نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
سقوط الاستراتيجيات الأمنية للأنظمة العربية

يلاحظ وبشكل يكاد لا يصدق أن كل الإجراءات الأمنية العربية ، كالقمع باستخدام القوة العسكرية والقتل والسحل والسجن واستعراض القوة الغاشم واستخدام البسطار، قد أصبحت من الماضي ولا يستطيع أحد أن يقوم بها اليوم، وسقطت كلها سقوطاً مريعاً حتى الآن في ثلاث من الثورات في ثلاثة من أشد الأنظمة العربية وحشية وبطشاً وانغلاقاً وفتكاً وقمعاً في مصر وتونس وليبيا "سيادة العقيد" صاحب الحلول والنظريات الجماهيرية التهريجية. من كان يتصور أن تتحرك الجماهير الليبية، وبهذا التحدي الشجاع لنظام الحكم القروسطي القلي الديكتاتوري العسكريتاري، في ليبيا التي اشتهر زعيمها الجماهيري بساديته ودمويته ووحشيته وجنون العظمة والغطرسة التي ركبت دماغه واستخفافه بقوة ومشاعر الجماهير وازدراء تطلعاتها تلك الغرائب المتناقضة التي اجتمعت كلها في شخص هذا الطاغية والتي تسيطر عليه، والتي كانت إحدى أهم الأسباب في الانتفاضة والثورة عليه.

 لقد استخدمت الأنظمة العربية حتى اليوم، إستراتيجيات واحدة ووحيدة، تؤكد على وحدة وتوحد هذه الأنظمة في مجابهة والتعاطي مع شعوبها وهي اللجوء للقوة وللحلول والخيارات الأمنية المعروفة من قمع وإرهاب وسحل وقتل والتهديد وسجن وتصفيات وخطف ومص للدماء وتغييب وتجويع وإبعاد وفتح للسجون على مصراعيها أمام كافة الأصوات التي لا تروق لها. ولذا كدّست الأنظمة العربية أحدث آلات القمع وأساليبه المستوردة من الغرب بدل استيراد الحليب للأطفال الجياع، والوقود للشعب البردان، وجندت عشرات الآلاف من المخبرين والقتلة والمرتزقة، (كما يفعل العقيد الليبي اليوم باستيراد مرتزقة وقتلة أفارقة مأجورين للفتك بشعبه)، وأنشأت الأجهزة المتورمة والمتسرطنة وصرفت عليها المليارات من أجل قهر وكسر إرادة الشعوب وتطويعها وتدجينها، ولم تترك نظرية قمعية في العالم، إلا وطبقتها في سبيل تكميم الأفواه، وإسكات كل الأصوات التي ترتفع لانتقادها والنيل منها وتعرية فسادها وبطرها وفجورها التاريخي.

 واستعانت بجيوش مدربة أحسن تدريب من قوات النخبة، والأمن "المركزي" الذي بلغ تعداده في عهد الطاغية حسني مبارك مثلاً، حوالي مليونين من الرجال، مزودين بأحدث المعدات و"الهراوات" والقنابل المسيلة للدموع، والرصاص الحي، والمطاطي، غير أن كل هذا لم يجد ولم يصمد ولا يوماً واحداً أمام هدير وجموع الجماهير المصرية الزاحفة والغاضبة التي كانت تتدفق كالسيل الجارف إلى ميدان التحرير للتعبير عن غضبها، وحنقها، وسخطها، على النظام الذي جوعها، وأذلها، وأهدر كرامة شعبها في الوحل.

 وكذلك الأمر بالنسبة للجنرال الامني زين العابدين بن علي الذي أفنى عمره الدموي في العمل الأمني في قتل وسحل وتعذيب التونسيين، وله باع طولى في القمع والتخلص من المعارضين، وجعل من بلده مقراً ومركزاً لوزراء القمع والقتل والسحل والإرهاب العرب، تعبيراً عن دمويته وعما يضمره من نوايا شريرة وحاقدة ضد شعوب المنطقة المساكين العزل.

 ولم تستطع آلة العقيد الليبي السفاح الذي يوجـّه رصاصه الحي وآلته الدموية الفاجرة نحو صدور المواطنين الليبيين الأبرياء العزل والشباب الثائرين على الجوع والبطالة والفساد والاستئثار بموارد الدولة وثرواتها الخرافية، وضد سياساته التهريجية ويوقع منهم المئات كضحايا في دورة جديدة من العنف والقتل والدم التي صبغت تاريخ هذه الأنظمة وهو يرتكب اليوم واحدة من أكبر وأبشع المجازر الجماعية في هذا القرن، ويأبى أن يغادر المسرح، وهو مغادر إياه لا محالة، من دون أن يكرس تلك الصورة القبيحة والدموية التي ارتسمت حوله، ومن دون أو يولغ ويوغل أكثر في دماء أبناء شعبه الليبي الطيب البسيط. لقد سلبت الأنظمة العربية من مواطنيها كل شيء وأعز ما يملكون وهي إنسانيتهم، ولم تترك لهم أي هامش للعيش بكرامة واحترام، فالتجويع والفقر والحصار واليأس والبؤس وانسداد الآفاق وجلد ظهورهم وتشليحهم وترويعهم وتنكيد عيشهم وقهرهم واستفزازهم بسياسات تعجيزية وضرائب قراقوشسية باتت هي عناوين حياة شعوب المنطقة، وأفقدت هذه الأنظمة إنسان المنطقة أي شعور بالكرامة، ورغبة وحب وتمسك وتعلق بالحياة، حتى فقدت هذه الحياة أي معنى لها بعد أن انتفت منها كل عوامل الفرح والسعادة والطمأنينة والابتسامة والأمل وتساوى الموت والحياة، وأصبح الاثنان سيان لدى الإنسان العربي الذي لم يعد يملك أي حلم أو قدرة على الاستمرار والعيش بأمان وسلام واطمئنان. فخرج ليواجه الموت بصدور عارية معبراً عن سخطه وخيبة أمله العميقة فالناس بكل بساطة تريد أن تموت ولم يعد لها شيئاً تخسره سوى هذا الحياة التي لا تستحق ولا تستأهل أن تعاش، ً وبعد أن لم تترك لها منظومة القهر والسلب والاستبداد أي هدف أو أمل تتعلق به في الحياة.

 لا يستطيع اليوم أي نظام، اللهم سوى أمثال العقيد المهرج المجنون، ارتكاب تلك الحماقات. وستتحول أية عملية قمع على الطريقة القمعية الدموية، فقط، إلى دليل إدانة وتأليب للرأي العام العالمي الذي يغلي اليوم ضد ممارسات العقيد الليبي وتضامناً مع الضحايا الشباب، ولن تثمر البتة، وفي النهاية، وفي إفلات النظام الفاجر من العدالة ومن حكم التاريخ وهناك اليوم ملفات حقوقية تعد وتوثق وبتفاصيل مذهلة ودقيقة بكل هذه الممارسات الشاذة واللا إنسانية لعقيد ليبيا، وقد فكر قادة الجيشين التونسي والمصري، بذلك وتوصلوا لقناعات مطلقة بالتزام جانب الحياد فأية "حماقة" لن تكون في صالحهم، ولن تؤدي إلا بالتسريع في نهايتهم ونهاية أنظمتهم، لاسيما وعيون "الموبايلات" واليوتيوب، والأقمار الصناعية، والفيسبوك، وآليات الإعلام البديل الحديثة تراقب وتسجل كل شيء، والحل بالطبع هو الامتثال وعودة الحقوق المنهوبة لأصحابها، فلا يعقل أن ترفل قلة محدودة بالميارات ويحلم بعض آخر بقروش معدودات، والإذعان لمطالب الشعوب المشروعة في حياة حرة وكريمة، لا تراكم أية عوامل للغضب، وتلك هي السبيل الوحيدة في تنفيس الغضب والاحتقان، والتعايش بسلام وهدوء وأمان. أما غيرها من الخيارات، فهي ليست سوى خيارات انتحارية حمقاء ستزيد نار اللهب، وستساهم فقط في كنس المزيد، والمزيد من الطغاة بشرط أن يجدوا لهم مهبطاً للطائرات.

 واليوم هناك أنباء غير مؤكدة، عن فرار العقيد المهرج إلى مدينة سبها في الجنوب الليبي كما جاء في الأنباء، وهي بداية النهاية لهذا المجرم القاتل المهرج السفاح. فحين تتراكم عوامل الانفجار، وتشتد مشاعر الغضب، ويبزغ فجر الحرية، فلا مكان، على ما يبدو، لأية نظرية، وإستراتيجية أمنية، وحين يصل الإنسان لدرجة اليأس المطلق والرغبة العارمة في الموت، كما فعل القديس محمد البوعزيزي، لا يستطيع أحد أن يفعل معه أي شيء، ويتحول إلى قوة روحية تدميرية مرعبة وخارقة، وبموته، يكتب الأمل، وتبعث الحياة من جديد.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز