نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
هالنيروز...ما أحلاه

كان لي فيما سلف من الزمان صديق لديه طفل جميل جداً سماه نيروز، وكنت دائماً أقول له ما أحلاه هالنيروز. غاب صديقي وغبت عنه زمناً طويلاً ولم أعد أعرف عنه شيئاً، لكن بالأمس رأيت نيروز مرة أخرى على شاشة التلفاز، وكم أتمنى فعلاً أن أراه على الدوام، وألا ينقطع عني كما انقطع، وغاب عن ناظري أبوه، في يوم من الأيام. كم كان المشهد مهيباً ورائعاً، وكم كانت الوجوه رائعة طافحة بالطفولة، بالبسمة والجمال والبراءة الفطرية السورية العذبة؟ وكم كان ذاك الجمع الوطني حافلاً يجسد وحدة النسيج والجسد السوري الجميل؟ وكم كانت الأغاني عذبة وشجية والألحان سحرية عفوية تدخل القلب بما تحمل من سحر، وأداء حركي دلالي بالغ وذو مغاز دفينة تحكي عن عشق الأرض، وعبادة التراب، وحب الحياة وارتباط الإنسان الأزلي بالوجود.

 إنه النيروز الذي صدح عالياً في كل أرض يعطرّها، ويتواجد فيها هذا الطيف الوطني الجميل، الرائع. وكم طربت بتلك اللوحة الوطنية أطياف كثيرة، حين كان يبث فرح النيروز وما تفعله أهازيجه من سحر في الجسد والروح. إنه النيروز تجدد الروح ونجدد الحياة وتجدد الأمل بمستقبل أكثر جمال وإشراق، بالمعنى والعمق والرمز الأسطوري القديم، ويبدو أن هذا هو حاله مع هذه الدلالات البالغة والعميقة لنيروز سوريا هذا العام. وبالرغم من "توجسي" التاريخي من الإعلام المنغلق والمتخشب العصابي الغارق في عقد نقصه الإيديولوجية المريرة، فإنه لا يمكن إلا أن نرفع القبعة، لكل من ساهم وعمل ودفع باحتفالات النيروز إلى الشاشات الوطنية، كي يرى الجميع وعلى الملأ وبفرح وسرور وطني غامر ما هو النيروز، وما معنى النيروز، وما هي جمالياته، وأن ليس ثمة ما يخيف منه، وأن يتفاعل معه بذات القدر الذي نتفاعل فيه مع كل مناسبة وطنية وألا يكون هناك أي استثناء أو "فيتو" على لون وقلب وعرق ينبض بالبهجة والفرح والحب تحت "قبة" هذا الوطن، ناهيك عن أن العولمة الإعلامية لم تترك شيئاً "مخفياً أو مخبئ"، وما الإخفاء والتعتيم إلا نوع من العبث الأحمق الذي لا طائل منه، بل يجب الفخر والاحتفال بهذا العيد الوطني الجميل ليكون عطلة رسمية، ويتبادل فيه الجميع القبل والتهاني و"الحلوى" كما يتم الاحتفال بأية مناسبة اجتماعية ودينية ووطنية أخرى.

 وما دام الشيء بالشيء يذكر، لماذا يغيّب النيروز الذي يرتبط بالفرح، والرقص، والموسيقى التي تحرك القلب والعاطفة والوجدان، فيما يسلط الضوء أحياناً وبكثير من الفجاجة، و"السماجة" والإقحام الممل، والتصنع المميت، على مناسبات، واحتفاليات ومهرجانات، قد لا تجلب في محصلتها إلا التكشيرة، والعبوس، والعياذ بالله، ولا تبعث في النفس إلا مشاعر الخوف، والاشمئزاز. ناهيكم عن أن هذا النيروز يعكس التنوع والثراء الحضاري والإثني والعرقي والثقافة الذي يضمه التراب السوري، وضمه عبر التاريخ، ولا يجب أن يحتكره أحد.

 وكم كنت أشعر بمشاعر الأسى والحزن مشفوعة بسيل ضار من الهذيان، وأقفل جهاز التلفاز حين كنت أتابع "مناسبة" أو احتفال من "إياهم" بما تحمل من وجع واستفزاز عقلي وقلبي وإيديولوجي وتبعث على النفور، غير أنني بالأمس تسمرت كالصخر، وربما لأول مرة، كي أتابع تلك الاحتفالات والفعاليات والرقصات المعبرة الجميلة، وأين؟ من على شاشة تلفاز وطني، وعلى العكس لقد كانت كفاكهة لذيذة بعد غذاء ثقيل، وتبدو وكأنها رشفة من عسل وكسرة من حلاوة تضاف إلى طعم إعلامي فيه من "المرارة" والحنظل الشيء الكثير . إنها لعمري نقلة نوعية تعكس أملاً وعهداً جديداً زاهراً ومشرقاً قادم إلينا في الطريق، يقطع مع كل خطايا، وأخطاء، وربما آثام الماضي الأليم، وما علينا سوى الترقب والانتظار.

 لا شك إن لنيروز سوريا هذا العام سمة وطابعاً خاصاً، ونكهة ذات مذاق وطني سوري خاص وعريق، مطعـّم بنكهة الحب والتسامح ورؤية جديدة، جدية، وجيدة وواعدة في التعاطي مع هذا الشريان الوطني الرائع الذي يمد الجسد السوري بدم الثقافات الراسخة التي خرجت من بطن هذه الأرض الطهور، وتجددت وترسخت مع التاريخ والأيام لتحكي لنا عن روعة سوريا وغناها الأسطوري الحافل بالتسامح والعطاء والتعايش والإبداع الخلاق ورفد البشرية بما هو ساحر وطيب وجميل على مر التاريخ. فهذه هي سوريا التي نصبو إليها، سوريا المثل في التعايش والتفاعل الخلاق والاحترام المتبادل بين الجميع، وإشاعة مناخات تكافؤ الفرص، وإطلاق رصاصة الرحمة على ثقافة الاحتكار والإقصاء. فمرحباً بك يا نيروز مناسبة وطنية، أخرى، جميلة ورائعة، من مجمل مناسبات الوطن السوري الجميل المتنوع، لتنضم إلى الأبد إلى كوكبة التنوع والأعياد والأفراح والثراء الثقافي الذي يصبغ وجه هذا الوطن الجميل المعطاء، وأن تكون بيننا في كل عام، كما كنت هذا العام، وكما هي "نيروزات" جميع المكونات والأطياف. فعلاً "هالنيروز" ما أحلاه"

 وكل نيروز وأنتم بألف خير







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز