أسامة غاندي
osamagandi@live.se
Blog Contributor since:
13 February 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
سوريا ...آخر ما تبقى من الغيرة

لست سوريا ولا بعثيا كذلك , ولم أرى سوريا في حياتي رغم أن الحدود السورية تبعد عن مدينتي مسيرة ساعتين في السيارة , الا أنني متابع جيد لما يحصل في سوريا منذ 1963 والى اليوم , ورغم انني كنت انتقد بعض الاحيان موقف سوريا من تبنيها المتشدد لموقف الممانعة , ووقوفها الى جانب ايران في تحالف استراتيجي ومصيري احيانا ضد بعض الملفات التي اجدها عربية خالصة , الا أن هذا لايعني عندي أن سوريا ونظامها مهما اختلفنا في تفصيلة , لاتشكل  حالة موقف عربي طليعي , وحالة وضع مدني اجتماعي يتفوق على الكثير من المجتمعات العربية .

واستمعت أمس الى خطاب الرئيس بشار الاسد ولفت انتباهي فقرة منه مفادها إن أحد انجازات النظام السوري هو هذه الوحدة الوطنية التي ترونها . والحقيقة إنها انجاز السوريين انفسهم بعد أن وفر لهم النظام السقف الامني الذي استطاعوا من خلاله بلورة شخصية سياسية مستقلة ومتوازنة رغم ما يشوب المسيرة من اخطاء تفرزها القبضة الحديدية للنظام .

 الفرد السوري كعينة عربية ذكي وبراغماتي ومحمل بحمولات ثقافية كانت نتيجة ترسبات الحضارات القديمة في سوريا , استوعبها وعجنها عجينة خاصة وتقمصها , لذلك فهو في المقدمة من النماذج العربية الجديرة بالتقدير والاحترام ,وما يلفت نظرنا في هذه الازمة أن معارضين للنظام في الخارج ونشطاء سياسيين توقفوا بحزم ازاء هذه الازمة وأكدوا وقوفهم مع الوطن بغض النظر عن الاسماء والعناوين , وهو ما أكد لي احترامي مرة أخرى للعقل السوري الذي يجيد لعبة الاختيار في المواقف , ويؤكد مرة أخرى أن مهنة الارتزاق لدى الكتاب والمثقفين السوريين غائبة نوعا ما اذا تعلق الامر بالوطن الذي ينظر اليه كوطن فقط دون المتعلقات الزمنية الاخرى من حكام ومسؤولين , وهذا موقف لاحظناه كثير في المرتزقة الاعلاميين الذين انتهكوا اجساد اوطانهم اثناء ثورة مصر, أصبحوا يسلخون سمعة مصر وتاريخ مصر وكرامة مصر من اجل دراهم معدودات من وسائل اعلام عربية رخيصة ,

ومن يقارن بين القرضاوي المصري صاحب الجنسية القطرية وبين محمد سعيد البوطي السوري الكردي , يجد عجبا في كل الفروق , ابتداءا من نحافة البوطي التي توحي لك بشيء من التقشف والزهد وبين بدانة القرضاوي وثقل جسمه التي تظهر لك بوضوح حالة البذخ والربربة والخدود المتوردة والعيون اللامعة الجريئة , وانتهاءا بخطاب البوطي الذي دعا الى وأد الفتنة والاحتكام الى العقل ومنع اراقة الدم المسلم , الى خطابات القرضاوي مدفوعة الثمن والتي تحث على الفتنة والاقتتال وان جهاد الاعداء فرض عين على كل مسلم فيما هو يجاهد مع الحور العين في الجزائر وينتهك الثوابت الشرعية ويتناسى اساسيات الدين في حفظ الامن والانفس , من يقارن بين هذين الشيخين الثمانينين , يجد صحة انجاز التربية الوطنية في سوريا , بغض النظر عما اذا كانت شعارات أو دعوات صادقة لتعليم الوطنية .

السوري مدني بالطبع , أو هكذا فرضت عليه ضرورات التاريخ والجغرافيا , لذلك فان سقوطه مؤلم , وخسارته خسارة للكادر البشري العربي المتقدم , وبزوال هذا النموذج العربي لم يبق من النماذج في المنطقة الا نموذجان . أعرابي لايُشم منه الا رائحة النفط والسوائل المتغولة من الأعلى ومن الاسفل , أو نموذج اسلامي غنوصي منغلق لا يرى في الحياة شيئا جميلا .

 لذلك فان من استمع بالامس الى حديث الرئيس بشار الاسد ادرك حجم العقلية السورية في التعامل مع الاحداث وفي تفسيرها , وكانت كل فقرة في الخطاب مدروسة ومنتقاة بعناية , وتجيب بذكاء عن تساؤلات كثيرة , الامر الذي فوت على وسائل الاعلام العربية المكلوبة فرصة تسفيه الخطاب والطعن فيه او اللعب على متناقضاته , وهي حقيقة يجب ان تقال بغض النظر عن موقفنا من التوجه السياسي السوري . ومن استمع للخطاب رأى حجم التناسق والتساوق بين الرئيس والشعب من ناحية النظر للأحداث .

الشعب السوري من الذكاء بحيث لم تُغب عن ذهنه ملاحظتين اساسيتين . الاولى هو تواجد مليونين من العراقيين المهاجرين في سوريا والذين شملتهم نعمة الديمقراطية والتغيير في العراق واسقاط النظام فيه فوجدوا انفسهم في بقعة بلا دولة بلا قانون بلا رجال بلا حماية بلا رحمة بلا ماء بلا كهرباء , وهؤلاء شملهم التراحم العربي والاستيعاب القومي في سوريا الذي يحاول الجميع تسفيهه والحد من شأنه واعتباره حالة مصلحة سياسية للنظام . ومع سماع عامة السوريين لفصص العراقيين المتنعمين بالديمقراطية والقتل , يتأكد للسوري , أن ما يأتي به التغيير من رجالات وشخوص إنما هو عبارة عن مرتزقة , اضافة لصفة الارتزاق فيهم فهم من الهشاشة والبلادة بحيث تنسج القوى الكبرى من غبائهم مشاريع ذكية جدا تديم حالة المعاناة والالم والفقر والتشرد . وهذه القصص لم يختلقها النظام السياسي , وانما جاءت كمرويات شعبية يسمعها الشعب من اصحاب الشأن , فيرون في الرئيس الحالي وان كان ديكتاتورا او شموليا  أو أو  , الا أنه افضل من القتل والدمار والاستباحة وهتك الاعراض , وافضل من ان تبيع موارد الدولة ثم تسأل عن الثمن فتجده قد ذهب في جيب بريمر (الحاكم المدني في العراق ) .

الامر الثاني : أن السوري قد اعتاد على نمط معيشي اجتماعي معين وتقولب عليه , وهو المعروف بترتيب الاوضاع حسب الامكانيات , شرط ان يتوفر جو من الامن والحماية الفردية لهذا النمط . ويتصرف في جو الحرية الاجتماعي وليس السياسي (لان الحرية السياسية متهمة الان في سوريا ) بما يؤكد انه سليل ثقافات تتقبل النظم الحديثة وتنطلق سريعا نحو الابداع , وهو ما وصم الانتاج الادبي والفني السوري وسوقه في العالم العربي وفاق به كل الانتاج الاخر , انتاج غير سطحي مكرس ومؤسس له ,وينطلق من واقعية حياتية , وهذا ما دفع اسرائيل الى تشجيع الانتاج التركي في السوق الترفيهية العربية , واخذت القنوات النفطية تغرقنا بنموذج تركي سخيف منبت يصطنع الحداثة التركية والاتكيت التركي على مستوى الشكل فقط دون المضمون , كذلك تهدف الى خلق حالة اغتراب دائم في الوعي الشعبي العربي , وكانت بعض الاصوات تخرج همسا من محاربة السوق الخليجية للاعمال السورية , كما كان هناك حضرا على الاكاديميين السوريين من ارتياد المنابر الثقافة العربية . الا من كان منهم مرتزقا او اجيرا يعمل ضد بلاده .

بهذه النقطة  تكون سوريا آخر القلاع العربية التي لازالت تتبنى الموقف القومي (حتى ولو كانت على مستوى الشعارات كما يدعي البعض ) الا ان حالة التقين بهذه الشعارات قد وجدت في النفوس هوى , او تعلقت بالفكرة بطول الادمان  . وهو مكسب وطني وقومي . نفتخر به .

على مدى العقود الاربعة التي حكم فيها حزب البعث في سوريا وفي العراق ايضا , شهد البلدان قفزة نوعية في الصناعة والزراعة وفي التنمية بشكل عام , والشكل العام لسوريا اليوم يقول هذا رغم كل الافك والدجل الذي يمارسه المرتزقة الحاقدين على التجربة , ومع مسيرة التنمية بامكانات متواضعة واستضافة الاخوة الفلسطينيين النازحين من مدنهم وقراهم , وممارسة التكافل القومي الذي يبدو واضحا في سوريا حيث تستضيف سوريا كل الاشقاء العرب طلاب وثوار ولاجئين , وتسهل لهم اجراءات الاقامة والعمل والانخراط في الحياة الاجتماعية أسوة بالسوري ابن البلد ,

هذا النمط العربي الحاضن هو من يتعرض للإغتيال اليوم تحت مسمى الحرية والديمقراطية , وهذا النموذج الادبي والفني والحياتي هو المستهدف لكسر الشوكة العربية الضعيفة المتولدة في هذا البلد .

كانت هناك دول ثلاث في المنطقة حملت لواء النهضة العربية في بواكيرها , ونمطت الاحداث السياسية والمتغيرات بنمط عربي وطني , هي مصر والعراق وسوريا , كما كان هناك ثلاث جيوش كافية لاحداث التوازن في المنطقة هي جيوش هذه البلدان , وبعد احتلال العراق واسقاط شكل الدولة والمجتمع والمدنية فيه . وتبعها تحييد مصر وجرها الى لعبة سياسية اسمها وثيقة السلام تحوي عل الالاف التواقيع والاختام ولكنها لاتحوي على فعل واحد ملموس , واخيرا اسقاطها بثورة شعبية اعترضت على الفقر والفساد , لتجد نفسها  تعترض بعد الثورة على كيفية اسقاط الامن  والاقتصاد , ولم يبق الا سوريا , التي اضيفت اليها اعباء الحمل كله واعباء الدول الرجعية التي اصبحت الحارس الامين على المصالح الغربية ي المنطقة .

إن من المحزن ان تسقط سوريا الارض والذاكرة والحمولة التاريخية الحضارية و وهذا هو اسوأ ما في الازمة . لان باقي الدول التي تحرض على سوريا في المنطقة ليس لها ذاكرة وليس لها ما تخسره من ارث ثقافي . لان ما هو موجود الان من ناطحات سحاب وكتل خراسانية في تلك البقاع كانت قبل اربعين سنة لا أكثر عبارة عن خيمة وبضع نعاج تسرح , وليس من المؤسف ان ترجع تلك الخيمة , ولا يشكل هذا الرجوع من فارق لتلك الدول التي ليس لها ذاكرة , لهذا لاتدرك هذه الشراذم البشرية قيمة مدينة مثل دمشق عمرها اربعة الاف سنة أو اكثر , يمكن ان تدوسها بساطير الجنود الغربية الحاقدة على كل ما هو شرقي , كما حطمت الدبابات الامريكية هياكل مدينة بابل الاثرية ,ثأرا من نبوخذ نصر , ومن المفارقات العجيبة أن المعارضة في الخارج والتي وجدت لها من يستضيفها ويروج لمقالاتها تشترك مع المحتل في نفس الشعور وهو أنه لا انتماء لها وليس لديها ما تخسره , فهو كالقط لايحصل على الاكل الدسم الا عندما يموت صاحب الدار وتقام الولائم .

مرة أخرى ليس دفاعا عن الرئيس بشار الاسد ولا عن البعث , ولكن دفاعا عن نمط حضاري ناضج بات يتبلور في سوريا و لاتستطيع البدائل السياسية ايجادها او تفعيله من جديد ,كما ان المعارضة الاسلامية القادمة للسلطة لاتجيد هذا النوع من البناء ولاتعرفه , وسوف تكون مشغولة دائما بالحفاظ على رؤسها ومناصبها ومن هنا يجري ابتزازها على الدوام وايفاء ثمن هذا الابتزاز من دماء الضحايا الابرياء .

إن الديكتاتورية في العراق كما يقولون عنها لم تقتل أكثر من ثلاثة الاف شخص , لكن الحرية والديمقراطية التي جلبتها امريكا قتلت مليون شخص ورملت 300 الف امرأة ويتمت مثل هذا العدد من الاطفال وخلفت من المعاقين اعدادا هائلة , كما وسرقت ما يعادل 70 مليار دولار  , لايعرف مجلس النواب مصير 40 مليار منها .

وللتاريخ نقول فان سوريا آخر ما تبقى من الغيرة والنخوة العربية ,وان هذا العمق السوقي للامة العربية يجب أن يثبت ولو كان يحكمه الشيطان , وعزاؤنا في اهلنا في سوريا أن الشعب هناك على قدر المسؤولية والوعي  .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز