نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
طغاة أم جُباة؟

الفضائح المالية الصاعقة التي رافقت تهاوي عروش "الجباة" العرب أزكمت الأنوف ولا تدخل إلأ في باب أمور لا تصدق. ومن هنا بت أتحرج كثيراً أحياناً في إطلاق لفظة طاغية على بعض من هؤلاء الذين جثموا على رقاب هذه الشعوب المسكينة وحكموها بالحديد والتجويع والنار. فحتى هذه اللفظة تعتبر كبيرة على البعض، و"مبهبطة" عليه كثيراً ولا يستحقها، وهو أدني وأحط بكثير من أن يكون طاغية، أو يرتقي لهذا المقام "الرفيع" بالقياس لما يقوم به من فعال شنيع، أولاً، ونظراً لأن هناك طغاة "كباراً" ومحترمين في التاريخ، كهتلر الذي كان طاغية وديكتاتوراً كبيراً، لكنه كان وطنياً لا يشق له غبار، وأتى من خلال صناديق الاقتراع، ومتعصباً آرياً وصل حد العنصرية في حب أبناء شعبه وطنه "الجرماني المقدس"، وصنع أسطورة عسكرية وآلة حربية أرعبت أوروبا في حينه وأخضعتها، فيما نشك بقدرة بعض من هؤلاء الطغاة على صنع ولو "نقيفة" أو قوس "نشاب"، للذود بها عن حياض أوطانهم. وذات الأمر ينطبق على طاغية وديكتاتور كبير، في مفاهيم هذه الأيام، وهو جوزيف ستالين، الذي تحول لمعجزة عسكرية وأسطورة وطنية سوفياتية وهو جورجي، إبان الهجوم الألماني على الاتحاد السوفيتي، وكان وراء القفزة التصنيعية الهائلة التي وضعت الاتحاد السوفيتي في المقدمة عالمياً، وقتذاك، محولاً روسياً من بلد زراعي فقير إلى بلد صناعي متقدم يغزو الفضاء الخارجي متفوقاً على الإمبرياليين الأمريكان في غزو الفضاء عبر يوري غاغارين، رائد الفضاء الأول الأشهر في التاريخ الذي دار بمركبته Vostok 1 (وتعني الشرق بالروسية)، حول الأرض في الثاني عشر من نيسان/ أبريل عام 1961.

 وحتى ذات الأمر ينطق على نيرون، الذي يحاول اليوم بعضهم تشبيهه بأزعر ليبيا، فهذا الرجل كان أولاً إمبراطوراً لروما، وما أدراكم ما روسيا، وثانياً كان عازفاً وعاشقاً للموسيقى، في الوقت الذي لا يجيد هذا الأزعر السفاح العزف حتى على الطبل والدربكة والدف والمزمار، ولا يعرف السلم الموسيقي من سلم الخشب، بل لا يجيد "العزف" سوى على المبادئ والكذب والشعارات والرقص على جماجم وأجساد الفقراء ونهبهم وتشليحهم.

 فهل يصح مثلاً أن نقارن عقيد ليبيا البدوي القبلي اللص والدولي والأزعر القاتل الجبان المهووس بالبترول وحب المال، بهتلر الفرهرر ورجل الدولة المحترم المهووس ببناء إمبراطورية قوية، مع التحفظ طبعاً على النزعات العدوانية والعسكريتارية والإمبراطورية الاستعمارية على الدوام، ولكننا هنا في مجال البناء الشخصي والتحليل النفسي ونوعية الأحلام والطموحات لهذا وذاك؟ أو مثلاً أن نقارن نيرون وستالين، بجحا عمان الذي ينتفض عليه شعبه اليوم، في صحار، أو الشاويش علي، الذي استمر في الحكم أطول من فترة أي "إمام" قام بالثورة عليه كما يطبل ويزمر ويدجـّل، وحول اليمن "السعيد" إلى دولة مهترئة منهارة وفاشلة من الطراز الأول، تنهشهها الصراعات والحروب الأهلية والقبلية، وتحتل قوائم البؤس والجوع والفقر والأمية و"العزاء والشحار" ولن يحل عنها، وبمشيئة الله، وفيها نفس أو حياة. أعتقد أن هذا سيكون إهانة كبرى وقاسية ومذلة لكل الطغاة المحترمين، والكبار في التاريخين، القديم والحديث، على الإطلاق، كما يفتقر هؤلاء إلى نمط ومؤهلات وصفات وكاريزما رجل الدولة المحترم صاحب لمشروع الوطني والإنساني، كمهاتير محمد، أو غاريبالدي، موحد إيطاليا، وصنوه الأألماني بسمارك، أو دنغ هسياو بنغ، فيلسوف ومنظر ومهندس النهضة، بل لنقل المعجزة، والأسطورة الاقتصادية الصينية، التي كانت بلداً زراعياً مهلهلاً حين حكمها ما في 1949، بعد المسيرة الكبرى، والتي قفزت مؤخراً لتحتل المركز الثاني كأكبر اقتصاد عالمي، مبعدة اليابان، ما غيرها، عن هذا المكان، وتتطلع، ولا شك، لسحب اللقب الأول من الولايات المتحدة الأمريكية التي ما زال اقتصادها يئن تحت وطأة الأزمة الاقتصادية العالمية.

 فما بان ولاح من ممارسات لصوصية ونهبوية وهوس وسياسات تجويع وإفقار ونهب منظم مافياوي للمال العام وسعي محموم لهؤلاء لتكديس وكنز الأموال حتى الآن، رغم أن هذا الأمر منهٍ عنه في القرآن طالما أن الأزعر القذافي وصف نفسه بإمام المسلمين، يظهر بما لا يدع مجالاً للشك أنهم لم يكونوا سوى مجرد "جباة"، يمارسون وظيفة "قيادة" وإدارة بلادهم، وتمثيلها في مؤتمرات القمة، في أوقات "لهوهم" وشغبهم وفراغهم ولعبهم البريء، ويا عيني عليهم، أما في وقت عملهم الجاد والحقيقي فكرسوه في جمع وجباية وتكديس المال العام. وللعلم، يفتقر بعضهم، ممن لا يجيد قراءة ثلاث جمل، إلى المؤهلات التي تمكنه من قيادة مجرد تيس وثلاث عنزات، ومعهم بعير أجرب، فما بالكم، دام فضلكم، بقيادة بلاد وعباد، نحو المجد والسؤدد والفلاح؟ ولا يذكرك هؤلاء "الجباة" وجامعي الثروات سوى بالجيوش الانكشارية في آخر أيام الرجل الأوروبي المريض.

 فزبن العابدين بن علي حول قصوره، كما تابعنا جميعاً في "التيوب" الذي تم تداوله مؤخراً على نطاق واسع، نقول حولها، إلى مجرد خزائن للمال المسروق والمنهوب من دم وعرق وبؤس البوعزيزي ونظرائه من أبناء تونس، وكأنه لم يكن للجنرال الأمني، "مجنون ليلي"، من مهمة سوى جمع المال على مدى ربع قرن تقريباً من الزمان. وأما "الشايب العايب" وحبر الأحبار فرعون مصر، فقصة السبعين مليار التي كشفت عنها الصحف البريطانية، معروفة للجميع، وتستلزم المرء ربما 1000 سنة من العمل فقط لجمعها، وعدها، فما بالك بصرفها. وكذا الأمر بالنسبة للمهرج الليبي الذي هرّب عشرات المليارات من الدولارات ووضعها باسمه واسم عائلته وأبنائه المجرمين، الذين تفتك كتائبهم الأمنية اليوم بأجساد المواطنين الليبيين العزّل، وحولوا ليبيا إلى واحدة من أسوأ بلدان العالم رغم أنها تعوم على بحر من الثروات النفطية الهائلة، سلعة العصر رقم واحد. وحتى سفاح دارفور فقط أميط اللثام عن تهريبه لعشرات ملايين الدولارات، من ريع النفط، إلى بنك "HSBC"البريطاني الشهير، كما أشارت الصحف الإنكليزية في حينه.

 ولذا لا يمكن تشبيههم في الحقيقة سوى بتلك الجيوش الإنكشارية، التي أشرنا إليها، والتي كانت أدوات رسمية معتمدة للنهب والسلب والتشليح، لسلاطين وولاة بني عثمان، رضي الله عنهم أجمعين، فكما كان يخبرنا آباؤنا، وأجدادنا الكرام، رحمهم الله، كان الجنود الإنكشاريون يدخلون البيوت الآمنة، ويأتون حتى على حبة القمح والبرغل، وقرص "الشنكليش" الموجود في البيوت، و"يشلـّحون" الناس "تشليحاً"، وينهبونهم نهباً من آخر قرش في جيوب الفقراء والمحتاجين، وعبر قرارات قراقوشية وضرائبية لا تخطر في بال، وكما هو حاصل اليوم، يا رعاكم الله، في الولايات والأمصار والمزارع والمزابل والمحميات الأمريكية المستعربة، . هؤلاء هم جباة العرب الكبار، أجلـّكم وأكرمكم الواحد القهار، لصوص المال العام، المطلوبون للإنتربول والعدالة الدولية، اليوم، وأوكامبو بانتظارهم على أحر من الجمر ويعد لهم القرار تلو القرار.

 ومن هنا نرجو من كافة الزملاء الكرام الذين يتناولونهم بالنقد والتجريح والتشنيع إسقاط حتى صفة "الطغاة" عنهم، فهم لا يستحقونها، لا وأيم الحق الذي فيه يمترون، واستعمال صفة الجباة، ليس احتراماً وتقديراً وتكريماً لهم، أو تبخيساً لقدر الجباة ومكانتهم وعملهم "النبيل"، كلا وألف حاشا لله، بل لأن هذا هو عملهم الأصلي من الأساس، ولا تنطبق عليهم إلا هذه الصفة، الوحيدة، و بالذات. إذ تبين فعلاً، أنهم أبرع، وأشطر، وأدهى و"أخبث" في مهنة الجباة التي أجادوها، أكثر من عملهم كطغاة محترفين، الذي أساء، وبكل أسف، لوجه، وسمعة، وللسيرة "الناصعة" للكثير من الطغاة الكبار "المحترمين" في التاريخ، كهتلر، وستالين، ونيرون، وحتى المرحوم، جنكيز خان ونحتسبهم جميعاً من الطغاة، بإذن الله.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز