د. محمد فؤاد منصور
m_mansour47@hotmail.com
Blog Contributor since:
01 September 2010

كاتب عربي من مصر
مقيم حاليا في الولايات المتحدة

 More articles 


Arab Times Blogs
صورة السيد الرئيس...

لحكمة ما لاأعرفها ، جرت العادة في إدارات الحكومة على تعليق صورة كبيرة لرئيس الجمهورية في مكتب مدير أي مؤسسة أو مصلحة حكومية ، ويبدو أنه لسبب يمكن أن نجد تفسيره في علم النفس ،يجب عليك كمدير أو رئيس أن تستشعر أن رئيس الدولة يطل من فوق رأسك وكأنه يشهد على آدائك أو يراقب تصرفاتك حتى ولو من خلال صورة شخصية لسيادته ، وقد زاد الأمر عن حده في بعض الوزارات فصارت صورة السيد الرئيس تعلق حتى في المكاتب الفرعية أو الرئاسات الأقل أهمية وكأنما ليتذكر الجميع دائماً أنه لارئيس غيره أو أنه في الواقع رئيس كل الرؤساء ..

 وكنت في مرحلة من حياتي أعمل مديراً لعيادات شاملة تابعة لوزارة الصحة ، وكان مكتبي بطبيعة الحال تعلوه صورة ضخمة لرئيس الجمهورية تواجه الداخل من باب المكتب وتنافسني شخصياً في جذب أنظار زائر المكان ، وكان ينتابني دائماً إحساس غير مريح لوجودي مع هذه الصورة في مكان واحد حتى وإن كان في شكل صورة صماء لاتسمع ولاترى .. وقد حاولت ذات يوم أن أغيّر من وضع مكتبي بحيث أكون مواجهاً للصورة لاقابعاً في سكون تحتها وكأنه يركب فوق أكتافي ، لكن أحد عواجيز الإدارة نبهني إلى أن هذا لايجوز وأنني سأجلب لنفسي وجع الدماغ فهذا الوضع وتلك العلاقة الخفية التي تربط بين المدير والراكب فوقه هي من سمات الإدارة وربما يرمز هذا الوضع لنوع من الولاء بشكل ما ..

 كظمت غيظي وقتها وأبقيت الوضع على ماهو عليه ، واستغرقني العمل والمكاتبات المكوكية بيني وبين القسم الهندسي بشأن ضرورة عمل بعض الإصلاحات والترميمات في الجدران البالية والتي أوشكت على السقوط فوق رؤوسنا دون أن أتلقى أي استجابة من ذلك القسم الهندسي اللعين .. لكن الأمر تطور في اتجاه عجيب حيث بدأت قشرة الطلاء الخارجي لبعض الأسقف بالمبنى تتساقط بماينذر بخطر وشيك ، وقد ترددت بنفسي بين مكاتب القسم الهندسي محاولاً إنقاذ مايمكن إنقاذه وقبل فوات الأوان ، لكن السيف سبق العذل ، وفوجئت ذات صباح عند وصولي للعمل بمديرة الصيدلية تستقبلني على باب مكتبي لتزف لي نبأ سقوط جزء لابأس به من سقف حجرتها وتخبرني بأنها أغلقت مكتبها وأبقت الوضع على ماهو عليه حتى أعاينه بنفسي ..

هرولت إلى حيث الصيدلية وفتحت حجرة المديرة لأفاجأ بمالم أكن أتوقعه ، فقد وجدت صورة السيد الرئيس مطروحة على الأرض وقد تحطم زجاج الإطار إلى قطع صغيرة تغطي وجهه تماماً وحوله أحجار من أحجام مختلفة .. ابتسمت خفية وأنا أحمد الله ان مديرة الصيدلية قد نجت من هذا الانهيار المفاجيء فوق رأسها لتصادف سقوط قشرة السقف الإسمنتية أثناء الليل ،واستدرت لها أهنئها على سلامتها من هذا الحادث وقلت بعفوية:

 - "حصل خير.. بسيطة". لكنني فوجئت بها تقول في جزع : - بسيطة أزاي وصورة السيد الرئيس ؟ أوشكت أن أقول لها ملعون أبوه على أبو أجداده ، لكنني كظمت غيظي وقلت لها : - سنكتب مذكرة تفصيلية بماحدث و نرفعها هذه المرة للمدير العام مرفقة بمكاتباتنا الموثقة السابقة واتصالاتنا المتكررة بالقسم الهندسي .

 ثم غادرت المكان وانا أكاد أتميز غيظاً وألعن في سري -طبعاً -الرئيس الذي يزعجنا أصلاً وصورة.. وشرعت على الفور في تدبيج مذكرة تفصيلية شرحت فيها الأمر تفصيلاً ، وكان مماجاء بها أنني قلت عن لحظة اكتشاف صورة السيد الرئيس .." وقد وجدت صورة السيد الرئيس ملقاة على الأرض وقد تهشمت تماماً وتكسر زجاجها إلى قطع صغيرة غطى وجهه وعينيه بالكامل وصارت غير صالحة للتعليق بعد ذلك ... ألخ" ثم انطلقت بالمذكرة حتى وصلت إلى مكتب المدير العام الذي استقبلني بترحاب وأمسك بالمذكرة وجرت عيناه على سطورها بسرعة ، وفجأة توقف عن القراءة و تحولت ابتسامته العريضة إلى تقطيبة غطت ملامحه فانتفض واقفاً كالملدوغ وقد ألقى بالمذكرة بعيداً عنه وصاح في وحهي :

 - ماهذا ؟ .. هل انتويت أن تدخلنا السجن ؟ - السجن ؟!! - طبعاً .. هل ظننت نفسك تكتب إحدى قصصك ، ؟ ماهذا الوصف التفصيلي الممل لماحدث ؟ .. ولماذا يبدو الكلام وكأنه تشفياً في السيد الرئيس من خلال حادث عارض ؟

 أجبته بجدية تناسب الموقف دافعاً عني التهمة التي تهددني بالسجن وقلت : - أظن أن الوصف التفصيلي للحادث مطلوب وبدقة .

 أشاح بكلتا يديه وهو يصرخ : - لا..لا..لا إلا فيما يتعلق بصورة السيد الرئيس ..أرجوك أعد كتابة المذكرة ولاتذكر فيها لاالرئيس ولاصورته ولاتشر إليه من قريب أو بعيد .. ركز فقط على السقف ..أفهمتني ؟ ..

 أطرقت في تسليم وأنا أقول : - حاضر ..أمرك ..

 أخرجت ورقة وقلماً وشرعت في إعادة كتابة المذكرة ، لكنه كمذياع تالف صار يردد كل دقيقة على مسامعي ..

- السقف.. هه .. السقف وحياة أبوك .. أفهمتني؟ لاشأن لك بصورة السيد الرئيس .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز