نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
تنازلات الطغاة العرب قي الوقت الضائع

بعد أن وصلت جموع الزاحفين الغاضبين إلى أبواب قصر قرطاج التونسي، وبعد زمن طويل من التمنع، والمماطلة، والتسويف والقمع والردع والصفع والمنع أعلن الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين ين علي، بعد أن فهم شعبه بعد ثلاثة وعشرين عاماً في الحكم، عن رزمة من الإصلاحات منها تعديل الدستور، وإجراء انتخابات مبكرة، ورفض مبدأ الحكم المطلق وإلى الأبد، وإيمانه بمبدأ تداول السلطات، قائلاً بأن لا رئاسة مدى الحياة، "متوعداً" وليس واعداً التونسيين بالحرية الإعلامية و الصحافية و فتح الإنترنت ورفض أي شكل من أشكال الرقابة عليها، واحترام حرية التعبير والكلام، وتخفيض أسعار السلع والمواد الغذائية الأساسية، ولكن حدة ثورة الغضب الشعبي العارم لم تمهله فـ"نط" على الطائرة الرئاسية في أشهر رحلة طيران في تاريخ الطيران في العالم، وبقية القصة معروفة للجميع.

طاغية آخر سقط على نحو مريع، وهو حسني مبارك، الذي رفض وعلى مدى ثلاثين عاماً، تعيين نائب له، وظل يماطل ويناور، في هذا الأمر وكأن مصر أم الدنيا، وأرض الحضارات، هي "عزبة" له، أعلن أيضاً، بأن لا رئاسة مدى الحياة، طالباً من شعبه إمهاله في الحكم حتى انتهاء ولايته في أيلول سبتمبر من العام الحالي، واستعداده للتنحي في نهاية هذه الفترة، وامتثاله، لتعديل المواد الدستورية المتنازع عليها، وتلكم أمور كان يرفض سابقاً مجرد مناقشتها، أو مجرد الحديث والإشارة لها، كما قام، مرغماً، وفي الوقت الضائع، بتعين نائب له هو الجنرال عمر سليمان، مدير المباحث العامة، كما يطلق عليها في مصر المحروسة، أو أمن الدولة وهو إعلان غير مباشر وإطلاق النار ورصاصة الرحمة على فكرة التوريث التي كانت رائجة وشائعة و"محتملة" على نطاق واسع، لاسيما في ظل احتلال جمال لمنصب رئيس لجنة السياسات في الحزب الوطني الحالم (لا يوجد خطأ إملائي ها هنا) وتسويقه إعلامياً على نحو فج وممجوج.

 كما أعلن عن إقالة حكومة الدكتور "لا نظيف"، بعد ست سنوات في أفشل إدارة للبلاد، وكان أيضاً يماطل في هذه الإقالة، حتى ساعته، بسبب العلاقة النفعية والفسادية مع هذه الحكومة. وثالثة الأثافي، كانت في خطاب الكراكوز "الأزعر" ( لأن حركاته وتصرفاته لا تختلف، البتة، عن تصرفات الزعران)، والمهرج الكبير، الذي سنفتقد على ما يبدو تهريجاته، وقفشاته، وستفتقد مؤسسة القمة، وبكل أسف لسحرها وجاذبيتها وبهلوانياته المضحكة. وبغض النظر عن النيرانية والحدة والتحدي الأرعن، التي أتت في متن الخطاب، ومحاولة إظهار عنتريات فارغة وجوفاء واستعراض عضلات خاو، فالخطاب لم يخل من تنازلات وتراجعات فقد وعد الليبيين بسمن وعسل البترودولار، وأحلام وردية، كانت كوابيساً خلال أربعين عاماً من الحكم الفردي المطلق، وكلام عن أنه بمقدور الليبيين أن يكون لهم أي دستور أو نظام قانوني يريدونه، هكذا وبالحرف الواحد، وقمة الهبل والاستخفاف بسكان الكرة الأرضية فرداً، فرداً قوله بأنه ليس رئيساً حتى يتنحى بما معناه أنه قائد وأب لكل الليبيين، ولا ندري إذن بأية صفة يتصرف، ويأمر وينهي، ومن هو رئيس ليبيا الفعلي؟ إنه لا مانع عنده من أن يضع الشعب الليبي دستورا أو أي منظومة أخرى لتنظيم الحياة في البلاد، لأن سلطة الشعب تصنع القانون"، وإذا لم تكن لدى الشعب ثقة باللجان الشعبية فليمسك البترول بنفسه ويأخذ حصته منه، دون أن يبين كيف ذلك. (لا ندري ها هنا إذا كان فولتير أبو ذر الغفاري هو من يتكلم)؟ وكان اابنه سيف الإسلام قد قال، وتحت وطأة وشدة الضغط والغضب الشعبي، وبتراجع ملحوظ، في خطاب سبق خطاب أبيه بيومين، بأنه سيكون هناك جماهيرية جديدة، ولا ندري، أيضاً، بأية صفة كان يتحدث هذا الأخر "الكريم" إلى عموم الشعب الليبي؟ ولن نعرج، في عجالتنا هذه، على التنازلات الجذرية والدراماتيكية لـ"الشاويش"، والمهرج الآخر، علي الصالح الذي قال بأنه "سئم" ومل الكرسي، فتلك قصة أخرى، ومعركة لم ينجل، بعد، غمامها، ولم يتبين، خيرها من شرها، وسنتناسى مرحلياً، التنازلات الأخرى، والعلنية لسفاح دارفور الماريشال البشير عن تنحيه في نهاية ولايته بعد خراب مالطا، وإعلان الجزائر عن رفع الأحكام العرفية فالأمور في هذه البلدان ما زالت معلقة Pending.

 طبعاً لا قيمة لأي من هذه التنازلات، التي قدمها هؤلاء الطغاة في الوقت الضائع، بعد عقود من التناحة والتعنت وركب الرأس، وتنويم ملفات ساخنة وملحة واللعب والتلويح بها تارة وإخفائها واللعب بأعصاب الجماهير والشعوب بها ولو تم التعاطي معها بأخلاقية وعقلانية واحترام وموضوعية والتزام لربما خففت الكثير من عوامل الاحتقان والانفجار. وهي- أي التنازلات- بالمطلق غير شرعية، ولا قانونية، لأنها أتت بفعل الضغط الشعبي، ومناورة خبيثة لكسب الوقت، في محاولة لإنقاذ أنظمة الحكم المستبدة المتهاوية كأحجار الدومينو، أكثر مما هي، فعلاً، رغبة صادقة، ونية صافية لإحداث أي قدر من التغيير المطلوب أو تقديم "خدمة وطنية"، تصب في المصلحة العامة، ولو أتت في غير تلك السياقات الموضوعية، لكان لنا رأي وكلام آخر، ولكان طالما أنها أتت في اللحظات الأخيرة، لحظات الغرق والنهاية والوداع، فلا قيمة، لا قانونية، ولا دستورية، ولا أخلاقية، وهو الأهم، لها، ناهيك عن استحالة تحقيقها، أصلاً، في ظل حكم العشائر والقبائل والبطون والأفخاذ والعائلات والسلالات والأنظمة الأبوية والبنى الكرتونية المتهالكة التي يسمونها أوطاناً، وشبكة العلاقات الزبائنية والنفعية المافيوزية الأخطبوطية الما قبل وطنية التي تدار بها أنظمة الانهيار والدمار والخراب الشامل، والتي لا يمكن معها إجراء أي نوع من الإصلاح. وبكل أسف، فحين يفهم الطاغية العربي، مسؤولياته والتزاماته، وما يتوجب عليه فعله، يكون كل شيء قد فات الأوان، والندم حين لا ينفع أي ند، وفقط حين يكون قد مضى قطار "الحكم" يا ولدي.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز