نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
الحمير هي الحل

حين كنت أعمل مدرساً ذات يوم أغبر من هذا العمر الجربان الذي لم يكن يستحق أصلاً أن يعاش، لأن محصلته العامة، بالمطلق، كانت صفراً على الشمال، لأجيال وأجيال، فقد انهارت فيه وتلاشت وتقزمت ومسخت فيه كل الآمال والأحلام، وأصبح مجرد الحلم بالحلم ضرباً من المستحيل والخيال، وصارت الحياة محض دوامة من الكوابيس التي تطاردك لا تكف عن التوقف والدوران، أقول حين كنت أعمل مدرساً، كنت أشعر بالحزن والأسى والأسف والتشاؤم حين أرى طالباً مجتهداً حصيفاً وذكياً متوقد الذهن، وأقول أي مصير بائس ينتظر هذا الكائن الحي، وأية لعنة حلت به من السماء، وأشعر بالشفقة والعطف عليه لأني كنت أعلم تماماً أنه ولد في المكان والزمان والخاطئين، والتوقيت غير المناسب على الإطلاق، وأنه لن يكون له أية فرصة كريمة في الحياة في ظل انقلاب المعايير وانعدام العدالة والمساواة وتسيد الجهلة والأغبياء، لأن "حماراً" وفاشلاً من أولئك "المقربين والمحظيين"، سيحتل مكانه، وسيسطو على كل حقوقه في الحياة، وسيدخل صاحبنا الألمعي المسكين هذا في نفق العوز والحاجة.

 وكم كنت أعجب، وأشد على أيادي الطلاب الأغبياء والفاشلين، وأخطب ودهم، وأبشرهم بمستقبل مشرق وواعد، وأطلب صداقتهم، وأعمل جهدي وأحرص على عدم إزعاجهم وتوفير كل مناخات الراحة والاسترخاء لهم، وعدم توجيه كلمة نابية لـ"سيادتهم" أو جرح مشاعرهم رغم ما كان يبدو عليهم من افتقار مطلق لأية مشاعر وأحاسيس مرهفة، ومصابين بتبلد ذهني واضح و"تمسحة" جلدية ظاهرة، وعاهة مستديمة في المخ والفم، وذلك لمعرفتي ويقيني التام بأنه سيكون لهم شأن كبير في الحياة في عالم العربان، وفي المستقبل، وسيصبحون سادة، يحلون ويربطون، في هذه المجتمعات. وكم كان حدسي صحيحاً، ورؤيتي ثاقبة وصائبة، حين قابلت بعد سنين طويلة من تلك الأيام العجاف السوداء، رجلاً كان من أكثر الطلاب غباء وتناحة وانسداداً في شرايين، وتسطحاً في تلافيف المخيخ والدماغ، وقد أمسى مشهوراً ذا شأن يحل ويربط وعليه آثار النعمة والسطوة ويشتري الشهادات العليا والألقاب التي لا يحلم بها حاملو شهادة نوبل في مجال العلوم والذرة والفيزياء.

 وتلميذ آخر ممن كانوا شعلة من الذكاء وجذوة من التوقد الخلاق، وقد وقف على ناصية الشارع يبيع أوراق اليانصيب للناس، رث الثياب، حائراً، وفي حال. وحين ترى بعض التصريحات الصحفية والمقابلات الإعلامية لبعض من مسؤولي ومتفوهي العربان الكبار، وشخصيات بارزة تعمل في الشأن العام، حيث يتلعثمون في الكلام وينصبون الفاعل ويجرون المبتدأ، هؤلاء الذين يتحكمون بمصائر مئات الملايين من الشعوب ويديرون ثروات ومقدرات هذه الأمم تدرك مدى الكارثة والبلاء الذي حل بالعباد، وستتأكد من صحة زعمنا هذا، وتتساءل أين ذهب وراح أولئك الطلبة المبدعون الأذكياء والموهبين، وماذا فعل بهم الزمان؟

 وكم يصاب المرء بالدهشة والذهول والانصعاق حين يتم الترويج لشخص ما إعلامياً، ولكن حين الاقتراب منه أو يتحدث ويبرز عن "مكنوناته" ومواهبه الفريدة والفذة، تكتشف أنه ليس سوى مجرد "حمار" آخر "معبئ" ببنطال، من الحمير الكثيرين، وأكرمكم الله أجمعين، الذين تعرفهم. والحمير، طال عمركم، هي الحمير، فلا يوجد مثلاً، حمار ذكي وحمار غبي، وقد يكون هناك حمار أكثر غباءً، وحمرنة، من حمار آخر، ولكن بالقطع لا يوجد حمار أذكى من حمار آخر لأن ذلك يتناقض مع القانون الأساسي والطبيعي للحمير، فـ"الحمرنة" هي هوية خاصة ومميزة ومعروفة. وحين اشتعلت ثورة انتقلت ثورة الشارع العربي في مصر، لم يجد الرئيس حسني مبارك غير الحمير، كي يستعين بها في معاركه الأخيرة لتدافع عنه في وجه الشعب الثائر ضد تسلطه وتجبره.

وطبعاً قبلت الحمير هذه المهمة دون نقاش. فلقد كانت "الحمير" معه على الدوام في كل فترات حكمه، وقد كانت "صحبتها" هي من أوصلته لهذه "المواصيل"، فصحبة "الحمير" والاعتماد عليه، هي "نعمة" لا بد ستفضي إلى المهالك. وهكذا اندفعت "الحمير" بكل ما لديها من غباء أصيل للدفاع عن مبارك بعد تمنع الجيش الوطني المصري الباسل عن التصدي وقمع المتظاهرين، وانكفأت قوات الأمن المركزي إلى ثكناتها حين أدركت أن لمعركة محسومة سلفاً، ولم يبق سوى الاعتماد على البغال و"الحمير" للقيام بالمهمة، ولكن ماذا كانت النتائج لكل المعارك التي خاضتها واشتركت فيها وأدارتها "الحمير" على مر التاريخ؟ وأصلاً هل يوجد غير الحمير تقبل أن تدافع عن رجل من مثل مبارك، ومن بعده سيادة العقيد؟ تبدو الحمير، ومن حيث لا تدري، وبغبائها الفطري الشديد، تؤدي خدمات جليلة للجميع. نعم الحمير هي الحل، ولا يوجد، أحياناً، سوى الحمير كي تقضي على بعض الحمير، وتعجل في آجال حمير آخرين، ومن غير الحمير لهذا الفعل النبيل؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز