نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
الراشي والمرتشي في النار

"لعن الله الراشي والمرتشي، والرائش بينهما". حديث نبوي تعتبر الرشوة التي دفعها العاهل السعودي لدى عودته من رحلته الاستشفائية في أمريكا، وبعد انفجار الشارع العربي في وجه مجوّعيه وناهبيه وقاطعي رزقه، أكبر رشوة معروفة تدفع على مر التاريخ، وبذا يدخل العرب مرة أخرى، وكل الحمد والشكر لله، التاريخ من أوسع أبوابه عبر تسجيل المزيد من الأرقام القياسية، بعد أن كان "زميله" الآخر في ما يسمى بمؤسسة القمة العربية، ونعني المهرج الكبير سيادة العقيد، ما غيره "أبو زنقة زنقة"، قد دفع أكبر فدية في التاريخ، وهي حوالي أربعة مليارات من الدولارات، لضحايا جريمة لوكربي التي قام بتنفيذها فوق سماء قرية لوكربي الاسكتلندية مستهدفاً طائرة الـPAN-AM الرحلة رقم 103. نعم ها هم يتهارعون، ويا عيني عليهم، لتسجيل الأرقام القياسية، ولكن ليس في صفحات التاريخ البيضاء، كلا وألف حاشاهام وحاشاكم، بل في القوائم والصفحات والأفعال السوداء المخجلة التي اشتهروا بها. الله أكبر، فأكبر فدية وأكبر رشوة هي حصاد هذا الهشيم والحطام العربي الكبير.

 وبغض النظر عن الريبة الكبيرة في خلفيات ودوافع هذه الرشاوي غير البريئة، وغير النظيفة مطلقاً، والخبيثة، والتي لم تدفع لوجه الله، وفرح الأطفال، كلا وأيم الحق الذي فيه يمترون، فإن لهذه الرشاوى تداعيات خطيرة على صعيد الإضرار بالبعد العقائدي، ذاته، الذي يحاول هؤلاء تلبسه والظهور بمظهر حماته، لاسيما وأن العاهل السعودي، مثلاً، يحمل لقب خادم الحرمين الشريفين، وهو لقب ديني يتفوق برمزيته على لقب الإمام الأكبر الذي يحمله شيخ الأزهر يمثل من خلاله الرمز الرسمي المؤسساتي للمسلمين عبر العالم.

 ولا ننسى أن زميل العاهل السعودي، سيادة العقيد، كان قد قال عن نفسه بأنه إمام المسلمين، وعميد الحكام العرب، وملك الملوك في تصريحه الشهير. فها هو إمام المسلمين، ما غيره، يقدم رشوة علنية للمسلمين. فقد دفع سيادة العقيد القذافي، أول من أمس أيضاً رشوة تقدر بـ: 500 دينار ليبي (حوالي $402 ) لمن تبقى له من رعايا ليبيا في طرابلس وذلك لضمان صمتهم وعدم خروجهم عن طاعته، وذلك بعد سقوط بنغازي وكافة المدن الليبية الأخرى بقبضة الثائرين بعد أربعة عقود من التهريج والدجل الثوري الزائف( إذا لا يفهم، البتة، كيف سينشر الحرية والثورة من يضطهد الناس ويقمعهم وينهبهم ويجوعهم ويهينهم)، والنطوطة والعربدة والاعتباطية والمغامرة السياسية والجموح والانفلات العقائدي والإيديولوجي، التي جعلت من الشعب الليبي من أفقر شعوب الأرض، وتماماً مثل نظرائهم من ضحايا الفساد والاستبداد العبودي العربي، رغم أن هذا البلد شبه القاري يسبح على بحر من الخيرات والثروات.

 فإزاء هذا الوضع المتفجر لم يكن هناك من بد لتنفيس الاحتقان، سوى القيام بدفع الرشاوى للشعوب، ولا أدري إن كان "الراشون" هؤلاء يعلمون جيداً، وهم ظلال الله في الأرض كما يدعون ويزعمون، أن هذه الرشاوى مخالفة للعقيدة والشريعة الإسلامية، ذاتها، بوجود حديث نبوي، يقول: لعن الله الراشي والمرتشي، وفي لفظٍ آخر، والرائش بينهما"، والملعون واللعين في النار، كإبليس اللعين، أول المبشرين بها، وقد لعن رجل بعيره في سفر فأمر النبي بإرجاع البعير، وقال: "لا يصحبنا ملعون." أي لن يكون في صحبة النبي لا في الدنيا ولا في الآخرة، من هو ملعون كالراشي، ناهيكم عن وجود عشرات الآيات والأحاديث التي تنهي عن السرقة وأكل أموال الناس بالباطل وحرمة أموال الغير وهضم حقوقهم، فكل ذلك يتناقض مع شرائع الأرض قبل أن يتناقض، أصلاً، مع كل الشرائع التي يقال بأنها نزلت من السماء.

وإذا كنا نعلم سلفاً ومسبقاً، أن هذه الشعوب المنكوبة، "وبافتراض قبولها للرشوة" هي تكتوي وتتلظى، للتو، وفي تحقيق رمزي دنيوي وآني، على الأقل، لنبوءة الحديث النبوي، بنيران الفقر، والبؤس، والجوع، والفساد والاستبداد، والضرائب وسياسات الإفقار التي تجلد ظهورها، وهي كانت ما تنفك تتعرض للشواء قبل أن تتلقى هذه الرشاوى المريبة والمضحكة، فلا ندري ما هو وضع ومصير الراشين، وفيما إذا كان هؤلاء الراشون قد اكتووا بأية نيران من تلك التي تعانيها شعوب، اللهم سوى نيران كنسهم مؤخراً على ذاك النحو الفظيع، أو فيما إذا كان شيوخ البلاطات سيفتون بحرمة هذه الرشاوى، وينهون عن قبولها، في هذا الوقت بالذات، كونها رشوة رسمية وعلنية أتت على خلفية انفجار الشارع العربي وليست لوجه الله وحباً بالشعب، وهي موجهة تحديداً، وحصراً، لضمان صمت الشعوب وهدوئها.

فمن كان يتصور مثلاً أنه حتى "سرطنة كابوس" في عُمان، (لا يوجد خطأ إملائي ها هنا)، ستنتفض ومن "صحار"، هي الأخرى في وجه هذا الجحا العصري، وليختفي وبغرابة وتشابه شديد رجال الأمن دفعة واحدة من الشارع، ما حدا به، هو الآخر، فوراً، لدفع مبلغ 150 ريال عماني (حوالي 390 دولاراً أمريكياً) لينضم هو الآخر إلى رتل الذاهبين إلى النار من الراشين، وكله حسب الحديث النبوي؟ وبعد أن كانت قد انفجرت أيضاً "مهلكة" البحرين الهادئة القاعدة الرسمية المعتمدة للأسطول الخامس الأمريكي، والتي تمارس التمييز العنصري العلني بين مواطنيها وتنكر أبسط حقوقهم السياسية والوطنية، وتستورد في سابقة عجيبة سكان من دول أخرى لإحداث توازن طائفي، ما حدا بعاهلها أيضاً فوراً لدفع رشوة 1000 دينار بحرني (2650 دولار أمريكي)، لكل أسرة بحرينية لإسكاتها.

 وفي هذه المعمعة الفورانية الجياشة لم يجد سفاح دارفور، المفلس مالياً، من رشوة يقدمها لشعبه سوى إعلانه عن تخليه عن السلطة في نهاية ولايته، ولعمري هذه أكبر "رشوة" وبشري تدفع للشعب السوداني كي لا ينتفض ويصمت عن موبقات وإجرام الماريشال البشير، وفي منظورنا لو صدق هذا الدجال الثوري، لكانت هذه الرشوة، ورمزياً، أكبر من رشوة خادم الحرمين، لأنه لا يوجد ثمن ولا مبلغ لإزاحة هذا الكابوس الثقيل عن ظهر الشعب السوداني. لم يكتف رموز القهر والاستبداد والفساد العربي، وعلى مر تاريخهم المرير الطويل، بخرق كل قوانين الأرض والاستهتار بها، والاستخفاف بكل القيم والمواثيق والأعراف والقيم الخالدة والمقدسة التي تعارفت وتوافقت عليها البشرية، ولكنهم، اليوم، ينقلون نشاطهم نحو السماء، ليمارسوا ذات الخرق، والضرر، والإيذاء، وبذات الطريقة المعهودة من الصلف والاستكبار والعجرفة والنرجسية، لقوانين السماء، ذاتها، وشرائعها، التي يدّعون أنها يمثلونها ويحافظون عليها عبر دفع الرشاوى المحرّمة دينياً وشرعياً.

 هذه الرشاوىتحمل طابع عدم الشرعية، وهي، بالمطلق، غير مقبولة دينياً، والسؤال الأهم هل سيذهب هؤلاء الراشون للنار حسب الحديث النبوي، أي هل سيكون رمز ديني كبير كخادم الحرمين الشريفين، أو إمام المسلمين، في النار لأنهم راشون؟ لا بل، والأبعد والأعمق من ذلك، كله، هل سيقبل المسلمون هذه الرشاوى اليوم، مع علمهم بأنها مجرد رشاوى لم تدفع لوجه الله، ولاسيما المؤمنون المتدينون منهم، وهم كثر؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز