الدكتور رضا العطار
ridhaalattar@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 March 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
ما العبرة من الثورة الصينية ؟ الحلقة الثانية

لم يكن من المعقول ان تتغير الصين من امة اقطاعية مبتلية بمخدر الافيون الى امة عصرية صناعية في ايام وشهور. فان الاقطاعيين الذين كانوا يشترون الاماء ويستغلون الفلاحين وكذلك الحكام الذين كانوا يعيشون بالرشوة العلنية بل كذلك رجال الدين الذين كانوا يخدعون الناس بالغيبيات، كل هؤلاء كانوا ينتظرون ويتربصون. وكلما لاحت لهم فرصة الانتقاض،  هبوا في وجه الثوار ينكلون بهم، حتى تمزقت الصين.

 

ومات – سون بات سون – عام 1925 ومع انه كان يرى هذا التمزق، الاّ انه كان واثقا بان الثورة لن تموت بعد ان آمن بها الشعب. وتولى شيانغ كاي شك رئاسة الجمهورية من بعده وكانت له وجهة نظر اخرى في السياسة.

كانت قيادة سون بات سون للشعب الصيني منذ ان الغى النظام الامبراطوري قيادة ديمقراطية تنزع الى خط الاحرار في اوربا. وكانت رؤياه لمستقبل الصين انها امّة تعيش في المباراة الاقتصادية الحرة . تستصنع بلادها وتعمم حرية الرأي وتكافح الرجعية في العائلة والمجتمع وخرافات الدين، وتؤمن بحرية المرأة ولكن هذه السنين نفسها كانت ايضا سنين الاختمارالسياسي.

 

لكن الألاف من شباب الصين الذين عاشوا في اوربا وامريكا لم يقتنعوا بالديمقراطية المألوفة في هاتين القارتين. وانضموا جميعهم الى الاحزاب اليسارية البازغة ودرسوا المذهب الاشتراكي. وللمذهب الاشتراكي اغراء كبير بين شباب الامم التي استعمرتها بريطانيا وفرنسا وهولندا، لأن الاستعمار قوة رجعية كبيرة لا تقل عن القوات الرجعية الوطنية مثل الاقطاع او الركود الثقافي او الاستبداد العائلي اوالتقاليد الاجتماعية المقيتة اوسلطة رجال الدين القاهرة، بل ان الاستعمار كان يؤيد كل هذه النزعات. اذ هي تحالفه في منع الشعب من الانتهاض نحو استقلال الشخصية او رقي المرأة او تأسيس النقابات  او تعميم المصانع او زيادة التعليم.

 

والاستعمار الاجنبي والرجعية الوطنية توآمان يتحالفان على قمع الشعب وافقاره، اما علماء الدين فأنهم في انفصالهم عن الشعب واتجاههم نحو الغيبيات دون الدنيويات كانوا يوجهون الثقافة وجهة ضالة بعيدة عن اماني الشعب وهذا هو الوسط الذي يستطيع الاستعمار فيه ان يزكو ويستفحل.  

 

في الواقع لم تكن الصين مستعمرة لأحدى الدول بالمعنى الرسمي، ولكنها كانت لا تختلف من اية امة خاضعة مستعمَرة من حيث وجود الشركات الاجنبية التي كانت تستغل ابناءها مقابل أتفه الاجور. وتجمع من ذلك اعظم الارباح. كما كان الاقطاعيون الصينيون انفسهم لأبنائهم مستعمِرين. اذ كان احدهم يملك الاف الافدنة، يستغل فيها الفلاحين الذين كانوا يعيشون في فقر دائم.

 

ولهذه الاسباب تفشت الافكار اليسارية بين شباب الصين. وكان – سون يات سون – يتسامح في هذه الافكار، اعتقادا منه بانها تنبيه وايقاظ للشباب وتفتيت للتقاليد الصينية المضرة وقوة لصد التخلف. لكن لما تولى السلطة من بعده – شيانغ كاي شك – وجد ان لهذه الافكار اليسارية مدا يكاد يطغي على الصين كلها فعمد لمكافحتها. واستمر في مسعاه.

 

وهنا تبدأ قصة المرحلة التالية وهي قصة الثورة الاشتراكية التي اتى بها ماوتسي تنغ  التي عمت كل ارجاء الصين فيما بعد مخلفة النظام الديمقراطي الذي اتى به المصلح الكبير – سون يات سون – .

ومن الخطأ الفاحش ان نعزو الثورة الى رجل، لأن الثورات انما تنشأ من المساوئ التي تنشأ في المجتمع الذي  يرفض ان يرقى و يتطور. واذن تعد الثورة صداما بين قوات بازغة تنشد المستقبل وتعتمد على سخط الشعب وبين قوات بالية تعتمد على تقاليدها الماضية. والثورة الصينية هي كفاح  شبابها الناهض  كما هي كفاح ضد الأستعمار المستتر،  الذي كانت الشركات الاجنبية تمارسه.

 

الى الحلقة التالية غدا







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز