جابر الغاب
jabrjabr22@yahoo.com
Blog Contributor since:
27 January 2010



Arab Times Blogs
سورية.... هل تجاوزت المحنة والامتحان ؟؟

 

    لاشك أن ما حصل في سورية مؤخراً كان مفاجأة من حيث المكان قبل الزمان... ولكن لاشك أيضاً أن شعب سورية بالكامل وفي مقدمته شبابها وصباياها، وبوعيه وتلاحمه كان المفاجأة الأكبر ليس لنا نحن الذين نعرف هذا الشعب وإنما للعالم الذي مازال يجهل شعب سورية...

    فقد أظهر هذا الشعب من التلاحم والتماسك ما لم أره في أي زمن إلا إبان حرب تشرين التحريرية في عام 1973 حينما تحول الشعب كله إلى جيش خلفي يدعم الجيش المقاتل على خطوط النار، كما تحول اليوم إلى جيش كل فرد فيه معني بالدفاع عن الوطن ووحدة الشعب بعد أن استشعر الجميع الخطر وأن هناك من سعى لاستغلال معاناة الناس التي عبروا عنها في مطالبهم المشروعة ليفجر الوضع الداخلي وتسود الفوضى وينعدم الأمن والأمان ويغيب القانون ويسيطر الخوف ومن ثم لا أحد يعرف يد من فوق ويد من تحت....

    لا أحد يشك أن نسبة من أبناء الشعب السوري تعاني من الفقر والبطالة والغلاء ومحدودية الدخل والنقص في بعض الخدمات في كل المناطق، ولكن ليس بأكثر مما تعاني منه أغنى بلدان المنطقة التي يدخل خزائنها المليارات كل يوم من النفط... ولا أعتقد أن أحداً كان بحاجة لتذكير ذوي الشأن بسورية بكل ذلك فهم على وعي ودرايه ومعرفة بتفاصيل الأمور والصحف السورية هي من كانت تكتب عن ذلك وتتحدث عن الفساد، ولكن ربما الخطط الاقتصادية التي وضعت وطرق المعالجة لم تكن كافية لمعالجة هذه المظاهر الموجودة في كل مجتمعات العالم بما فيها المتقدمة منها ، فضلاً عن التحديات التي مرت بها سورية على مدى العقد الأخير واستهدفت أمنها القومي وكان لها أثرٌ كبيرٌ على خطط الإصلاح.... وطبعاً أن هنا لا أبرر على الإطلاق ولكن كإنسان زار العديد من بلدان العالم ومنها الولايات المتحدة وعاش في الخارج طويلاً أستطيع التأكيد على أمرين اثنين : أولهما لو أن الانفجار السكاني الهائل الموجود في سورية وهذا التزايد المتسارع وغير المسبوق لعدد السكان لو كان كل ذلك موجود في أي بلد أوروبي غربي أو شرقي لعجزت حكوماته عن إيجاد الحلول له ومجاراة خططها لهذا التزايد. وأعتقد الجميع يعرف أنه لا يوجد بلد في أوروبا قد ازداد على مدى أربعين عاماً بمقدار ما يزداد عدد سكان سورية في عام واحد، طبعاً مع الأخذ بعين الاعتبار عدد السكان ونسبة الزيادة، بل أن بعض البلدان الأوروبية قد تناقص عدد سكانها. وهنا أقول أن من ينجب سبع أو ثمان أو عشرة أولاد ووضعه الاقتصادي لا يسمح بذلك عليه أن يلوم نفسه أولاً، ثم يلوم الحكومة عن المعاناة الاجتماعية، ولذا أتمنى أن يعالج مشروع الإصلاح هذه الظاهرة الخطيرة.

    والأمر الثاني الذي أود التأكيد عليه ومن خلال ما شاهدته في بلدان عديدة أنه على الرغم من الشكوى من الغلاء ومستوى المعيشة فمازالت سورية بألف خير ومن يعرف العديد من بلدان أوروبا الشرقية والجمهوريات السوفييتية السابقة ومستوى المعيشة قياساً بمستوى الدخول فإنه سيقول : "يرحم الله سورية".... الناس في العديد من هذه البلدان عاجزة عن دفع أقساط المدارس لأولادها فالتعليم كله يتحمله الأهل وحتى الطبابة، بينما يدرس السوري من الأول الابتدائي وحتى نهاية الجامعة مجاناً ومشافي الدولة في كل مدينة ومنطقة.... أما تطور الخدمات فلا يمكن أن ينكره إلا كل جاحد فأنا من جيل الخمسينيات ونعرف كيف لم تكن هناك سوى مدرسة ثانوية واحدة في المنطقة بكاملها حتى أوائل السبعينيات، ولا طرق في الأرياف ولا كهرباء ولا ماء ولا هواتف.... أما اليوم فلا توجد قرية بلا مدرسة وطريق وماء وكهرباء وهاتف وحتى مستوصف. وبالطبع مازلنا نطمح للكثير والأفضل، ولكن أن نقول لا توجد خدمات فهذا إجحاف.

    طبعاً كل هذا تحقق وسورية في خط الدفاع الأمامي لهذه الأمة في وجه العدو الصهيوني والكثير من إمكاناتها وطاقاتها تحشد لمواجهة خطر هذا العدو، ولولا ذلك كان يمكن أن تُسخر للتنمية والتطوير.

    لقد دَرَست في إحدى الجامعات الأمريكية وتخرجت فيها قبل أكثر من ربع قرن وشاهدت حي /هارلم/ والفقر في قلب مدينة نيويورك وانعدام الأمن والأمان، وهنا لا أنسى ما قالته لي زميلتي الأمريكية في الصف بعد أن قرأتْ بعضاً من سجلات الجرائم في نيويورك، إذ قالت : إن من يقرأ عن الجرائم في نيويورك فإنه سيخشى الخروج من بيته.... بينما زميلة أخرى كانت تأتي متعبة للدرس بعد انتهائها من العمل قالت : إن الدراسة الجامعية في أمريكا هي نوع من الترف لا يقدر عليها إلا الأغنياء وإلا عليك أن تعمل كي تدفع أقساط الدراسة... أما صديقي الطبيب الأمريكي من أصل سوري فقال : "إن كل من يعيش في نيويورك مصاب بمرض البارانوي ، أي الخوف النفسي لأنه لا يمكن أن تعيش في نيويورك ولا تخاف على أمنك وأمانك وحياتك وممتلكاتك"...

ــ ألم يشاهد العالم كيف مات العشرات غرقاً في أغنى بلدان المنطقة نتيجة هطول أمطار لبضعة ساعات !!! ألا يعيش الريف البعيد في هذا البلد الغني كما كان الريف السوري قبل سبعون عاماً.

ــ ألم يكن الفساد في البنوك الأمريكية خلف أزمة ما عرف بالرهن العقاري ومن ثم التسبب في الأزمة المالية العالمية !!!

    هذا الحديث لا يعني على الإطلاق تبرير أي تقصير أو خلل أو الدفاع عن أي فاسد فأنا من أوائل الناس الذي يعتبر الفاسد عدوي الشخصي وليس عدو الوطن فقط ، بل لدي حساسية خاصة ممن يمارس أي شكل من أشكال الفساد، وهي كثيرة ، وأستهجن أن أقرأ اليوم وأرى وأسمع أن من كانوا أكبر رموز للفساد في سورية ، بل من أسسوا له ونشروه ويعرف الشعب عنهم كل التفاصيل إنما هم وأبنائهم من يرفع اليوم لواء الدفاع عن الشعب ومطالبه ويحرضونه بينما هم يعيشون بالبذخ والترف من حساب هذا الشعب في العواصم الأوروبية.

    يقول المثل العامي /القضية ليست قضية رمَّانة وإنما قضية قلوب مليانة/ وهذا المثل يعبر بكل صدق وأمانة عن حقيقة الأصوات المعارضة التي ترتفع وتحرض من الخارج سواء منهم من أشرت إليهم آنفاً أم من كان لهم مشروع طائفي خطير أرادوا أن يفرضوه بالعنف في وقتٍ ما ثم فشلوا في ذلك وربما يحاولون الكرَّة ثانية مدعومين بقوى خارجية إقليمية وغير إقليمية ومستغلين مطالب الناس واحتياجاتها.

    وسأقتبس هنا بعضاً فقط من المذكرات التي نشرها موقع يخص هؤلاء وسأدع القراء يحكمون على ذلك ، إذ جاء في تلك المذكرات ما يلي : "....كما طَلَبَ مني استطلاع شخصيتين نصيريتين، الأولى عسكرية ، والثانية مدنية وأخبرني بأننا لا نستهدف إلا الشخصيات النصيرية...." ، وفي مكان آخر جاء ما يلي : ".... الأوضاع الأمنية في.... أصبحت لا تطاق خاصة بعد تنفيذ العملية الثالثة باغتيال الرائد النصيري المجرم...." !!! فهل هذا هو المشروع الوطني الذي يبشرون شعب سورية به ؟؟؟

    ومع هذا هؤلاء اليوم يروجون أن النظام هو من يثير المشاعر الطائفية وهنا أقول /مجنون يحكي وعاقل يسمع/ فهل لأحد أن ينكر أن كل الفضل كان لهذا النظام في وقف الحرب الطائفية في لبنان في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، وهل لأحد أن ينكر أن هذا النظام وقف بكل طاقاته لمنع تفتيت العراق طائفياً ومذهبياً، واستقبل أكثر من مليون عراقي جميعهم تقريباً من إخواننا العراقيين السنة (وآسف جداً لاستخدام هذا التعبير) وهل ننكر أن العديد تآمر على هذا النظام لأنه ذا توجه علماني ويربي الأجيال على الثقافة الوطنية والقومية والعروبية ويحترم التعدد وخصائصه، ويلفظ ثقافة الطائفية والمذهبية !!!

    وأخيراً هل من عاقل ينكر أن حصيلة هذه التربية الوطنية والقومية كانت الحصن الحصين للشعب السوري للانتصار على كل التحديات والأخطار حيث صهرته في بوتقة واحدة هي بوتقة الوطن وليس الطوائف والمذاهب التي يحصد ثمن أخطارها اليوم ، وكل يوم ، شعبي لبنان والعراق المجاورين !!!

    لنكن واقعيين عندما نتحدث معارضين أم موالين أم محايدين وليكن هدفنا جميعاً هو تحقيق مصلحة الشعب ومستقبل الوطن وليس هدفنا استغلال مطالب الشعب وحرقه إن لزم الأمر لتحقيق المصالح والطموحات الشخصية أو المشاريع السياسية التي تمزق البلاد والعباد. فهناك تفهم واعتراف من قيادة سورية بمشروعية المطالب وجهود تبذل لتحقيق ذلك وإن الغيرة والحرص على الشعب والمحبة للوطن تقتضي من كل من يرفع هذه الشعارات أن لا يعرقل أو يشكك بقصد الإثارة والتحريض، وإنما أن يبذل قصارى جهده لإنجاح كل الإصلاحات المطلوبة.

    طبعاً أعرف أن هناك من سينهال ربما بالشتائم ضدي والاتهامات بأنني بوق لكذا وكذا، وأنا أسامح هؤلاء فهم يعكسون أخلاقياتهم قبل أي شيء ، ولكن أقول لهم أيضاً أنني "بوقٌ" لوطني ومبادئي ولقول كلمة الحق وللتخفيف من القلق والتوتر لدى أبناء شعبي ودرء المخاطر عنهم  فهذه مهمة كل وطني وشريف في هذه الظروف ، لأن التحريض لا يزيد الأمور إلا سوءاً ونحن في مرحلة تحتاج للحكمة والعقل والتبصر وليس للتهور وردود الأفعال وتصفية الحسابات من طرف من لم يتمكنوا من استيعاب أنهم كانوا صناع القرار ومن ثم باتوا خارجه ، أو من طرف من جربوا الاستيلاء على القرار بالعنف وفشلوا. طبعاً لا ألوم الأمريكي والإسرائيلي فهذا مصلحته أولاً تفتيت المنطقة إلى دويلات مذهبية وطائفية لتسهل هيمنته عليها ، وثانياً كي يبرر لنفسه قيام دولته على أساس ديني يهودي فقط ، وثالثاً : إضعاف سورية وفرض شروطه عليها خلال أية مفاوضات ، ولكن ألوم كل من يحمل هوية سورية أو عربية ويساعد الإسرائيلي في تحقيق ذلك سواء عن جهل أو عن عمد ، بشكل مباشر أو غير مباشر، فانتبهوا أيها السوريون في كل مكان فخلافاتنا تبقى خلافات الأسرة الواحدة ولنقطع اليد الغربية التي تحاول أن تتدخل بيننا أيا كانت. فلا أحد منا يريد أن تأتي عليه أياماً يترحم بها كل يوم ألف مرة على أيامنا الحالية... فجميعنا ندعو الله بأن يُطعمَ أبناؤنا أياماً جميلة ولكن هناك من لا يريد لهم ذلك .... فلنتكاتف لنقل بلدنا إلى المكان الذي نصبوا إليه بسلام وهدوء وتمعن وتعقل ووعي ودراسة ، هذا إن كنا فعلاً نفكر بأيام أجمل لأبنائنا.... فمسيرة الإصلاحات بدأت سيرها وليس المهم التقدم بسرعة وإنما المهم التقدم بالاتجاه الصحيح، وأكرر مسؤولية نجاحها يتحملها كل مواطن سوري وليس النظام فقط، وعلينا أن ندرك جميعاً أن هناك من سيستقتل لإفشال هذه الإصلاحات لأن هدف هؤلاء ليس الإصلاح وليس معاناة الناس وإنما هدفهم ضرب الأمن والاستقرار والنظام في سورية خدمة لمصالحهم الخاصة التي تقاطعت مع أجندات خارجية معادية....  

    وفي هذا السياق لابد أن استنكر ثانية كل ما يطلقه السيد يوسف القرضاوي بحق سورية ، وأتأسف أنني صافحته ذات مرة في أحد المؤتمرات في أبو ظبي ، إذ لم أكن أدرك حينها أن الدين عنده مطاطٌ لهذه الدرجة وأنه موضوع في مزاد علني أو كـأية حرفة أو صنعة أو بضاعة غايتها الربح والكسب المادي على حساب أية قيمة إنسانية....

    أتذكر اليوم ما قاله الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا في محاضرة له في جامعة أوكسفورد في 27/10/1993 عن الإسلام : "إن الإسلام يمكن أن يعلمنا طريقة للتفاهم والعيش في العالم"....

    فالنتصور قول ولي عهد بريطانيا البروتستانتي الذي سيذهب للجحيم في الآخرة بنظر القرضاوي والكثيرين ، ونقارنه بسموم التعصب والطائفية والتحريض على الفتنة التي يقوم بها السيد قرضاوي ، وتقديمه الدين الإسلامي للعالم على أنه عاجز عن تعليمنا طريقة للتفاهم والعيش فيما بيننا ،عداك عن العالم، وذلك خلافاً لرأي ولي عهد بريطانيا !!! فأي من هؤلاء سيكون حسابه أشد عند الله في الآخرة ؟؟؟ سأدع الإجابة للقراء ممن يتمتعون بالمنطق والموضوعية.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز