نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
ما أقواها صرخة الجياع؟

لا تلم الكافر في هذا الزمن الكافر، فالجوع أبو الكفار. مظفر النواب وربما، أو يجب تحويرها لتصبح فالجوع أبو الثوار. لله درك يا مظفر النواب في هذه الدرر التي قيلت من زمن طويل، ولكن لحسن الحظ أن أحداً لم يفهمها ولم يقرأها، وإن قرأها لم يع ما قيمتها وما مغزاها، وما هو مفعولها، على ترسانات القهر، والنهب، والتجويع والإفقار والإذلال الممنهج. فمع هذه الحال أصبح الجوع أيضاً أبو الثوار.

 أمعنت أنظمة القهر والتجويع في سلب الشعوب، وإفقار الناس وعلى مبدأ أن الجائع لا يفكر ولا يتكلم وستنعدم لديه القدرة على الحركة، وتتعطل آليات التفكير وإيجاد سبل الخلاص، وأن لا قيمة للفقير والمهمش والمحروم والبائس، لكن، وعلى العكس من كل هذه التصورات الخاطئة، فالطاقة الروحية الهائلة، وطبقاً لقوانين الفيزياء الاجتماعية والسياسية، وسايكولوجية الشعوب التي لا يعيها وزراء الإعدام (الخطأ مقصود)، والمالية والاقتصاد، التي تتولد عن أي تراكم كمي، سيكون لها القدرة على جرف أعتى الجدران الفولاذية وأصلبها. فقوة البخار الناجم عن الغليان والتي اكتشفها الاسكتلندي جيمس واط (1736 – 1819م)، كان بإمكانها تحريك القاطرات الفولاذية ودفعها بسرعة، الأمر الذي غير وجه التاريخ. من كان يفكر أن لهذا البخار "الهواء" المتطاير كل تلك القدرة على تحريك الحديد والفولاذ؟ ومن كان يحسب حساباً لـهذا "البخار" الاجتماعي الذي كان يتطاير ويتجمع على مدى عقود من الزمان ليحدث هذا الطوفان والبركان؟ فلقد كانت تتجمع وعبر عقود طويلة من الاستبداد وسياسات التجويع والإفقار التي قادها وزراء المالية والاقتصاد، ما غيرهم، أعمدة وأركان النظام العربي الرسمي الذي يتداعي اليوم أمام ناظريكم كبيوت من قش وورق، وكل هذه الطاقات وكوامن الغضب التي جرفت في طريقها كتسونامي سياسي هادر، ثلاثة من أعتى وأشقى طغاة العرب وأنظمتهم البوليسية الفاشية حتى الآن التي لم تستطيع آلاتهم القمعية من الصمود أمام صرخات الفقراء والمحرومين والجياع..

 لقد وصلت شعوب المنطقة إلى حافة اليأس ومشارف الموت والهلاك وجدران الانسداد، ولم تعد تملك شيئاً لتخسره، سوى أعمارها التي بدا أنها لا تستحق بأن تعاش، وبعد أن خسرت كل شيء آمالها، وأحلامها، وكرامتها، ولقمة عيشها، في ظل فراغ قانوني قاتل، وسكون حدائي ممل، وانهيار قيمي وأخلاقي شنيع، وحتى الحياة نفسها صارت "توهب" من قبل جلالتهم، ودخلت في حسابهم، وأستغفر الله، واحتكرتها لوحدها أنظمة الدمار الشامل وصارت تهب الرزق والحياة لمن تشاء بغير حساب، ، ولم تعد تلك الجموع الهائلة المهمشة تجد أي قيمة أو معنى أو حس بأهمية هذه الحياة أو شيئا كي تعيش من أجله، فخرجت، من "قبورها الجماعية"، وأحزمة بؤسها، ومن على عربات خضارها، وعلى الطريقة البوعزيزية لتحرق نفسها على الملأ، أو تموت في الشوارع برصاص الزعيم الجماهيري المحبوب جداً من شعبه كما أشاع، ويشيعون، وأستغفر الله، لي ولكم، ولهم على أية حال. والحقيقة تقول من لا يملك شيئاً لا يخاف على أي شيء.

 وفي إحدى حلقات الاتجاه المعاكس التي جمعتني مع أحد رعاديد ومرتزقة النظام الرسمي العربي، شبه الدائمين، وصنيعة الأمن القذافي، الذي يهدر ويرغي ويزبد هذه الأيام، والذي ضلل زعيمه، و"أوداه" في ستين داهية، كما ضلل الشباب العربي، وحاول تضليله في تلك الحلقة التاريخية عبر بيعهم الوهم والكذب والدجل والسعار، فانفجروا في وجه طاغيتهم على هذا النحو الذي يتابعه أخونا الفاضل، قلت له وبالحرف الواحد المسجل مرئياً وصوتياً: " أعطوا هذا الشاب العربي راتباً خمسمائة دولار، وزوجوه، وامنحوه بيتاً، وأنا أتكفل لكم بأنهم لن يستشهد ولن يقرأ لكم حتى الفاتحة". وطبعاً وبعد تلك الأقوال خرج النظام الرسمي العربي عبر أبواقه ومرتزقته الإعلاميين لتكفيرنا وتخويننا ووضعنا على القوائم السوداء، وكل الشكر لهم على أية حال.

والآن وبعد خراب مالطا جاء نفس هذا الزعيم الجماهيري "المحبوب" وزبانيته ممن كفرونا، لينفذوا النصيحة، ويرشي شبابه الثائر بخمسمائة دينار، وليس دولار، وللصدق والأمانة، والتاريخ، ويحاول التزلف لهم وإسكاتهم والتودد لهم وطلب صمتهم. لقد تبين ومن خلال كل ثورات التاريخ أن "الطاقة الروحية" الهائلة التي تحرك الجماهير، والتي يستجمعها الفقر والقهر والجوع والعبودية والظلم كانت أقوى من كل الترسانات التي تشاد لحماية ذات اللصوص، والقتلة، ومجوعي الشعوب. وقد كان الجوع والفقر إحدى محركات التاريخ الكبرى، بل ربما محركاته الأوحد. ولكي يخاف الإنسان ويصبح "داجناً وديعاً مطيعاً" دعه يملك شيئاً يخاف عليه. وقديماً قالوا "اطعم الفم تستح العين"، فلا يعقل أن يسلب من الإنسان كل شيء، حتى كرامته، ومن ثم يطلب من الصمت والسكوت والسكون. ولا أدري من هو صاحب هذه النظرية الحمقاء؟ وها هو الدليل أمامكم ثورات الجياع تعم الشارع منذرة بزوال النظام الرسمي العربي التقليدي كما عرفناه عبر دهر مرير وقاهر. فمن يجوع يستسهل الموت، فما بعد الجوع سوى الموت، وسيصرخ ولن يصمت، وما أقواها صرخة الجوع؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز