سمير زين العابدين
sameergen@hotmail.com
Blog Contributor since:
19 March 2010



Arab Times Blogs
المجلس العسكري .. إلي أين ؟

 

خمسون يوما مضت منذ أن خلع الرئيس الفاسد رغما عنه ومنذ أن تولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شئون البلاد . ماذا حدث وما الذي يحدث والي أين يقودنا المجلس الأعلى ؟

 

لقد قامت الثورة رغما عن أنف الجميع قامت بها جموع الشعب المصري كله من أقصاه إلي أدناه وكان هدفها الأول هو إسقاط النظام وهو ما نجح بشكل مباشر في إسقاط رأس النظام ولكن هل سقط النظام ؟

 

 

المجلس الأعلى للقوات المسلحة :

 

يصر بعض رموز هذا المجلس علي أنهم تولوا الأمر بناء علي تكليف الرئيس المخلوع أولا وبناء علي تبنيهم لأهداف الثورة وحمايتها وطبقا لشرعيتها ثانيا , وفي هذا خطأ عظيم فالرئيس المخلوع لا يستطيع دستوريا أن يكلف المجلس الأعلى بإدارة البلاد , وعندما نزل الجيش إلي الشارع كان ذلك بناء علي أوامره لحماية المنشآت وليس لحماية الثورة وبعد أن انسحبت قوات أمنه .

ولا يتصور أن يكون تجنب تعامل الجيش بالقوة مع الشعب تفضلا منه ولا جميلا يجب أن نحمله فوق رؤوسنا بل هو فرض عليه وغير ذلك يعتبر جريمة حتى ولو امتلكت القوات المسلحة عناصر القوة .

من هنا يبقي أمر واحد يحقق للمجلس الأعلى شرعيته وهو حالة الرضا التي انتابت الجماهير لقيامه بتولي أمور البلاد والهتافات التي نادت بأن يكون الجيش والشعب يد واحدة من أجل مصر ومن أجل ثورته . ولا يخفي علي أحد أن الناس جميعا كانوا يدركون أن القوات المسلحة هي الفرصة الأخيرة وأنه لا ملاذ آخر في ظل خيانة النظام السابق وانهيار الأمن ورغبة الجميع في عودة الأمن والاستقرار .

وهنا يثور السؤال الأهم والأكبر وهو هل فعلا يؤمن المجلس الأعلى بأهداف الثورة ورغبة الجماهير في الحياة الحرة الكريمة العادلة واستعادة ثرواته المنهوبة وعقاب من أفسدوا الدولة ونظامها السياسي وقبل كل ذلك القصاص من قاتلي الشهداء الذين استباحوا دمائهم بغير حق بل وهل يعملون علي ذلك ؟.

 

وللإجابة علي هذا السؤال يجب أن تضح للجميع حقائق هامة :

 

1- يتكون المجلس الأعلى للقوات المسلحة من عناصر معينة يحددهم القانون وفي الصورة الوحيدة التي تتداولها وسائل الإعلام لهذا المجلس أري أن هذا ليس بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة. قد يكون هناك بعض من الأعضاء الحقيقيين الذين رأيناهم في الصورة ولكن النسبة الأكبر والفاعلة أيضا وهم من يخرجون علينا في برامج المساء ويعقدون اللقاءات والاجتماعات ليسوا بأعضاء في المجلس الأعلى فهم ضباط قد أحيلوا إلي التقاعد وتم استدعائهم فور التقاعد ليعملوا في وظائف المساعدين والمستشارين لوزير الدفاع ورئيس الأركان وكلهم قد تعدوا الستين عاما منذ وقت ليس بالقصير , وتقتضي الأمانة أن أذكر هنا أن للمجلس الحق في استدعاء من يراهم لاجتماعاته لأخذ الرأي في بعض الأمور التخصصية , حتى مدير الشئون المعنوية فهو يقوم بدور إعلامي لا أكثر وهو ليس عضوا في المجلس بطبيعة الحال .

 

2- يعتمد العسكريون مبدأ الطاعة للقائد الأعلى رتبة مهما كانت آراءهم فلا أتصور مثلا أن يقوم المجلس بالاتفاق أو التصويت علي أي من القرارات التي تتخذ لإدارة البلاد بل أكاد أجزم أن أي من الأعضاء الحقيقيين أو من سبق الإشارة إليهم لا يملكون إلا تنفيذ أوامر وتعليمات وزير الدفاع هذا هو نهجهم وتلك هي قناعاتهم وما اعتادوا عليه طوال فترة خدمتهم .

 

3- لم يفطن الجميع لأحد النقاط الهامة التي وردت بالإعلان الدستوري الثاني والتي وردت بالمادة 56 والخاصة بسلطات المجلس الأعلى للقوات المسلحة والتي تنص علي أن للمجلس أن يفوض رئيسه أو أحد أعضائه في أى من اختصاصاته , وهو ما يعطي الغطاء الشرعي لوزير الدفاع أن يباشر اختصاصات المجلس كلها بالتفويض.

 

4- في الشهر القادم (مايو 2011 ) يتم السيد المشير حسين طنطاوي عشرون عاما بالتمام والكمال في منصب وزير الدفاع محققا بذلك أطول مدة تولاها قائد للقوات المسلحة منذ إنشاءها في عصر محمد علي وهو ما يعني أنه بقي وزيرا للدفاع طوال ثلثي فترة حكم الرئيس المخلوع وهو بذلك يشكل عنصرا أساسيا في النظام السابق وهذا لا يشكل اتهاما له ولكنه واقع يجب أن يوضع في الاعتبار .

 

 

نستطيع مما سبق أن نخلص إلي أن وزير الدفاع هو من يقوم بإدارة البلاد ودون أن نوجه نقدا جزافيا دعونا نلقي بعض النظر إلي حقيقة ما يحدث في البلاد منذ بدأت تلك الإدارة منذ حوالي خمسون يوما سبقت .

 

1- في فترة استثنائية بحتة تعيشها البلاد تدار الأمور بشكل تقليدي بحت لا يمت إلي مضمون الثورة الشعبية بصلة .

 

2- احتاج الأمر إلي أكثر من نصف الوقت المتيسر حتى يتم تكليف وزارة يرضي عنها الشعب بعد تصميم غير مبرر علي رموز فاسدة في النظام السابق , وحتى الوزارة الأخيرة تتضمن رموزا تابعة للنظام السابق وإلا ما معني أن يبقي الوزير سيد مشعل وهو الذي قام بتزوير انتخابات مجلس الشعب الأخيرة لصالحه وهو من حشد العاملين في وزارته في مظاهرات الحزب الوطني المؤيدة لرئيس النظام السابق وبعد سقوطه .

 

3- غياب الرؤية عمدا أو بغير عمد وهو ما يفسره التعاطي مع  دستور 1971 الذي أسقطه الثوار بإسقاطهم النظام ومحاولة إعادته للحياة بإجراء استفتاء علي تعديلات لبعض المواد التي يتضمنها وعندما اشتد الضغط أعلن أنه لم تكن في النية إعادته بل ستستغل هذه التعديلات في إصدار إعلان دستوري جديد ولم يفسر لنا أحدا لماذا حوت التعديلات المستفتي عليها إلغاء لأحد بنوده في حين أن النية كانت متوجهة لإلغائه كلية !

 

4- تعويضا لدستور 1971 يصدر الحاكم إعلانا دستوريا استثنائيا ليتم العمل بمقتضاه لحين صدور الدستور الجديد وبعين فاحصة أراه يحوي السم في العسل بل هو لا يختلف كثيرا عن دستور 1971 في قصفه بالحريات العامة والخاصة واليكم بعض الأمثلة :

 

- للمواطنين حق تكوين الجمعيات وإنشاء النقابات والاتحادات والأحزاب وذلك على الوجه المبين في القانون وهنا أقول وماذا إذا كان القانون يتعدى علي هذا الحق بأن يشترط لتكوين الحزب عدد لا يقل عن 3000 عضو من 15 محافظة رغم أنها كانت في النظام السابق 50 عضوا رفعها إلي 1000 فقط قبل أن يسقط ؟.

 

- للمواطنين حق الاجتماع الخاص في هدوء غير حاملين سلاحا ودون حاجة إلى إخطار سابق ، ولا يجوز لرجال الأمن حضور اجتماعاتهم الخاصة , والاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات مباحة في حدود القانون . وهنا يجب أن نسأل عن محتوي هذا القانون وهل الاجتماع العام والخاص في دولة ديمقراطية تحتاج لقانون ينظمها ؟ وهل الاجتماعات العامة (طبقا للنص) يجوز لرجال الأمن حضورها ؟

 

5- تتوفر حاليا حماية غير مسبوقة لرئيس سابق جري خلعه بإرادة الجماهير ينعم بالعيش الرغد في قصوره وقصور أبنائه في شرم الشيخ بعد أن أفسد وقتل شعبه ويقر في وجدان الشعب أن القوات المسلحة هي التي توفر له هذه الحماية وتتخذ الحماية أشكالا عدة سواء كانت حماية جسدية بعناصر الحرس الجمهوري أو حماية قانونية بعدم التحفظ الجاد عليه وأسرته لمنعهم من التصرف الكامل في الأموال المنهوبة أو محاولة تصحيح أوضاعهم أو التمهيد لمحاكمته علي جرائمه في حق هذا الشعب وكذلك حماية معنوية بالإعلان عن أن القوات المسلحة لن تقبل أن يهان أحد رموز حرب أكتوبر . ولم يفسر لنا أحدا لماذا إذن قبلت أن يهان أهم رموز حرب أكتوبر علي الإطلاق ( الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة في هذه الحرب المجيدة  ) بجناية أقل ما يقال عنها أنها ساذجة.

 

6- تعرضت البلاد خلال ثلاثين عاما من حكم الرئيس المخلوع لأكبر عمليات السرقة والنهب في تاريخها ولأكبر عمليات الفساد السياسي والإداري علي مر العصور وهو ما يستتبع (تحقيقا لأهداف الثورة التي يتم الحكم بمقتضي شرعيتها) العمل الفوري لاستعادة الأموال المنهوبة وحساب الفاسدين والمفسدين واقل ما يمكن فعله في هذا الشأن هو الإنشاء السريع لمحكمة ثورة تضطلع بتلك المهام المحددة بدلا من أن يعهد بها إلي النائب العام والقاصرة يداه إما بفعل قلة إمكانياته أو بعدم قدرته علي الخوض في مسائل قد لا يرضي عنها من يحكم البلاد .

 

7- شهدت الثورة شهداء تم قتلهم وضحايا تم جرحهم وإعاقتهم وإعماؤهم وللآن يتغاضى الحكم القائم عن تحديدهم وحصرهم , وعلي استحياء شديد وبدون جدية واضحة وتباطؤ مخل تجري محاكمة بعض العناصر الضالعة في ذلك وليس كلها رغم الوضوح الشديد للأمر فالرئيس المخلوع ووزيره ومساعديه ومعاونيه ومرؤوسيهم علي كافة المستويات وعناصر الحزب الوطني مخططي ومنفذي موقعة الجمل والحمار كلهم متهمون ومدانون بشكل واضح والأمر لا يستدعي كل هذا التباطؤ فالقتلى معروفون والقاتلون محددون والأمر أيسر من ذلك والتباطؤ هنا يقود إلي الشك في التواطؤ. 

 

8- ماذا يعني أن يبقي الحاكم علي رموز الفساد وبشكل يدعو إلي الشك والتعجب في مرافق هي حيوية ومؤثرة إلي حد كبير مثل الصحافة والإعلام والجامعات والأجهزة والمناصب الرئيسية في الدولة ألا يعني هذا الإبقاء إيمانا ضعيفا بأهمية الإصلاح وحتميته ؟

 

9- يستطيع أقل الناس ذكاء أن يري بوضوح رغبة الجماهير في بعض الأمور البديهية والمتمثلة في نقاط محددة مثل إقصاء حزب الفساد الوطني والانتخاب بالقائمة وعدم الحاجة لمجلس الشورى وإطلاق حرية تكوين الأحزاب بالإخطار وإعمال القانون في تنحية الأحزاب الدينية وتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية ورفع القيود المتعسفة علي الترشح لرئاسة الجمهورية وتحديد حد أدني وأقصي للأجور وإنشاء الضرائب التصاعدية والنظر في فساد ملف الخصخصة وغير ذلك الكثير من الملفات التي يجب العمل عليها  فورا ودون إبطاء وهي أمور أدت إلي القيام بالثورة وبالتالي أصبحت حتمية لا تنتظر هوي من الحاكم أو الوزارة .

 

10- ماذا يعني السكوت علي العناصر السلفية الطامحة سواء فيما يقولونه أو فيما يفعلونه ماذا يعني السكوت علي ترويع المواطنين وبث الرعب في نفوسهم وما الذي يمكن أن نجنيه من مجتمع مروع وخائف إلا العنف والبلبلة وغياب الاستقرار أليس قاطعي أذن المسيحي أولي بالأحكام العسكرية من آخرين ؟

 

 

بالنظر إلي كل ما سبق لا أتعجب من الهتافات التي دوت يوم الجمعة 1/4/2011 بميدان التحرير في مليونية إنقاذ الثورة والتي تركزت في ثلاثة أمور أهمها تنحي المجلس العسكري وتسليم الأمور إلي مجلس رئاسة نزيه وسرعة محاكمة الرئيس المخلوع وأذنابه قاتلي وسارقي الشعب المصري وهي نهاية أراها مأساوية لمجلس قدم له الشعب الثقة كاملة علي طبق من فضة بكل الأمل في تبني مطالبه العادلة وباقتناع كامل أنه لن يكون امتدادا لنظام مبارك .

 

إنني أضم صوتي لصوت الثوار وأدعو قائد المجلس العسكري لأن يسلم الحكم لمجلس رئاسي وليتفضل الجيش مشكورا بالعودة إلي ثكناته ومهامه تحقيقا لرغبته في سرعة تسليم الحكم للمدنيين ليأخذوا الفرصة في تحقيق رغبة الإصلاح لدي الشعب والتي لن تهون ولقطع الطريق علي كائنا من كان يريد أن يلتف علي الثورة ويجهضها ولقطع الألسن والأصابع التي قد توجه اتهاما لجيش مصر العظيم .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز