الطلحاوي نجيب
talhaoui.najib@hotmail.com
Blog Contributor since:
05 January 2008

كاتب عربي من المغرب

 More articles 


Arab Times Blogs
على هــامش العاصفة

 و نريد أن نمنَّ علـى الذين استضعفوا في الأرض و نَـجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثينصدق الله العظيم

 

        تحركت الشعوب أخيرا بعد خلود سباتي أنهكتـها سيوف الظلم و أسياط الحرمـان ، انطلقت شرارتها بعدما كانت فكرة موضوعة في كتب الرفوف يتنبأ لها الخُبراء في تاريخ الأقوام و طبائع العمران، تحركت دونما سابق إنذار أو علامات إخبار فوجدت نفسها تُنـاطِح جبابرة الأرض و ظَلمة العصر بكلِّ أدواتهم العنيفة و آلالتهم العريقة ، فلا شيئ أكـره عند الإنسان – كل إنسان –غير الظلم المنظم و لا شيئ أخـزى من استعباد الإنسان لإخيه الإنسان و لا أقبح شيء من أن يعيش الإنسان منزوع الكرامة. تحركت أصوات الجماهير مجتمعة لتعيد مكانتها بعدما فَـقَـدَ العديد من الناس الأمل في صيحة شعبية تنادي بحرية التعبير بعدما سيطرت النزعة السكونية الدائمة على تفكير النُّخب و تجمدت أحـلام النهضة و اليقضة الجماهيرية . عـادت إذن الجماهير إلـى قلب الحدث بعد أن عاشت إذلالا من طرف الظلمة تارة و من طرف النُــخب تارة أخرى فوضعت حدّا لسنوات الخوف و القهر . هــي أمواج متلاطمة تلفض زبــد الخانعين و أوساخ الجبريين مع مـا فيها من دخن يعتريه أحيانا من انحراف في السلوك و استهداف الممنوع .

     انطلق الصوت الجماهيري من تونس " الدولة اللائكية " حيث كان لا بد أن تسقط لِـتغَوُّلِ جهازها البوليسي و تمرد جبابرتها على العقل و الشرع ، و اشتعلت لهيبها بمصر " أم الدنيا " لتنضمَّ إلى الأصوات الحرة و لتسقط أحد أكبر الظالمين في التاريخ المعاصر بعد أن خـرب البلاد و العباد و طـارد المظلومين و حمى المستكبرين الصهاينة ، و سحقَ المقاومين و اليتامى المذعورين من أبناء غـزة ، آهٍ علـى غزة من شر ما فعل بها الطاغية . تحركت و اهتزت قلوب الملايين من المقهورين فرحا بانهيار نظام خانع حملَ معـه أوزار الملايين و عادت البسنة لأطفال حُـرموا من حقهم في التطبيب و التغذية ، ألا بُــعداً للقوم الظالمين .

      كــأن العالم كله يتابع بقلب قلق ملهوف متغيرات المشهد العربي و هي تصنع أحداثا تاريخية جسام ، و عـاش لحظات انكسار و انتصار و تفاعلَ مع كل صغيرة و كبيرة بالشكل الذي يوحي بوحدة الجماهير ، و مـع كل تغير في مسار الثورة سلبا يضطرب القلب ألما ، و مع كل انتصار و انضباط يزداد أملا ، تلكم هــي خريطة قلب كل إنسان مضطهد محروم من حقوقه مُـداسِ في كرامته. غير أن هذا الـتقلب في الشعور الوجداني سرعان ما بدأ يتلاشى مع صمود الصوت الجماهيري و إصراره على الإطاحة بنظام غاشم قهري ، بـل صار الجميع في العالم العربي يستشعر النصر القريب بعدما أثبتت " الثورة " قدرتها على التنظيم و التعبئة و حسن إدارة المعركة مع أزلام النظام المصري و فلوله .

    مــا مــيَّـز تاريخ " الثورات " الراهنة وحدتها الداخلية و قدرتها على الانتقال السريع إلى نظم مغايرة في وقت غير قابل للتكهن ، و في وقت كانت فيه الشعوب مستعبدة و مُـكبلة بأغلال المخابرات تراقب كل شادة و فادة . لقد جرت " الثورات " في لحظات متباعدة في العالم رغم وحدة المطالب المشتركة و تقارب الاتجاهات الايديولوجية في مقاربة أصول الأزمات ، في حين امتازت الثورات العربية بوحدة شعاراتها و تقارب تحركاتها و تباين اتجاهاتها المرجعية ( إسلاميون ، لائكيون ..) . إن الجماهير هـي القوة الضاربة فلا ينبغي احتقارها أو النيل من قدراتها التنظيمية كما ذهب إلـى ذلك الأستاذ منير شفيق في كتاب " في نظريات التغيير " . و الجماهير لا يمكن أن تستنجد إلا من الجماهير لأنها من طينة واحدة ، و الحكام الذين شاهدوا إخوانهم على شفا حفرة انهيار فسارعوا إلـى الدفاع عنهم هم الآن يواجهون نفس المصيـر ( القذافي و هو يدافع عن طاغية تونس ، و بشار الأسد و هو يدافع عن القذافي ...) ، هي معادلة ظَلَمَة قهروا العباد و حكموها بالحديد و النار مع جماهير لا تعرف غير أمل العيش الكريم و الوطن المستقل .

   مــا حمـلتهُ أمــواج " الثورات " أسقطت أكذوبات الشرعية الشعبية لنظم الحكم البائدة و أماطت اللثام عن  حجم الهوة السحيقة بين ولاة فرضوا أنفسهم بالانقلابات و قوة الجيش و بين شعب طالما سُــرقت إنجازاته و استُــغلت في تكريس الحكم السلطوي ، كما تجاوزت هذه التحركات بعض الفتاوى الرخيصة لأنصاف الفقهاء البلاطيون الذين أرادوا أن يجهضوا حركة الشعب و شرعنة إبقاء النظام عبر تبريرات هزيلة و هزلية خارج العقل و الشرع ففرض الشعب نفسه على سلطة الاستبداد و فقهاء العض و الاستعباد .

     قــالوا عنها أنهـا صناعات إخوانية تسلقت مطالب الشعب لتصفية حسابات مع نظام طالما جفّـفَ منابعهم ، و قالوا هـي خيوط خارجية تتحكم بإرادة الشعوب ، و قالوا هـي قـوى راديكالية " إرهابية " تُــوجّه مسار المعركة ... تقولات لـم تعد تنفع مع هَبّــات الجماهير التواقة للعيش الكريم ، و ارتفع صوت المستبد الحاكم ليعيدَ أسطوانة إمكانية قيام الحرب " الأهلية " و سيطرة الإسلاميين على الدولة و من ثم اضطهاد الاقليات ، و تحدث الغربيون عن زمـن الصحوات محذرين من إيران جديدة في مصر و تونس في وقت كانت فيه قيادات التنظيمات الإسلامية لا تطالب أكثر من أن يكون لها الحق في قيادة المجتمع كغيرها من التيارات ، و أعلـن الإخوانيون بأدبٍ عن عدم ترشيح أحد منهم لتولي رئاسة الجمهورية ليس لطمئنة المخالفين ، بـل لقناعتهم أن مشروعهم الحضاري يتنافى و إقصاء الأخرين .

    لقد حركت الأحداث السياسية الراهنة قلوب الناس و أشعرتهم بما عليهم من مسؤوليات في بناء الدولة العادلة و أعادت إليهم الإحساس بامتلاك القدرة على التعبير عن الرأي دونما خوف ، و كشفت في المقابل عن أساليب استعبادية ( مرتزقة ، شراء الذمم ..) لإجهاض أصوات طلاب التغيير و جــندت في سبيل ذلك أقلاما مأجورين يحاولون صد الدم بالقلم فهيهــاتَ حــتى يَــلِــجَ الجمل في ســمِّ الخِــياط .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز