نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
قومنة الثورات

يحاول بعض كتبة السلاطين المأجورين إعطاء صفة "العربية" على هذه الثورات التي تجتاح الشارع في عموم المنطقة من أقصاه لأقصاه، ويطلق البعض عليها الثورة العربية الكبرى، وثورة العرب، والثوار العرب، وما شابه من ألقاب وألفاظ قد تبدو بعيدة فعلاً عن السبب الحقيقي لقيام هذه الثورات. فشعارات من مثل العرب والعروبة والقومية العربية غابت عن معظم هذه الشوارع/، لأنها تسبب حساسية خاصة لمكونات تشاركنا هذه الطبيعة التي لم يكن لها أصلاً، ومن الأساس، أية صفة قومية. ومن الجدير ذكره أيضاً أن هذا الشارع يحتوي قوميات وإثنيات وأعراق أخرى كثيرة، متضررة جميعها من الممارسات الاستبدادية والقمعية، وقامت وشاركت جنباً إلى جنب مع "العرب" إن صحت التسمية في إنجاح الثورات وإسقاط ثلاثة من الطغاة العرب حتى الآن.

 ولقد اندلعت الثورة التونسية مبكراً وكانت شرارة للثورات العارمة الأخرى من دون أن ترفع ولا يافطة قومية أو عروبية ولم تكون القومية دافعها بل الجوع وإفقار الفقرء وإثراء الأثرياء، فالعروبة هي الغائب الوحيد عن مسرح الثورات وليس كما يشيع بعض من هؤلاء المخمورين بفكر القومي ويتغنى ببطولات وأمجاد العرب لوحدهم من دون الإتيان على فضل ومساهمة القوميات والإثنيات والأعراق الأخرى الشاغلة لهذه الجغرافية الملتهبة، والتي تسمى بالوطن العربي، ومن الغبن هضم حقوقها الوطنية وإبعادها عن أي حراك وطني وثوري. ولو نظرنا للثورة المصرية مثلاً فنعلم مدى اعتزاز كثير من المصريين بأصولهم الفرعونية، وإعلان ذلك على الملأ من قبل البعض، وقطعهم مع كل التيارات القومية والعروبية التي لم تجلب للمنطقة سوى الهم والغم والقمع والفساد والاستبداد والضباط المستبدين الظلمة "الأحرار"، ناهيك عن وجود العنصر القبطي على خط الثورة المصرية، وهؤلاء من دون شك، وكما هو مثبت تاريخياً، هم سكان مصر الأصليين، ولم نسمع، أو نرى أية شعارات قومية عروبية رفعت في ميدان التحرير بل كان اسم مصر يعلو فوق كل اسم.

 وكذا الأمر بالنسبة للثورة الليبية مع علمنا اليقين بوجود قسم كبير من السكان والمواطنين الليبيين من القومية الأمازيغية، غير العربية، وممن تضرروا من تهريج العقيد، وسياساته القمعوية النهبوية الاستبدادية والعروبية القومية، وثاروا على فساده وتجويعه لشعبهم الحر الأبي، ومن غير الجائز رد ثورتهم للعرب، أو القول بأنها ثورة عربية خالصة، وللعرب، وقام بها عنصر عربي خالص، ما يشي بأن الآخر الوطني "غير ثوري" أو غير معني، وهذا انتقاص من عظمة هذه الثورة بشقها ووجها الإنساني، كما هو انتقاص من أعراق وقوميات أخرى تشارك "العرب" هذه الجغرافيا، وهذا الفضاء. وقد نصاب بالدهشة إذا علمنا أن من بين ثوار البحرين، المتضررين من السياسات القمعية والعنصرية التمييزية لملك البحرين، هم من أصول إيرانية، غير عربية، لكن لا يشك في ولائهم الوطني البحريني، ويريدون دولة مواطنة وحقوق ودستور بعيدة ‘ن أي شعار قومي عربي، لا مصلحة لهم به على الإطلاق، بل إن الإفلات منه، ومن الكابوس القومي الذي ارتبط بالفساد والاستبداد، قد يبدو إحدى دوافع هذه الثورات، لاسيما ونحن نعلم مدى حساسية وعدوانية السياسات التي تنتاب العلاقات البينية فيما بين ما يسمى بالدول العربية. ومن محطة أخرى من عـُمان، التي شملها إعصار البوعزيزي، لا بد من الإشارة لوجود العنصر والقومية "البلوشية"، غير العربية بالمطلق والتي لها مصلحة حقيقية في الخروج من نفق الاستبداد والديكتاتورية العروبية السلطانية "القابوسية". لا ننكر لا على العرب ولا على غيرهم الحق في الثورة والثورات والتظاهر، ولكن إضفاء صفة قومية بعينها، رغم الاعتراف بغلبة سكانها على الأرض، ما هو إلا إعطاء صفة غير وطنية لهذه الثورات، وهو إقصاء واحتكار واستبداد آخر لا يقل بشاعة عن إقصاء واحتكار أنظمة الاستبداد ذاتها التي تقوم الثورات اليوم لإزاحتها، والتخلص من جبروتها وطغيانها، ورجسها وآثامها الكثيرة التي أصابت الملايين بـ"عطل وضرر وعجز وشلل دائم" عن ممارسة أي نوع من الحياة الطبيعية، أو التمتع بما منحته الطبيعة لبني الإنسان.

 كما أن إبراز مكونات قومية، وإقصاء وازدراء مكونات أخرى، ليس من طبيعة ولا من شيم الثوار الأحرار الأبطال، و"دول الثورات" القادمة، المفترض أن تكون وطنية الهوي والهوية، كي لا تقع مجدداً في مطب الفرز والاستئثار والعصمة والتميز والاستبداد. ولكن مما يلاحظ أن "الشبابية" هي الهوية المميزة لهذه الثورات وليس عواجيز الإيديولوجيات والأحزاب المتكلسة الغبراء. فالشباب المتعولم المسلح بتكنولوجيا العصر وثورة المعلومات هم وقود، وأدوات ومحركات هذه الثورات، ممن راعهم الحال المزرية التي وصل إليها آباؤهم بفعل التجويع والإفقار والرثاثة والرداءة والبؤس الحصار وانسداد الآفاق، وأردوا، وبحسهم المرهف النبيل، أن يقطعوا الطريق لمصير أسود مما ينتظرهم في ظل هذه الأنظمة التجويعية الإفقارية كان قد وصله وعاشه ولاقاه آباؤهم في ظل أنظمة التجويع والإفقار التي ضحكت عليهم وباعتهم الوهم القومي والإيديولوجيات البالية غير الصالحة للحياة. هذه الثورات ما هي إلا ثورات وطنية تحررية إنسانية تنويرية الطابع شبابية الوقود والأدوات، ضد الفساد والقمع واحتكار الثروة والسلطة ويقبع فوق الجميع طاعون الاستبداد. وهذه القومنة وإعطاء ثورات الشوارع أية هوية "قومية" أو إيديولوجية ما هو إلا عودة مخزية ومحزنة لمربع الاستبداد الأول الذي بدأته "الثورات" القومية وعصر الإيديولوجيات الذي أفل وغاب، ولقد رأينا ما فعلت بنا "الثورات العربية







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز