حمدي السعيد سالم
h.s.saliem@gmail.com
Blog Contributor since:
04 September 2010

كاتب عربي من مصر
صحفى بجريدة الخبر العربية

 More articles 


Arab Times Blogs
ليست مشكلتنا من يحكم مصر؟ .. ولكن كيف تحكم مصر ؟

تغيرت مصر مع إنطلاق الشرارة الأولى لثورة 25 يناير..... وأصبح الشعب المصرى على مشارف مرحلة جديدة بآحلام وآمال جديدة يتطلع بها إلى مستقبل أفضل. إرادة الشعوب تصنع المعجزات ، فلم يكن يتصور أحد قبل هذه الثورة أن يتحقق لنا ما نعيشه الآن ، وقد بدأنا بالفعل نجنى ثمار الثورة حين خرجت جموع الشعب ليدلوا بأصواتهم فى أول عرس للديمقراطية ” إستفتاء 19 مارس ” بكامل حريتهم فى مناخ إرتاحت إليه القلوب، وآيا كانت نتيجة الإستفتاء بنعم أو لا ، يبقى علينا بعد ذلك الا أن نبنى مصر من جديد.... أعلم أن أى دولة أو حكومة تضع لنفسها منهجاً وخطوطاً عريضة وسياسات عامة ، يسير عليها المسئولين فى ظل مساحة مناسبة من الحرية وتبادل الرأى ، تظهر فيها مواهب وقدرات المسئولين طالما أنها تصب فى صالح الوطن. وبالطبع طالما أننا دولة مؤسسات لا ينبغى لنا أن نقف أو نرجع إلى الوراء بسبب غياب شخص أوحتى سقوط نظام بأكمله ، ولكن علينا أن نضع من الآن لحياتنا ومستقبل مصر خطوطاً عريضة ، وسياسات عامة وواضحة ومدروسة فى ظل توافق تام من كل طوائف المجتمع، لنمضى عليها ويسير وفقاً لها أى حاكم ، ليكون أمامنا طريق وهدف واحد نسعى إلى تحقيقه أياً كان رئيس مصر القادم .... والى كل من يلعب بنار الدين ويلعب على عاطفة وفطرة البسطاء ... اننى لا ارفض الدين ... فالمسألة ليست مسألة دين ... بل هى مسألة سياسة بحتة ... او بمعنى أخر : هى طرح لقضية سياسية شديدة التخلف والغموض من خلال منطق دينى شديد القبول والوضوح ...

 والى من ينادى بتطبيق الشريعة اقول له : هل التطبيق الفورى للشريعة بالسودان تبعه صلاح المجتمع السودانى على الفور ... فمثلا فى عصر الفتنة الكبرى ... فرغم وجود الحاكم المسلم الصالح (عثمان رضى الله عنه ) والرعية الصالحة صحابة رسول الله واهله وعشيرته قريبى العهد بالرسالة ... والشريعة التى كانت بالتأكيد مطبقة ... بالرغم من وجود اضلاع المثلث التشريعى الثلاثة حدثت فتنة كبرى مازالت اثارها حتى الآن ... فالعدل لم يتحقق ولم يسود الأمن والأمان ... اذا فالعدل لايتحقق بصلاح الحاكم ولايسود بتقوى الرعية ولايتأتى بتطبيق الشريعة الاسلامية ... انما يتحقق بوجود مايمكن ان نسميه (نظام الحكم) او قواعد تنظيم المجتمع على اسس لاتتناقض مع جوهر الدين فى شىء ولاتصطدم مع معطيات العصر فى اطارها العام ... لذلك أتطلع لأن يقوم المجلس الأعلى للقوات المسلحة من الآن بتشكيل هيئة كاملة من القوى الوطنية والخبراء والباحثين فى شتى مجالات الحياة ( ثقافية ، سياسية ، إقتصادية ، تعليمية ، إستثمارية ,,, إلخ )، من أجل إعتماد منهج واضح ومحدد (نظام حكم ) وآلية قابلة للتنفيذ ومتفق عليها، تشمل كافة المجالات فى مصر بحيث يأتى من يأتى ليقود البلاد ويمضى فى طريقه نحو تنفيذ هذا المنهج... إن رئيس الجمهورية في كل دول العالم إما أن تكون لديه صلاحيات واسعة ويتم تقييده بمدة محددة في الحكم في النظم الرئاسية كما في الولايات المتحدة الأمريكية حيث لاتزيد المدة عن 8 سنوات متصلة, أو يتم إطلاق مدة الحكم مع منحه صلاحيات بروتوكولية شرفية في النظم البرلمانية كما في اسرائيل, ولكن المشكلة لدينا في مصر أن رئيس الجمهورية لديه صلاحيات واسعة في الدستور والقانون ولمدد غير محددة ودون مساءلة....

وفي رايي أن المشكلة التي تواجه النظام السياسي في مصر ليست من يحكم مصر ؟ ولكن المشكلة هي كيف تحكم مصر ؟ فلو حدث تحول ديمقراطي بضمان الانتخابات الحرة واطلاق حرية الرأي والتعبير وحرية التنظيمات السياسية وغيرها.. وحتى لو تولى الرئاسة رئيس منتخب ديمقراطيا في انتخابات شفافة ونزيهة فسوف يتحول إلى فرعون جديد أو رئيس ديكتاتور مرة أخرى.. لأن السلطات والصلاحيات التي يختص بها الرئيس طبقا للدستور هي صلاحيات واسعة ومطلقة بدون حدود..... لذلك أخشى أن يتناسى المتحاورن في غمار هذه الأحداث أن المشكلة الحقيقية هي صلاحيات الرئيس التي تعوق عملية الاصلاح السياسى برمتها ...

 إن آمال المصريون فى التغيير لا يمكن أن تتحقق ، إذا لم يكن هناك خروج عن المآلوف، ومحولسياسات قديمة أثبتت فشلها ، وتبنى أسس تنموية جديدة لها أهدافها وإستراتيجياتها الواضحة ، لنخرج جميعاً من أزمتنا ، ويتحمل كل منا مسئوليته فى هذه الظروف العصيبة ونتمكن من قيادة سفينة المجتمع إلى بر الأمان، ونتطلع إلى مستقبل مشرق... فبعد أكثر من 59 عاما علي ثورة يوليو 1952م ليس لدينا مؤسسات محددة السلطات بينها تناغم أو استقلال .. والمشكلة التي يعاني منها النظام السياسي في مصر ليس الصلاحيات الواسعة التي يمنحها الدستور لرئيس الجمهورية والتي نعترض عليها بما يجعله مهيمنا علي كافة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.. وإنما تكمن مشكلتنا في مصر أن المؤسسات تحولت إلي كيانات تابعة للفرد.. بغض النظر عمن يشغل منصب رئيس الجمهورية.. حيث تكررت هذه الهيمنة في ظل وجود الرئيس عبد الناصر كزعيم لثورة يوليو 1952م وكذلك في عهد الرئيس السادات الذي كان نائبا له وعضوا بمجلس قيادة الثورة ثم رئيسا لمجلس الأمة ثم رئيسا للجمهورية بعد وفاة عبد الناصر .. وانتقلت الهيمنة نفسها بل أشد وطأة في ظل حكم مبارك.. والذي كانت كل أمور الدولة تسير في عهده طبقا لتوجيهات الرئيس.. ووصل الأمر أن قرار علاج أحد القضاة علي نفقة الدولة لم يجرؤ وزير العدل علي توقيعه حتي تدخل رئيس الجمهورية .. وانهيار منزل ووفاة سكانه لا يتم تعويضهم بسكن بديل دون الرجوع إلي رئيس الجمهورية..

 والمشكلة الأخطر في النظام السياسي المصري ليست كل السلطات الممنوحة للرئيس في الدستور فقط , وإنما هذه الهيمنة للأسف الشديد تجد ثقافة سياسية مجتمعية متخلفة لا تقاوم هذا النمط من الحكم.. بل وتتعامل معه كأنه أمر طبيعي لا يحتاج إلي تغيير.. وحينما تشتد المعارضة للنظام الحاكم لا تعدو أن تكون صرخات ضد شخص الرئيس أو اسرته أو أحد معاونيه أو وزراءه.. ولا تصل المعارضة إلي إعادة تحديد فلسفة الحكم أو وضع أسس للمساءلة السياسية لمن يحكم.. فالرئيس هو المهيمن علي كل شئ .. يفعل ما يشاء.. ويمنح ما يشاء.... ويمنع ما يشاء.. دون الرجوع لاستشارة أحد... أو استنارة من أحد.... أو الالتزام بأي قيد دستوري أو قانوني.. وتسير في فلك الرئيس كل مؤسسات الدولة الأخري.. فالقضاء الاستثنائي والعسكري بأوامر منه..... ويجد للأسف من يبرر ذلك من القضاة أنفسهم وفي نصوص أحكام المحاكم الإدارية ومحاكم أمن الدولة وغيرها.. ..التى دائما ما تحكم بما يرضي الرئيس.. إن مؤسسة الرئاسة في مصر كيان لا ينطبق عليه وصف المؤسسة التي تعلو علي توجهات الأفراد كما هو الحال في مؤسسة الرئاسة الأمريكية حيث يتمتع الرئيس الأمريكي بصلاحيات واسعة ولكنه غير مهيمن علي المؤسسة الرئاسية ولا السلطات التشريعية والقضائية .. وأن ما لدينا من مؤسسات لا يعدو أن يكون أجهزة تنفذ تعليمات الرئيس ..

 فمثلا عصام الحضري حارس المريخ السودانى حاليا - والاهلى والاسماعيلى والزمالك سابقا - و أسد إفريقيا وأهم حارس مرمي في تاريخ الكرة المصرية حتي الآن، كان يأتيه تليفون من الرئاسة ... يستدعيه علي الفور للقصر، يترك عصام التدريب والاستعداد للبطولات، ويتوجه مباشرة إلي القصر الجمهوري، ليجد أن المهمة التي سيقوم بها أن يقف حارس مرمي للحفيد محمد علاء مبارك... الذى يقوم بالاتصال بالحضرى هى مؤسسة الرئاسة الذى يجب ان تعلو على توجهات الافراد مهما كانوا .. وأصبحت كل كلمات الرئيس الشفهية أوامر تنفذ حتي دون قرار مكتوب.. وبكلمة واحدة تتغير السياسات التي توضع.. وتعدل الموازنة العامة للدولة.. ويعدل الدستور ونظام الانتخاب وكل شيء بإشارة من إصبعه دون أدني تعقيب من أية سلطة وفق إرادة منفردة… إن صلاحيات الرئيس الواسعة التي نراها نافذه في الواقع ليست كلها مستمدة من الدستور بل من العرف السائد علي مدي ما يزيد علي 59 عاما بعد ثورة يوليو 1952م.. فإذا أعترض أحد في عهد الرئيس السادات علي ترشيح د. رفعت المحجوب رئيسا لمجلس الشعب بحجة أنه غير منتخب من دائرة انتخابية.... وأنه أحد العشرة المعينين بقرار من رئيس الجمهورية.. يرد عليه السادات بقوله (ما أنتم كلكم معينون).. وكذلك فعل مبارك عندما عين د. ميلاد حنا رئيسا للجنة الإسكان بمجلس الشعب وغيره كذلك تم تعيينهم رؤساء للجان أخرى بالمجلس وكانوا معينيين بقرار من رئيس الجمهورية وليسوا منتخبين من دوائر انتخابية.. كان رد مبارك أيضا (كلكم معينون).. وطبقا لتوجيهات الرئيس بل وأحلامه يتم تنفيذ الأوامر حيث تتولي كل اجهزة الدولة ذلك دون تفكير أو مناقشة ولا أقول معارضة.. ويسير في ركب مؤسسات الدولة – إذا وجدت أصلا – الإعلام بكل تنويعاته.. بل والأدهي أن المعارضة السياسية أو الحزبية ليست بديلا للنظام أو لسياساته ورجاله بل هي تقليد زائف لكل منها...

والمتعارف عليه في النظم السياسية في العالم كله أن توازن السلطات أو توازن القوة بينها هام جدا لمنع تغول السلطة التنفيذية عليها وضمان استمرار التعاون بينها لتأكيد استقرار الحكم وعدم شيوع المسؤولية أو عدم تحديدها.. كما أن مفهوم الرئيس المسئول بالمعني المؤسسي غير موجود في الدستور المصري حيث إن الرئيس – مهما كان شخصه ـ لا يكتفي بصلاحياته الواسعة الممنوحة له في الدستور.. وإنما يلجأ لطرق خلفية لتأكيد الهيمنة.. وللأسف لم يعد لدينا مفهوم الشعب أو الأحزاب السياسية ذات التوجهات المتباينة أو المعارضة.. بل لدينا مفهوم الرعية بالمعني الأخلاقي وليس بالمعني الدستوري.. أي مفهوم الرعية بالمعني التوجيهي وليس بالمعني المؤسسي..ويرجع كل ذلك إلي عدم وجود فرز اجتماعي أو نخبوي في بلادنا وعدم إرساء تقاليد من شأنها الموازنة بين السلطات.... وسبب ذلك كله وجود عوامل لدينا في الثقافة السياسية للمصريين فلم يعد لدينا من مقاومة لكل ذلك التسلط وتلك الهيمنة غير حركات الاحتجاج الاجتماعي الجديدة... إننا لسنا أمام رئيس جمهورية وإنما أمام ملك فرعون يحظي بقداسة لشخصه ولقراراته بل وهمساته دون أية بادرة للمساءلة أو حتي الاعتراض من أية جهة…اننا نريد رئيسا لنا وليس علينا ... رئيسا لايتسلط علينا ولايهيمن على احلامنا فيسرقها لنفسه ... لاننا إذا إحتكمنا إلى التاريخ تجده يذكرنا دائماً بأنه حين تغيب روح الوحدة والتوافق والعمل الجماعى والهدف المشترك وتمضى المجتمعات بعشوائية دون آليات وبرامج ، تتعرض بعد ذلك لمخاطر قد لا يحمد عقباها







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز