موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
ثورة الحب في زمن الفايسبوك: شفتا جرحي كانتا عصيّتين على الإطباق

 

 إنه الضاحك الغاوي, جرحي ذاك, الذي يضحك ويمرح ويشعل سجائره فوق خرائب قلبي ليُغنّي.

إنّه جرحي الذي رَسَمْتهُ بيدي وقد افترّتْ شفتاهُ عن ابتسامة عريضة نازفة بالألم والعذاب. جرحي الذي ظلّ يتقلّب بين ضلوع أحرقها اللظى, يقتلني مّرة إثر أخرى, ثم يمعن في قتلي مرارا, دفعة واحدة, ولا يتوقف عن قتلي ولا ينتهي.

لماذا اكتب الآن؟   و لماذا بعد مضي كل تلك المدة البعيدة؟

لا أدري.

ربما لكي أنسى مواجعي وأتناسى تباريح الأسى وهي تنهش أوصالي حينا بعد حين جراء ذلك الابتسام المرير لجرح ماكر قديم, رسمته لوحة تتلظى شوقا وذكرى, وقدّمته هدية عشق مضرّج بالدم لمن أحب وأهوى.

صار جرحي لوحة تزين مدونة الحبيبة.  لوحة تختفي  بها عن عيون المتطفلين العابرين في الشبكة العنكبوتية.  توارت حبيبتي خلف لوحتي المضرجة بعدما اتخذت من جرحي شعارا  لها وهوية.   

لكنه جرح واسع ومكابر لم يرضى ان يكون حبيسا في مربّعها الصغير المخصص لرسمها الشخصي في رأس المدونة.   

راح  يضحك وينزف في شاشة الكومبيوتر, يتراقص كالبهلوان فوق حبال أعصابي سعيدا مسرورا,  يعزف على  أوتار شراييني  مقهقها حبورا  ثم يواصل  الرقص والغناء  دون أن يرحم في عرس الشقاء  شقوتي, أو يسكن أخيرا رحمة بحالي فيطبق شفتيه الكبيرتين الواسعتين صامتا  ويخلد الى النوم مفسحا لي, بعد طول العذاب, أن أخلد الى نفسي هانئا  وأدخل الى نعيم  السكينة والسلام آمنا مطمئنا.

أي جرح هو جرحي, مخضّب الشفتين ذاك,يضحك ملأ فمه ليبكيني فيض عبرات وأحزان, كما تبكي الأسماك الصغيرة الغريبة بصمت في قاع المحيط وظلمات البحار؟  

هل حزنت ِمثلما حزنتُ؟ وهل بكيت ِ مثلما بكيتُ؟

صار الجرحُ يدمينا معا,  يربط بيننا بحبله السريّ  كأنه طفلنا اللقيط, ننجبه في سكرة الحب وسكرة الموت, ينمو فوق قلوبنا مثل كتلة الشوك, يستعرّ بنا قبل ان نستعرّ به, يتبرّأ منّا  قبل أن نعلّق ذنوبنا وأوزارنا عليه,  قبل أن نسرع إلى التنكر له والتخلص منه عبر مواراته ,في لحظات الضعف والخوف,  في قمامة البؤس ومقابرالنسيان؟.

هل أني أكرهك ِ؟

هل أني احبك ِ؟

لم أعد ادري ولكن أوجاعي التي تهبّ كالإعصار من دوامة جرحي المعلّق الأسير في مدونتك الأنيقة, تقتل صبري, تنفجر ضد غدرك بي وخيانتك لي وتستحيل في ذاتي وأعماقي شلالا من النار وبركانا من الغضب والثورة.

 

لم ارجع لك الخاتم الكسير الفؤاد, في ذلك اليوم, حبا و لا كرامة. وإنما كان الأمر أشبه بحركة لائقة نقوم بها, حين يكون القيام بعمل لائق أمرا لا مفر منه, أمرا تقتضيه الضرورة تفاديا لإحراج أدبي أو تستوجبه اللحظة تهربا من حرج اجتماعي.

كنت في المطار قد انتهيت للتو من  إجراءات  تقديم الحجز واستلام البطاقة ورقم المقعد على متن الطائرة المغادرة بعد لحظات.  

فجأة ظهرتِ في قاعة المسافرين كأنك "لارا كروفت", وقفتِ في زحام الذهاب والإياب ساهمة تنظرين نحوي بعينين متضرعتين, وضعت مسدسيك جانبا ثم جلست على الأرض وانخرطت في نوبة من النحيب والبكاء.

كان المشهد أقرب ما يكون إلى شرائط الكليب ومقاطع الفيديو, التي تشاهدينها مرات عديدة كل يوم وتقومين بنشرها في صفحتك  الرئيسية على عنوانك الالكتروني وتتبادلينها  في البورتال مع  مجموعتك الناشطة, التي غالبا ما كان أفرادها يسارعون  الى  كيل المدائح  والتعليقات المطرية لصفحتك ونصوصك  وصورك الجميلة المعبّرة.

صُدمتُ للتطابق المخيف بين صورتك كامرأة من لحم ودم وبين عالمك الآخر الذي آثرت الانزواء فيه  والفرار إليه بين أعمدة الماسينجر وجدران اليوتوب.

ذعرتُ لهول المنظر ودقّة تفاصيله. شعرتُ بشيء من الاضطراب الممزوج بالقلق والخوف عليك, لم ادري كيف ينبغي أن أتصرف في زحمة المكان وضيق الزمان في الدقائق القليلة المتبقية قبيل إقلاع الطائرة.

ازداد ارتباكي, تلعثمتُ ووقفتُ حائرا لا ادري أين أمضي.

كان بودي أن ارحل مسرعا نحو صالة الإقلاع دون ان أعطيك فرصة سانحة أو  أعيرك نظرة عابرة. لكنني جبنت ولم أستطع الى ذلك سبيلا.

نجحت البطلة التي كانت تبكي في شريط الكليب الدائر في رأسك وحققت بدمعها ولهفتها وجمالها كل ما تريد.

 كانت حملتك المباغتة تلك, إحدى أعتى حملات "الإسترجاع"  الإفتراضية  التي عرفها تاريخ النساء المعاصر.

صارت الصالة المكتظة من حولنا كأنها خلية نحل. الناس المتجمهرون يحاصروننا بالنظرات المتسائلة والمشاعر الرومانسية الحانية.

أصبتُ بما يشبه التماثل. دخلت اللعبة  دون إرادتي ومن حيث لا أدري, خلتُ لوهلة أني صرتُ  نجما من نجوم الأفلام المدبلجة. مراد, مهند او ربما يحيى..

جثوتُ على ركبتي إزاءك تماما. رُحتُ  أسترضيك بصوت خفيض راجيا منك أن تتماسكي في حين كان دمعك يواصل انهماره الغزير كأنه ماء السماء.  

مسافرة عابرة برفقة زوجها, استرعاها مشهد الحشد المحيط بنا كسوار آدمي, توقفت ترى ما الخطب, ثم نهرت زوجها بمرفقها:

أنظر.. أترى؟... تعلّم كيف يكون الحنان .. تعلّم كيف يكون الحب.

لم يكن كل ذلك الأداء الحي, الذي قمتِ به على مرأى ومسمع من المسافرين والعائدين, إلا فنا متقدما وأسلوبا جديدا في استغلال التعاطف الإنساني , لا بل كان مدرسة قائمة بذاتها في التسوّل النفسي والابتزاز العاطفي.

أما هدفكِ الذي رميت اليه من تلك الدراما المؤثرة, فلم يكن سوى أن تسترجعي, وبأي ثمن, منبوذكِ المسكين الذي نزعته بنزق من إصبعك طوعا ورميت به في جحيم الغضب أرضا.

لم أرغب بالتراجع أمام ضعفك المستجد ولا التنازل عند فيض دمعك المتجدد.

كنت أريد لك أن تواصلي البكاء لكي أواصل التشبث أكثر فأكثر بتلك ال "لا"  التي نبتت فجأة في أعماق وجداني.

كانت دموعك تجري على خديك وأناملك الدقيقة البيضاء, ترجو وتتوسل, متشبثة  بكفّي وساعدي.

سها عنك  وفاتك الانتباه في تلك اللحظة الحرجة إلى أنيّ كنتُ أهدّأ روعكِ بيدي اليمنى وأدسّ يدي اليسرى خلسة في جيبي, أتفقّد ذلك الخاتم المخلوع, أتحسسه بأصابعي, أدعم صدّه لك وَصُمودهُ ضدك من داخل الجيب دون أن تحسّي او تشعري.

كنتُ أشدّ عليهِ خلسة  كأني أعزّيهِ على ما ارتكبتْهُ يَدكِ الجانية مرة بحقّه  وأهنئه على ما سفحته عيونك النادمة مرات عديدة أسفا عليه.

لم تتراجعي ولم تسأمي. واصلت حملتك الضروس على حصوني واستأنفت هجماتك المركّزة على أسواري حتى تهاوت كل دفاعاتي وتمكنت أخيرا من إلحاق الهزيمة بي.

 طارت الطائرة من دوني وأوغلت بعيدا في رحاب  الفضاء.  

كنت ما أزال جاثيا أمامك على الأرض, عندما أشرق من بين الدموع وجهك وبرزت أسنانك ببسمة ماكرة تعلن انتصار ضعفك على جبروت قوتي.  

همدت ثورتي.

قمت منكسرا إلى شباك التذاكر وقد تضرجت شفتي جرحي.  تحللت من ذراعيك المتشبثتين  حول عنقي. ألغيت أسفاري ومواعيدي كلها إلى أجل غير مسمى.

عاد كل شيء إلى طبيعته, واستوى كل قديم  على ما كان عليه.

رجعت عزيزة مثل بلقيس, مزهوة بموكب  نصرك  العظيم. ترفعين شارة النصر فيبدو الخاتم الذهبي وقد التمع مجددا حول اصبعك وعاد صاغرا الى بيت الطاعة في يدك, تحت نهيك وأمرك, لبيبا رَهْن اشارتك.   

-يتبع- 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز