الطيب آيت حمودة
aithamoudatayeb@maktoob.com
Blog Contributor since:
17 July 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
أهي حضارة للمسلمين أم للعرب ؟

ظاهرة   الإستحواذ  على  جهد  الآخرين  ظاهرة  عربية بامتياز ،  وهي ظاهرة  شوفينية   يجب  كشفها و فضحها  أمام  الملأ  ،   فالخلط بين   الإسلام    والعروبة  مقلق  وغير  مؤسس    وإن   حرص الحارصون  على  ربطهما   بروابط  العروة الوثقى  ،  ومن  جملة اعتراضاتي عن  ذلك  الربط   ،الإصرار بالقول بأن الحضارة التي بلغها العالم الإسلامي أيام  زمان  وليس  الآن  ، كانت حضارة (عربية خالصة )، وأن العرب أسبق من الإسلام وجودا ، فلهذا كان لزاما علينا أن نقدم العرب على الإسلام …؟ فنقول الحضارة العربية الإسلامية . أي بمعني حضارة العرب المسلمين …..؟   قد  يكون الأمر ربما تمييزا عن  حضارة  العرب المسيحيين ؟ ،  وتعميقا للفهم   هل أن كل الإبداعات التي قام بها المسلمون بشتى نحلهم وأعراقهم هي إبداعات وانجازات عربية بحكم اللغة والدين ؟، إذا يمكن القول بأن الإسلام لا تقوم له قائمة ٍ إلا بالعرب  ،لأن النبي محمد منهم واللغة العربية لغتهم .. هذه اللغة التي تحولت في نظر البعض إلى سلالة ، بالرغم من كونها لسان من الألسن ، تعلمتها الأقوام لفهم الإسلام . وتعدد الألسن على مستوى الفرد أو المجتمع له مزايا  وحسنات  ، مثل ما أورده الشاعر العراقي صفي الدين الحلي الذي كان كثير الترحال والذي قال :
بِقَدْر لُغَاتِ الْمَرْءِ يَكْثُرُ نَفْـعُه ===== وَتِلْكَ له عِنْدَ الشَّدِائِدِ أَعْوَان
فَبَادِرْ إِلَىٰ حِفْظِ اللُّغَاتِ وَفَهْمِهَا ا===== فَكُلُّ لِسَانٍ فِي الْحَقِيْقَةِ إِنْسَان .


في البداية كان كفار قريش....، وبانتشار الإسلام واتساعه داخل شبه الجزيرة   دخل  سكانها جملة في   الدين الجديد ، عندها  كان التطابق واضحا بين الإسلام والعرب ، (المسلم = العربي) أي أن الإسلام في البداية كان دينا قوميا في مقابل قوميات الفرس والرومان …، ثم تراجع بعدها المد العربي باتساع رقعة الإسلام     وازدياد   عدد  المسلمين من قوميات  أخرى ، وتحولت الهوية العربية إلى هوية ثقافية وليست إثنية بفعل لغة الضاد ( اللغةالعربية )  وثقافة الإسلام، ، ثم اتضح فيما بعد أن اللغة وحدها ليست كافية لتحديد ملامح الهوية ، وأصبح التمايز جليا بين ألأعراق والقوميات ، والدين واللغة ، وغدت المفاهيم أكثر وضوحا ودقة في الأذهان ، فالعربي يقابله التركي والفارسي والقبطي والأمازيغي ، والمسلم يقابله اليهودي والمسيحي والملحد  ، واللغة العربية تقابلها الفارسية  والقبطية  والفرنسية والصينية …… القاسم المشترك الواحد الموحد هو الإسلام الذي هو مصدر اعتزازنا وفخرنا .
الأمر ياسادة يا كرام   أن قولكم   بأن   (  الحضارة  العربية  الإسلامية )فيه إجحاف … فيه إلغاء    لجهد الآخر ؟ لأن العروبة تحمل في طياتها مفاهيم عدة أولها ، الاثنية ( العرقية ) وثانيها اللغة ، وثالثها البعد الهوياتي بأبعاده ومشمولاته المتفرعة .
العرب واٍ ن تحملوا عبء الجهاد الأولي ، وكونوا دولة عربية خالصة استندت على ركيزة العصبية والجهاد  والاحتفاظ بالسلطة أيام الأمويين ، إلا أن زمام الأمر أفلت من أيديهم بعد نشوء الدولة العباسية التي قامت على ركائز مغايرة تماما ، إذ أصبح الحكم في أيدي الموالي ، والإبداعات في شتى المجالات كانت لهم ، بعدما حرموا من الوصول إلى السلطة في عهد بني أمية ، فبرع من هؤلاء الموالي العديد في المجال الديني والسياسي والأدبي والعلمي ، ……… أي بعبارة أدق كان منهم البخاري ومسلم ، و ابن سينا ، والخوارزمي ، والإمام مالك، وابو حنيفة النعمان ، و صلاح الدين الأيوبي ، و الظاهر بيبرس ، وابن طولون ، ويوسف بن تاشفين ، وطارق بن زياد وأسد بن الفرات ، و محمد الفاتح …..الخ……. الخ. ولو أعددتهم جميعا لما سمحت الذاكرة على تخزين أسمائهم ، فما بالك مجهوداتهم التى بذلوها في خدمة الإسلام وبلغة الإسلام .
اٍذا قلنا (الحضارة العربية الإسلامية) فإننا هضمنا حقوقهم في الانتماء إلى أصولهم ، وفتحنا المجال من( حيث ندري أو لا ندري) للعصبيات الأخرى في البروز والظهور ، فمن قائل يقول بأن
الحضارة إسلامية فارسية ، وآخر يقول بأنها حضارة إسلامية هندوسية ، وثالث حضارة إسلامية قبطية ، ورابع حضارة إسلامية تركية ، وخامس حضارة إسلامية أمازيغية ، بدعوى أن هذه العصبيات جميعها شاركت بنصيب وافر في بناء صرح هذه الحضارة .
والإسلام بمعانيه السمحة سوى (بتشديد الواو) بين الجميع ، ووضع التقوى والإيمان أساس التفاضل بين البشر، فأين لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى؟ ، وأين إن أكرمكم عند الله أتقاكم؟ ، وأين إن العربية ليست لأحدكم بأب ولا أم؟…. ، أين… ؟ أين ..؟
التعقل يفرض علينا أن نعطي للمفاهيم معناها ، وأن نزن الحقوق   بمعاييرها الدينية  الإسلامية ، وأتذكر في هذا المقام كتاب المستشرقة الألمانية زيغريد هونكة الذي عنونته أساسا ( شمس العرب تسطع على الغرب ) وبعد إفهامها وتفهمها للأمر تحول العنوان إلى (شمس الإسلام تستطع على الغرب ) وشتان من ذا وذاك ،  واعجبني   استنكار  محمد  الغزالي  في  ليبيا   قول أحد  الخطباء   (صلاح الدين الأيوبي العربي) وعلق  عليه  بأن  صلاح  الدين    بلا  قومية   فهو حارب  وجاهد وكافح  نصرة   لدينه الإسلام  وليس    لقومه  العرب   أو  الكرد . 

المنطق يرجح القول بأن الحضارة التي بلغناها بالأمس( وليس اليوم) هي حضارة بنيت بجهد جميع المسلمين، فارسيهم وعربيهم ، قبطيهم وأمازيغيهم ، تركيهم وزنجيهم ، هنديهم وبنغاليهم ……


فالقول أن الحضارة عربية إسلامية قول مردود …. الحقيقة الساطعة أن الحضارة حضارة إسلامية والعرب جزء من الأمة الإسلامية ، وليسوا  كل الأمة الإسلامية …. وبدلا من الوقوف على الأطلال والتغني بأمجاد الماضي ، فلنعمل ونكد لاسترجاع ما فات المسلمين من سبق حضاري ، تداركهُ يستدعي شد الأحزمة ، وشحذ الهمم ،وترويض العقل ، لضمان نوع من المواكبة النسبية لعالم متهيج ومتسارع في جميع مناحي الحياة .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز