الدكتور رضا العطار
ridhaalattar@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 March 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
ما العبرة من الثورة الهندية ؟ 1

 

  عندما نتأمل احوال الهند في القرون الثلاثة الماضية، نحس الحيرة حين نقارن بين مظالم الاستعمار البريطاني وبين مظالم التقاليد الدينية للهنود. فان هذه التقاليد جعلت الهنود يعزلون خمسين مليون من ابنائهم، يجعلونهم منبوذين لا يخالطونهم ولا يأذنون لهم في الدخول في معابدهم ولا يعلمونهم ولا يجيزون لهم احتراف صناعة، يعيشون منها.

 

هذه التقاليد المجحفة الّلأنسانية نفسها هي التي اوجدت فكرة احراق الارامل عقب وفاة ازواجهن، وقد استمرت هذه الجريمة البشعة قرونا عديدة حتى منعه الاستعمار البريطاني في القرن التاسع عشر، لكن بقيت تقاليد حلق رؤوس الارامل واعتبارهن منحوسات نجسات يجب ان يختفين عن الانظار. وان هذا التفاوت الاجتماعي بين طبقات الامة الهندية الواحدة هو الذي سوّل للأنكليز، استعمار الهند. لأن الأمة التي تحتقر ابناءها الى هذا الحد لا ينتظر منها ان تتحد وتتوحد في سبيل الوقوف امام السيطرة الاجنبية.

 

يرجع استعمار بريطانيا للهند الى نحو ثلاثة قرون حين بدأت شركة تجارية تشتري منتجات الهند من الشاي والقمح والقطن ونحو ذلك، ثم صارت الشركة بمرور الوقت  حكومة تسير على نهج الاستعمار. فكانت في السنة الواحدة، تبحر من المواني الهندية زهاء عشرة الاف باخرة تجارية محملة بالمواد الخام الهندية متجهة الى المواني البريطانية. ثم ترجع محملة بالسلع المصنوعة الى الهند كي يشتريها الهندي بثمانية اضعاف ثمنها.

 

لقد استطاع الانكليز ان يستغلوا اوضاع الهنود المزرية، هذا الوضع الذي جعل الحياة الهندية اسلوبية تقليدية غير ابتكارية ارتقائية. وكيف نستطيع ان نقنع هنديا بانه مظلوم وان الاستعمار يسحقه وانه يجب ان يجّد ويكافح ويتحرر.  وعليه ان لا يقتل الارامل او يحلق رؤوسهن ويجعل خمسين مليون من مواطنيه ليس لهم حرمة البقرة –  أي حرمة  الحيوان !

 

لكن هذا الاستعمار نفسه قد نقل معه الى الهند الثقافة الاوربية الرشيدة التي حطمت العقائد العفنة والتقاليد السخيفة واكسبت الشخصية الهندية وعيا واستقلالا، فأصبح التفكير لديه يأخذ مكان التسليم. والابتكار مكان العرف السائد والنهضة مكان الجمود. هذا ما يجب ان نتنبه له، اذ لا نهوض بالامم الشرقية التي ذُلت تحت اقدام الاستعمار سوى اولئك الغيارى من النخبة المتعلمة الذين تأثروا بالثقافة الاوربية وارتشفوا من نهلها وحاولوا تطبيقها على ارض الواقع في بلادهم،  مثل غاندي ونهرو في الهند  و كمال اتاتورك في تركيا ومصدق في ايران وجمال عبد الناصر عندنا.

 

ويجب ان لا ننسى ان المصطلحات: مثل الوطنية والديمقراطية والحرية والاخاء والمساواة والبرلمان والدستور والاسرة والمجتمع هي جميعها كلمات اجنبية او وطنية حملناها نحن معاني عصرية جديدة اكتسبناها من اوربا وليس من الشرق.

كان الشرق في الهند يقول بحكم – الراجا – الذي كان يختزن اللؤلؤ والمرجان وسائر البهارج والتيجان بدلا من ترقية الشعب عن طريق تحسين حالته الاجتماعية والاقتصادية، وكان يقول بالحكم المطلق لهذا الراجا.

 

وفجأة جاء الغرب بثقافة القرن العشرين على ايدي المفكرين العظام من الهنود من امثال طاغور وغاندي. يقولون:  ان الهندي هو فوق الآلهة. وان الشعب الهندي فوق المهارجة. وان رغيف الخبز للجائع خير من اللؤلؤ والمرجان للراجا حتى تجرّأ شاعر الهند طاغور ان يقول: ( اني لأود ان تصيب الهند صاعقة تحطم جميع معابدها ثم نعود بعد ذلك ننشئ دينا جديدا )

 

كان غاندي وطاغور ونهرو يهدفون الى استقلالين الاول يهدف الى الاستقلال القومي والسياسي في اخراج الانكليز من الهند واخضاع سلطة المهارجة للشعب الهندي واعلان سيادة الدولة بالدستور والحكم البرلماني. والثاني: استقلال النفس الهندية من التقاليد السخيفة وتحريرها من الالهة ومعابدها ومن العقائد والاديان وغيبياتها التي لا تعد ولا تحصى، انها استبدت بالشعب الهندي وسممت عقله والغت شخصيته الانسانية.

 

نشأ – غاندي – في عائلة هندوكية متوسطة وتعلم في مدرسة عصرية تسير على النظام الانكليزي. ثم رحل الى انكلترا -  ضد رغبة اهله وعشيرته، ( لئلا يختلط ابنهم هناك  بالكفار في الغرب وتتنجس روحه ) ففي لندن درس القانون لكي يصير محاميا، وقد عانى كثيرا لأنه لم يكن يجد في مدينته مطاعم تقدم الغذاء النباتي. ثم عاد الى وطنه ولم تساعده الظروف المحيطة به للعمل فرحل الى افريقيا الجنوبية وكانت هناك جالية هندية مؤلفة من الاف العمال الذين كان الاوربيون قد جلبوهم للعمل في مناجم الالماس والفحم. وهناك وجد من هوان المعاملة التي يعامل بها هؤلاء ما اثار احساسه وحفز ضميره على ان يتحدى الاوربين المستغلين للقوى العضلية وللكرامة الانسانية لمواطنيه الهنود. 

 

فقد كان القانون في جنوب افريقيا انذاك يمنع الهندي من الحقوق البدائية التي تخص البشر. كالسير مثلا في الشوارع الرئيسية. كما كان القانون يحرمه المساواة مع الاوربين في السفر بعرباتهم بالقطار. او الدخول الى الفنادق او المطاعم التي يدخلها الاوربيون. هذا الى هدر لحقوقهم في الاجور المألوفة اسوة بزملائهم الافارقة. والى مكافحة منظماتهم التي يبغون منها ترقية احوالهم المعيشية.

 

الى الحلقة التالية   







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز