نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
جنرالات الأمن العرب في قفص الاتهام؟

إخفاق جنرالات الأمن العرب في التطورات الأخيرة كان مزدوجاً. الإخفاق الأول كان على صعيد الفشل في التنبؤ بحجم وقوة وتوقيت الإنفجارات الشعبية التي كنست ثلاثة من الطغاة العرب في ظرف أقل من شهرين. والإخفاق الآخر كان في عدم القدرة على معالجة الحدث، وغياب هذا الأمن تماماً عنه، وفشله المطبق في التعامل معه، وهو يرى أرباب الأنظمة تهاوي كبيت من القش أمام عدسات التلفاز.

 في الوقت الذي كان يتمرجل فيه هؤلاء الجنرالات ويستأسدون على الشعوب الفقيرة، وينكلون بها، ويتفنون في إلحاق الأذى والضرر بها، وبعيشها الكريم، وحرمانها من أبسط مقومات الحياة الهانئة، ومطاردة الشرفاء والأحرار، والتحالف بذات الوقت مع شبكات النهب والفساد وحمايتها ورعايتها والتغطية عليها وتقديم كل أنواع الدعم المادي والمعنوي لها. وحسب قانون الفيزياء السياسية البسيط جداً "كثرة الشد ترخي"، ليس من المستغرب البتة أن أشد الأنظمة البوليسية الأمنية القمعية العربية كانت السباقة في سقوطها المدوي المريع في الوقت الذي لا ينتاب نظام حكم شبه ديمقراطي، كالنظام اللبناني، أية مخاوف من سقوط مدو ومشين على الطريقة التونسية، أو المصرية، أو الليبية، أو تلكم التي في الطريق كاليمنية، والجزائرية، والمغربية، والبحرينية، وحتى "السلطانية" العمانية التي يحكمها جحا العماني القادم من العصور الوسطى، أو ما هو مرشح للسقوط.ويحمل ذات خصائص وعوامل السقوط التونسي، والليبي، والمصري.

 هل كان أمراً مفاجئاً أن يبدأ مسلسل وموسم تساقط الطغاة العرب في بلد أمني عربي كان، وعلى نحو رمزي فاقع وصارخ، ملتقي ومقراً لوزراء القمع والإرهاب والأمن العرب؟ وأن هذا الجنرال الأمني التونسي، الذي كان يحكم تونس بقبضة من حديد، وقضى جل حياته وهو ينكل ويبطش ويكيد ويستعبد شعب تونس الطيب الأبي، ولم يترك باباً واحداً، أو وسيلة إلا وطرقها، في محاولة تدجين، وقهر وسحق إرادة هذا الشعب الذي كنسه في ليلة ليلاء وتخلص منه للأبد حتى وصل به الأمر حد منع بائع خضار بسيط، وهو خريج جامعي، من كسب قوت يومه مع عائلته ومحاربته في لقمة عيشه البسيطة، في الوقت الذي كان يعيث فساداً مع عائلته وزبانيته في اقتصاد وثروات تونس. وقد تبع هذا النظام الأمني العربي الفاشي، في مسلسل السقوط، نظام عربي آخر لا يقل بطشاً، وضراوة وفتكاً عن النظام آنف الذكر، ونعني به نظام الفرعون الأكبر مبارك الذي تهاوى، وعلى نحو مزر، كبيت العنكبوت وعجزت الماكينة الأمنية المصرية السرطانية الهائلة من أن تفعل شيئاً للفرعون الأكبر حيال المد الجماهيري الغاضب، وتركته بتهاوى من عل، غير مأسوف عليه بالطبع، أمام كاميرات التلفاز، والمراقبين، وكل الذي "يسوى وما يسواش"، وبقية القصة معروفة للجميع.

 وتلا هذين الطاغيتين، طاغية آخر، لكنه في الحقيقة، أكثر كراكوزية، وإضحاكاً، فقط من سابقيه، إذ صرف كل إمكانيات بلاده على أمنه الشخصي، وبقائه، وديمومته مع عائلته، وبنى ستاراً أمنياً حديدياً حوله وحول، عائلته وزبانيته، ليجد نفسه في النهاية طريد العدالة الدولية والإنتربول، بفعل الاستشارات والرؤى الأمنية والصبيانية القاصرة، وقصيرة النظر والبدائية، التي تخلق الوهم، وتلاحقه، وتمضي جل وقتها في البحث عنه.

 ومن المعروف أن معظم جنرالات الأمن العرب هم من الطبقات الأقل ثقافة وعلماً وخبرة في شؤون الحكم ومعرفة بالتاريخ وفهماً للحدث، واختيارهم لا يتم بناء على الكفاءة والثقافة بل على الولاء والقرب العشائري والقبلي والعائلي من الدوائر الضيقة، وهذه وحدها ليست كافية ولا ضماناً للنجاح، ومعظمهم من حملة شهادة التعليم الإعدادي أو الثانوي في أحسن الأحوال، ولا يجيدون معالجة أية قضية سوى بالزجر، والمنع، والقتل والسحل، فماذا ينتظر الطغاة من هؤلاء، سوى النهايات التراجيدية المفجعة؟ وجل مواهبهم وإمكانياتهم هي الولاء وروح الجندية المطلقة بالطاعة وتنفيذ الأوامر من دون مناقشتها وتبيان مدى صوابيتها وهذه وحدها لا تكفي لإدارة شؤون البلاد والتعامل مع العباد برقي وحضارة واحترام تمنع تراكم عوامل انفجار. (أفصحت، مثلاً، تصريحات لخالد بن سلطان (قائد قوات التحالف في حرب الخليج الثانية) لقناة الجزيرة إبان حربه مع الحوثيين التي خسرها بشكل مخز أيضاً، عن جهل مطبق وتواضع وشح معرفي ولغوي وضحالة ,امية فاضحة وعجز مخيف في نطق وتركيب ثلاث مفردات فقط لا غير).

 كيف يعول على رجل أمي وجاهل مثل هذا لقيادة وحماية بلد ووضع مصير شعب بيده؟ وماذا ننتظر من أمثال هذا الشقي؟ وأخطر المعارك التي خاضها جنرالات الأمن العرب في حربهم الشرسة المعلنة ضد الشعوب، هي في محاربة الشرفاء، والمبدعين، والمميزين، والتنكيل بالأحرار، والتضييق عليهم، ومطاردة أصحاب الضمائر الحية والفكر الحر والكلمة الصادقة، وترك الساحة، سداحاً مداحاً، للصوص والفاسدين والمرتشين والمرتزقة والهربين والانتهازيين وحمايتهم والتغطية عليهم ومحاباتهم، وكتابة التقارير الكيدية المفبركة عن كل حر وطني تمهيداً لتحطيمه، وتصويره أمام الطاغية بأنه يشكل خطراً على أمن وسلام البلاد، فانتشر اللصوص والمفسدون والمأجورون في مفاصل البلاد وإداراتها وبات الفساد والانهيار العام، هو عنوان هذه الأوطان، وانزوى وغاب عنها الشرفاء والأحرار، وماذا كانت النتيجة حين يديرها وينفرد بها هؤلاء الأشقياء؟ أعتقد أن الأمر لا يحتاج لأي جواب.

 لقد أثبتت التجربة المصرية المرة مدى مساهمة الأمن المصري بالقضاء على حكم مبارك ونهايته بذلك الشكل المأساوي المقرف. أصبح الشعب المسكين الغلبان المقهور الأعزل الجائع المنهوب المفلس المنتوف هو العدو الوحيد، والهدف الاستراتيجي البعيد المدى لأجهزة الأمن العربي، ومحور عملها الوحيد ونشاطها الوحيد، وصار قهر الشعوب والحط من كرامتها ومنعها من التمتع بحياتها من أولويات تحركاتها وإستراتيجيتها المعلنة. إن استهتار هؤلاء، واستخفافهم بمشاعر وإرادة الشعوب التي لا تقهر، والتي كانت تراكم عوامل الانفجار الكبير، وجهلهم المطبق، بسبب تواضعهم المعرفي، بأبسط مبادئ وأبجديات الفيزياء السياسية التي نركز كثيراً عليها، أدى إلى ما أدى إليه من انهيار عام وشامل للنظام الرسمي الأمني البوليسي العربي. ويا سبحان الله كيف انقلب السحر الأمني على صاحبه، إذ أصبح ذات الجنرالات، كالعادلي، وفي تصحيح لمسارات ومنطق التاريخ وحتمياته التي لا تخطئ ولا ترحم، مطاردين وفي الزنازين، والشعب المصري الأبي حراً طليقاً يتنسم هواء الحرية العليل.

 اعتقد جنرالات الأمن العرب وعبر سياساتهم القهرية، والدموية وتبنيهم الأساليب الكيدية والترصد ومطاردة الشرفاء والأحرار وأصحاب الفكر الحر والضمير الحي والتضييق والتنغيص عليهم، ومحاربة الشعوب في لقمة عيشها وحرمانها من فرص العيش الحر الكريم، قد ساهموا إلى حد كبير في تقصير أعمار أسيادهم، وكانوا السبب الرئيس في مراكمة كل عوامل الثورة والغضب والانفجار ضدهم وكنسهم وإلى الأبد إلى مزابل التاريخ حيث مقرهم الطبيعي. لم يتعلم الطغاة العرب، ومن ورائهم جنرالات أمنهم، من درس صدام المبكر المأساوي، وكان على التاريخ أن يعيد لهم الدرس ثلاث مرات متتالية في غضون أقل من شهرين على شكل ملهاة، ومهزلة في كل مرة، كي يتعلموا ويطوروا من أساليبهم البائدة والمتخلفة، لا لشيء وإنما لضمان بقاء أسيادهم.

 وبناء على هذه العبر والدروس القاسية، ها هي السلطات المصرية الجديدة، تجمد جهاز أمن الدولة حتى تعاد هيكلته، والنظر في أساليب عمله، ويلغى هذا الجهاز الدموي تماماً في تونس، بعدما أدت ممارساته وطرق تعامله الفجة مع الشعوب إلى زوال الأنظمة وفنائها من الوجود وليس بقاءها؟ وتبين بما لا يدع مجالاً للشك بأنهم مجرد نمور من ورق، وأن النياشين والأوسمة التي يرصعون بها صدورهم، ما هي إلا مكافأة وتعبيراً عن انتصارهم على شعوبهم العزلاء، وشعوبهم فقط، وليس أياً كان. فهل يرعووا ويتعلموا؟ هيهات، وهيهات أن يتعلموا أو أن يرعووا.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز