاقمشة الانكليزية وكانت الهند يومذاك اكبرسوق تصريف لبريطانيا، فقد اصبح المغزل رمزا للديانة الوطنية الهندية الجديدة. رمز فقط لانه كان يعلم ان الغزل بالتالي لا يعني كثيرا وان العبرة هي في انشاء المصانع الكبرى،  التي اخذت بها الهند بعد خروج المستعمر. وكان غاندي يقول في بعض صلواته انه يخجل من الانكليز حين يطالبهم بالجلاء في الوقت الذي لا يزال يحتاج الى قماشهم يستر به جسمه.

 

بهذا الرمز عمم غاندي الوعي الصناعي في الهند وعلم الهنود ان الامة الراقية لا يمكن ان تقنع بالزراعة اذ يجب ان تأخذ بالصناعة. وكانت الحرب التي اعلنها غاندي على تقاليد بلاده اكبر من الحرب التي اعلنها على الانكليز. فانه انشأ جريدة لخدمة المنبوذين وجمع لهم المال وعلمهم الصناعات التي كانوا يحرمون ممارستها قبل ذلك. ودعا الى المساواة بين الجنسين وكافح عسف الأديان بالعمل.

 

وراى التعصب يسود الهندوكيين والمسلمين. وان المصادمات بينهم لا تنقطع. فعمل جاهدا على تعميم التسامح وكتب المقالات في مدح الاسلام. وكان كلما وقع صدام بينهم  عمد الى الصوم عشرين او ثلاثين يوما حتى يخجل المتعصبون. ويكفوا عن هدم المساجد الاسلامية او المعابد الهندوكية. وكان قتله على يد واحد من هؤلاء المتعصبين الهندوكيين الذين لم يطيقوا تسامحه البار مع المسلمين.

 

كان غاندي وهو محام نشط  في افريقيا الجنوبية، يكسب في العام سبعة الاف جنيه. يستهلك منها خمسة جنيهات (5) فقط في السنة كلها، اذ كان يرتضي لنفسه وزرة من القماش يستر بها جسمه وعنزة يشرب لبنها ولم يكن يكلف شعبه اكثر من هذا، فكان يوزع هذا الراتب الضخم على الفقراء و المحتاجين. فلم يشتري غاندي ارضا ولم يسكن قصرا ولم يقتني سيارة ولم يسعى الى لقب صاحب العظمة او سعادة الباشا. ولو كان قد اقتنى ذلك لما كانت الهند نالت استقلالها.

 

واحس الجميع ان الكرامة والشرف والمجد لا تتحقق بجمع المال ولكنها تتحقق بخدمة الوطن، فخدم الجميع وطنهم. وجاء نهرو بعد غاندي فباع كل ثروته من الارض والعقار وارصد مبالغها لخدمة المعارضة وقضى في السجن سنوات طوال، ايام كانت وطأة الاستعمار للهند شديدة، كتب خلالها مذكراته التي كانت تنير وترشد وتهذب عقول الثوار الذين كان يحرضهم من سجنه، يدعوهم الى الاستقلال.

وانتهى الانكليزفي 1947 الى النهاية المحتومة وهي الجلاء لانهم وجدوا ان كل هندي هو غاندي لا يرتشي ولا يساوم.

 

لكن الثورة لم تنته بجلاء الانكليز.  فان القادة الهنود سنوا دستورا يقطع الطريق على التقاليد الشرقية القديمة حتى لا تعود فتدمر المجتمع الهندي ثم تفتح الباب بعد ذلك لأستعمار جديد. فألغوا حكم المهراجات والراجات والامراء المستبدين وساووا بين الرجل والمرأة في الانتخابات وفي المواريث وفرص العمل والوظائف الحكومية وجعلوا من النساء وزيرات.

 

والغوا النجاسات وعاقبوا من يهين رجلا او امرأة بزعم النجاسة. وجعلوا من المنبوذين وزراء ونزعوا الاراضي الزراعية من المالكين الكبار ووزعوها على المعدمين. وفصلوا الدين عن الدولة وساووا بين جميع الاديان واصلحوا خراب الارض.

ولكنهم تنبهوا الى اعظم واخطر الاسس للاستقلال والقوة هي الصناعة، فاسسوا المصانع الالية الكبرى حتى نجحوا في انشاء مصنع للفولاذ، هو الاكبر من نوعه في العالم، وهم الان يصنعون القطار والسيارة والطيارة والدبابة. هذا هو ما سوف يكفل لهم صون استقلالهم.

 

ان ملحمة الكفاح الوطني في الهند هي قصة انسانية رائعة. هي قصة القديس الذي انتصر على الابليس. قصة الشرف الذي تغلب على الخسّة،  قصة التبصر الذي غزا المستقبل هي قصة تفرحنا جميعا عندما نذكر الهند،  وتحزننا جميعا عندما نذكر واقعنا الحاضر، لأننا عموما لا نسعي الى تحقيق مصالحنا الوطنية بقدر ما نصبو الى تحقيق اغراضنا الشخصية.

 من كتاب الثورات لسلامه موسى مع تعليقات هامشية لكاتب السطور







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز