محمد نداف
naddaf102@yahoo.com.au
Blog Contributor since:
27 October 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
أردني و فلسطيني الى أن

قارب فنجان القهوة الرابع أن ينتهي فالقعر وإن لم يكون مرئياً فقد بات واضحاً بسبب ترسبات البن وها أنا أوشك على سحب آخر أنفاس سيجارة أحترقت وفاءً لملازمتي وأوراقي تبكي حبراً بعد أن باح قلمي بسره لها وأخبرها بحزني الشديد فما كان مني إلا أن رميت القلم من فوق المكتب ولكنه نجا من محاولة الإغتيال بعد أن إحتضنته مجموعة من الأوراق التي تمردت على فكري فألقيتها حتى لا تثير فتنة بين كتاباتي ففكرت للحظة قبل أن أعتذر لها ورحت أحاورها لم تقنعني ولكني كنت مرغما على إحترامها، كيف لا وقد كانت في يوم ما تحتل جزءاً كبيراً من ذاكرتي الممزقة وبينما كنت أقلب صور الماضي رأيت صورة لي أثناء التخرج من الجامعة وأذكر حين ألتقطت الصورة بأني كنت أقفز فرحا ولم أدرك حينها لماذا سقطت بعد إلتقاط الصورة مباشرة ولكن وبعد عدة أسابيع فقط أيقنت أن الأرض جذبتني في محاولة يائسة منها لإيقاضي من حلم السعادة الذي راودني في تلك اللحظة فالصعوبات تبدأ والحياة تشتد قسوة فالبحث عن عمل أصعب من البحث عن حاكم عربي عادل 

 كان معي في تلك الصورة يقف إلى جانبي أعز أصدقائي وهو شاب من بني صخر أذكر بأنه كان أول من إلتقيت في الجامعة وكان الأقرب إللي من جميع الزملاء وحتى اللحظة، كنا مشاغبين ونفتعل الكثير من الحركات وما زاد من علاقتنا أننا كنا متفوقان دراسيا ونهوى المغامرات وكانت معظم محاضراتنا ومعظم تحركتنا وحتى غياباتنا معا، وأذكر كما يذكر هو تماما عندما وفي أحد الإمتحانات قام المراقب بسحب ورقة الإجابة منه عندما كان يقول لي ساخرا :"والله الدكتور نفسه ما بعرف الجواب" فاستشطت غاضبا وأعترضت وسلمت ورقة إجابتي للمراقب وتناقشت مع أستاذ المادة والذي قام بإعادة الإمتحان لي ولصديقي، كما وأذكر وفي أحد الأيام كانت هناك مشاجرة بين الطلاب على خلفية عنصرية وقام على إثرها عميد شؤون الطلبة بإعطاء إنذارات لأي شخص يضع الكوفية الفلسطينية وقررنا وقتها أن نحتج على القرار فجمع أكثر من عشرة طلاب من أبناء العشائر المعروفين بنشاطاتهم للجامعة ولبسنا الكوفيات الفلسطينية وأعتصمنا أمام مكتب عميد شؤون الطلبة حتى خرج العميد وقرر إلغاء القرار.

 بعد التخرج كنا زملاء في المهمة المستحيلة النسخة الأردنية وهي ليست مسروقة من أفلام تومي كروز حيث تقتضي المهمة أن تبحث عن عمل مناسب أو غير مناسب وفي جميع محافظات الأردن إبتداءاً من عمان في الوسط إلى العقبة جنوبا مرورا بالسلط والطفيلة والكرك ثم العودة إلى الزرقاء فالإنطلاق شمالا إلى عجلون وجرش فإربد ثم الإنطلاق شرقا نحو المفرق عن طريق الرمثا، مدة المهمة غير محددة والشرط الأولى ينص على أنه لا يوجد شروط إنطلقنا في الساعة٦٠٠ بعد تجهيز المعدات والملابس ونسخ من السيرة الذاتية وصور عن الشهادات العلمية وجهاز خلوي مشحون و بعض النقود ( نقوط التخرج) وعدنا بعد ستة أيام في الساعة ٢٢١٥ تكللت المهمة بالفشل الذريع جلسنا بالكوفي شوب (مش نفس اللي قعد علي سامر وقاسم في عبدون في قصة ثائر الأسدي) نتباحث هزيمتنا الأولى، بعد لحظات صمت قلنا ونحن نضحك "لا أردني ملاقي شغل ولا فلسطيني مين لعاد بشتغل؟"

 وبعد فترة وجيزة أقترح علي صديقي أن نتقدم للجيش وفعلا تقدمنا معا وقد كنت مدركا بأنهم لن يقبلوني وهذا ما كان لكن المفاجئ بأنه تم رفض صديقي أيضا، عندها تملكنا اليأس فإقترحت عليه بأن نسافر إلى الخارج ولكن كان يتوجب عليه البقاء لأسباب عائلية فقررت أن أغادر البلاد أما هو فتقدم للأمن العام وتم قبوله ولا يزال يعمل هناك. وفي زيارتي السابقة سألته لماذا تم رفضه من الجيش وتم قبوله في جهاز الأمن العام فأخبرني بأنه لم يتم رفضه وإنما لم يريد لي أن أنظر إليه على أننا مختلفين ولأنه شعر بالظلم لأني كنت أكثر منه لياقة ولذلك لم يتمم الإجراءات النهائية، في تلك اللحظة نهضت وضممته إلى صدري بكل قوة، دارت الأحاديث بيننا، وسألته لماذا لم يتزوج بعد فأجاب بحرقة بأن راتبه بعد دفع آجر منزل عائلته حيث يعيش مع شقيقه وشقيقته الذان يصغرانه وأمه لا يكفي للطعام وأنه يستقيظ على أذان الفجر ليقف في طابور على باص الأمن العام وإن لم يحصل على مقعد فذلك يعني بأن عليه أن يستدين ثمن أجرة المواصلات العامة،وشرحت له كم أعاني في الغربة وكم هي صعبة الحياة وتوصلنا إلى أننا كلانا يعيش في غربة وأن الأوطان ليست للفقراء سألني عن صديقه (المذكور في مقال "غباء شعب") وكيف حاله وكيف أستقبلني فقلت له لو أن العلاقة التي تربطنا نفسها التي تربط شعبينا لما كان علينا أن نعيش غرباء.

 ومن هنا أدحض نظرية الخلق الذاتي للعنصرية فمن الإستحالة أن يكره شخص شعب كامل من دون وجود ملوثات في البيئة المحيطة فمثلا لو وضعنا طفل فلسطيني مع طفل أردني في دولة ديمقراطية وعاشوا في أجواء مواطنة غير ملوثة فإنه من الإستحالة أن يكرها بعضهما بناء على الأصل. وإذا أراد النظام الأردني إنهاء العنصرية فالحل يتمثل بتحقيق العدالة الإجتماعية وإنهاء جميع مظاهر التميز في مؤسسات الدولة بين المواطنين والقضاء على الفساد والواسطة والمحسوبية، فمن حق جميع المواطنين أن يلتحقوا بالجيش المسؤول عن حماية الوطن والأمن العام المسؤول عن حماية المواطنين وألا يشكك بإنتماء أحد بسبب أصله فالموضوع يتعدى قصة راتب ووظيفة أما إذا ارتأى النظام والمواطنون المؤيدون له الأبقاء على تلك السياسة فهو تأكيد على عنصرية النظام والتي ينقلها إلى اللاوعي لدى المواطنين فيجب هنا أن يكونوا أكثر صراحة ويأكدوا على سحب جميع الحقوق والواجبات من ذوي الأصول الفلسطينية وإسقاط كامل للمواطنة لأي شخص يعتبر غير أردني أي بمعنى آخر أن يكون النظام أكثر شفافية ويظهر السياسات السرية المتبعة للتميز ويقوم بأعلانها وعلى ضوء ذلك يقررالأردني- الفلسطيني ما يتوجب عليه فعله أما أن يبقى منزوع الكرامة بإرادته ودون حقوق على أرض الغير أو أن يعود إلى فلسطين محاربا وبهذا يتعرى النظام والذي سيسقط في كلتا الحالتين وتنتهي مسألة العنصرية إلى الأبد...







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز