نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
آخر أيام العقيد

من الواضح، تماماً، أن المعادلة الدولية في التعاطي مع التطورات التي يشهدها الشارع العربي، قد باتت اليوم إما الرحيل، أو تبني خيار المواجهة الأحمق وبالتالي التورط وارتكاب مجازر ضد الإنسانية، وهما أمران أحلاهما مر، لكن نتيجتهما واحدة، وهي الرحيل. وفيما اختار بن علي، ومبارك الرحيل الآمن، صمم الزعيم الجماهيري الملهم، بغبائه التاريخي المعروف، على الخيار الثاني، فقد اختار القذافي ارتكاب المجازر، وسفك الدماء، فكان المجتمع الدولي المتربص بمجرمي الحرب، له بالمرصاد، فقد صدر اليوم قرار مجلس الأمن الدولي 1973لعام 2011 الذي يقضي بفرض منطقة حظر للطيران فوق الأراضي الليبية، لمنع القذافي من قصف مواطنيه "الذين يحبونه جميعهم"، كما قال. وقد تبدأ خلال السويعات القليلة القادمة عمليات قصف تستهدف قوات ومراكز تجمع كتائب العقيد، التي لن يكون بمقدورها أبداً التصدي لقوات الأطلسي ولن يكون أمامها من خيار سوى الفرار من ميادين القتال.

 لقد بدا، من سياق التطورات في الأيام القليلة الماضية، أن المجتمع الدولي مصمم تماماً على التعامل بحزم وشدة مع نظام العقيد القذافي، وأن المهلة التي أعطيت للقذافي لم تكن للمزح أو غضاً للطرف، لكنها فسرت من قبله، وبكل أسف، على نحو خاطئ، وأعتقد أن في الأمر تراخ، وتساهل، فاستباح مدنه وشعبه وفتك بها وأوقع آلاف الضحايا والقتلى بين صفوفهم، لكن المجتمع الدولي، وعلى ما نعتقد، وتجربة بوش المريرة ماثلة أمامه، كان يحاول إسباغ أكبر قدر ممكن من الشرعية على تحركه، وإحداث ذاك الإجماع الدولي، كي لا يكون هناك أية عوائق في تنفيذ الإرادة الدولية، في إزاحة نظام القذافي، الذي لم يعد مقبولاً لا محلياً، ولا دولياً، ولاسيما بعد مجازره الأخيرة المروعة. ولا شك والقرار الدولي، ووفق الفصل السابع من الميثاق الأممي، بات أمراً واقعاً، فإن المعادلة انقلبت جذرياً، وعلى الأرض، وباتت المعطيات كلها متخلفة، وتميل لصالح الثوار المطالبين بالتغيير والتخلص من رجس الديكتاتورية المقيت، وما على القذافي، وهذه الحال، سوى لملمة أشيائه، واختيار "داهية يغور" فيها، ويريح فيها شعبه ويستريح، من مخاض أليم ومرير وتهريج استمر على مدى أربعين عاماً من الزمان.

وليس ببعيد ذلك اليوم الذي سترى فيه شعوب العالم العقيد الجماهيري وراء القضبان في الهايغ، في "مخفر" العزيز أوكامبو، وبعد أن يرفع الراية البيضاء ويستسلم كأي رعديد وجبان آخر من إياهم، وعلى الطريقة الصدامية المهينة، أو مسحولاً في شوارع ليبيا، وربما يتم العثور على أشلائه بين أنقاض مبنى مهدم بعد أن تم استهدافه بواسطة طائرة أطلسية إثر "وشاية" عن تواجده فيه. وقد لا يطول اليوم الذي ستعرض فيه الشاشات جثث سيف الإسلام، والساعدى، والخميس، وعلى طريقة عدي وقصي الشهيرة، أبناء الطاغية، الآخر، التكريتي. كلها سيناريوهات محتملة، وواردة، بعد القرار الدولي 1973، الذي وضع حداً ونهاية فعلية لحكم وبطر وهرطقات وتهريج العقيد القذافي، ولن تعود الأمور بحال، إلى سابق عهدها، بعد هذا القرار الأممي، المدعّم بالفصل السابع ما يعني مباشرة الأمم المتحدة القيام بضربات تستهدف قوات وأماكن وجود القذافي، الذي لن يتواجد، ولحسن حظنا جميعاً، أبداً بعد اليوم في خيمته الشهيرة، فتلك كانت للفذلكة والاستعراض الفارغ الذي عرف عن سيادة "العبيط".

 فعل القذافي كل ما في وسعه كي يكسب رضا المجتمع الدولي حين رأي مصير زميله السابق صدام حسين وهو يعلق على حبل المشانق ولكن كل هروبه العبثي للأمام لم ينقذه من هذا المصير الأسود المحتوم. وهو ما فتئ يركز على قضية البترول في موضوع الانتفاضة، والتلويح للمجتمع الدولي بخطر القاعدة وأهميته كخادم مطيع، على صعيد، وإغراء ورشوة مواطنيه بالنفط الذي نهبه على مدى أربعين عاماً، على صعيد آخر، وأنه اليوم، وبعد "خراب مالطا"، قرر أن يعيد هذه الثروة المنهوبة لأصحابها الشرعيين. ولكن السؤال الذي لا يريد أن يجيب عليه العقيد، هل كان البترول سبباً في انتفاضات تونس، واليمن، ومصر، وغيرها؟ أم أنه شيء آخر لا يريد أن يعترف به الزعيم الجماهيري "المحبوب"؟ من العار والمشين فعلاً، على نظام العقيد أن يتخذ المجتمع الدولي مبادرة وخطوة إنسانية لحماية الشعب الليبي من غدر وبطش ووحشية العقيد فيما العقيد وقواته "الوطنية" تفتك بالمدنيين والعزل وتقصفهم بالحمم القاتلة من السماء. ومن المؤسف فعلاً ألا تجد شعوب المنطقة من ينقذها من براثن أنظمتها الشرسة والمتوحشة سوى المجتمع الدولي، ومجلس الأمن، والفصل السابع من الميثاق الأممي، ومن المؤسف ألا تجد بعض الأنظمة سوى لغة الدبابات والطائرات والمدافع والرشاشات والبسطار لتخاطب بها شعوبها.

 إذ كان العقيد القذافي قد طلب أمس، وفي خطاب بث بالراديو، من مواطنيه الثائرين على حكمه الكراكوزي رمي أسلحتهم، والاستسلام، مقابل العفو عنهم، واصفاً ما حدث هناك بالمهزلة، ولا ندري عن أية مهزلة يتحدث، وفيما إذا كان هناك أية مهزلة في الكون وهو موجود؟ ولكن السؤال الآخر الأهم، الآن، وفي ظل هذا التطور والتصعيد الأممي الدراماتيكي القانوني المثير، من هو الذي بات يتحكم، أوفي يده مصير الآخر؟ ومن سيعفو عمن يا سيادة العقيد ولمن سيكون الكلام الأخير؟ صورة سوداوية وقاحلة تلوح في الأفق فيما يتعلق بمستقبل العقيد، وكل هذه السيناريوهات والتطورات والتصورات، والاحتمالات تشي، وتنبئ، وبكل تأكيد، بشيء واحد ووحيد: إنها آخر أيام العقيد.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز