الطيب آيت حمودة
aithamoudatayeb@maktoob.com
Blog Contributor since:
17 July 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
الجزائر .... وعبرة الإنتفاضات المجهضة .

 غني عن البيان أن الإستدمارات الغربية انتهجت أسلوب التفريق بين الشعب الواحد لإحكام سيطرتها على مقدرات البلاد والعباد لمئات السنين ، وأدرك الجزائريون بعد عناء جهد اللعبة القذرة ، وفهموا منهلها وبُعدها ،وفجر وا لتقويض سياستها ثورة ( 54 المجيدة ) ، التي وضعت صوب عينها أهدافا استراتيجية صاغتها بحكمة وتبصر مفادها ( أن الثورة ثورة شعبية ) وأن ( قيادتها جماعية ) وأن ( لا مكان للزعامة الفردية ) وهي الثورة التي أثمرت وأينعت بقطفها ثمرة الإستقلال الوطني ، هذا الإستقلال الذي نحن على أهبة الاستعداد للإحتفال بذكراها الخمسين عمرا .
** الجزائر .... قبل الإستقلال .
تجربة الجزائريين مع ا لإنتفاضات المجهضة عديدة سواء أكان ذلك ضد الإستدمار الفرنسي ، أو ضد نظامها السياسي القائم منذ الإستقلال بنمطية واحدة وبأسلوب قائم لحد الآن .
*ففي عهد الإستدمار الفرنسي خاض شعبنا ثورات ( محلية جهوية ) أكثر منها (وطنية )، فكل منطقة يصلها الإستعمار إلا وتثور ، بدأ من ثورة الأمير عبد القادر ، وأحمد باي ، وصولا الى ثورات التوارق في الجنوب مرورا بانتفاضات الزعاطشة وأولاد سيدي الشيخ ، والإخوة الرحمانيين ، وفاطمة نسومر ..... الخ ، فهي عشرات ٌ من الإنتفاضات والحركات طيلة القرن التاسع عشر، غير أنها قمعت (بضم القاف) وأفشلت و تم تدجينها سريعا ، وغيَّر الجزائريون أسلوب الكفاح والمقاومة التي اتخذت الأسلوب السلمي السياسي وفق ثلاث تيارات متباينة في طروحاتها ، منها الديني الإصلاحي ،ومنها الإستقلالي ، ومنها الإدماجي ، ومنها اليساري ، وأبانت عن خلاف زج بالشعب في أتون الشقاق والخلاف والنفاق ، فلولا أحداث الثامن ماي 1945 ، وما أعقبها من ثورة التحرير لبقي حالنا رهين الإستعمار .
*ثورة التحرير الكبرى ( 54/62) هي الوحيدة التي استقطبت الجميع ، وهي الوحيدة التي جمعت المجهود مركزا ، بفضل مبادئها وقوة بأسها المستمد من وقود لا ينضب ( الشعب ) رغم وجود اختلالات شابتها ، لكنها حافظت على وهجها وصدق منهجها خاصة عند فرض سلطانها على البلاد جميعا ، و إرباكها لفرنسا خصوصا التي أجبرت على الخضوع للإرادة الثورة الشعبية عبر سلسلة من التفاوضات ، انتهت بإعلان استقلال الجزائر في 5 جويلية 1962.
** الجزائر ... ..بعد الإستقلال .
في عهد الإستقلال كان الجميع يحلم بدولة جزائرية تظلل الجميع ، في إطار دولة (مدنية ) تستبعد من أجندتها الخلافات التاريخية ، والإثنية ، والعقدية والفكرية ، والإديولوجية ، لينعم الكل بخيرات البلد وبشمسها الدافيء ، وطبيعتها الخلابة ، التي هي مثار وابل من الحسد علينا ، باعتبار أننا لسنا أهلا لهذه النعمة ( الوطن) الذي لم نحمد الله على تملكه وصونه لنا لا لغيرنا بعد تحريره.
وأهم ما ميز البلاد بعد استرجاع السيادة الوطنية ، هو طغيان الساسة والسياسة ، وتحجيم للمعارضة ، وتغليب للعسكري على المدني ، و التنفيذي على التشريعي ، استبداد في الحكم ، وتوسيع في صلاحيات الرئيس ، أسوة بالجمهورية الفرنسية الخامسة ، أوالنظام الرئاسي الإمريكي ، مع بروز نمو اقتصادي لم يكن متكافئا مع مقدرات البلاد، إما بسبب النمو الديموغرافي المتسارع ، أو لوجود اختلالات واختلاسات في التسيير ، مع ما عاصرها من نهوبات ، و شابها من تحويلات مشبوهة بآلاف الملايير ؟؟!!!..خاصة أيا م الإنفتاح الإقتصادي الذي أعقب وفاة (هواري بومدين ) في 1979 ،مرورا بالعشرية السوداء ، وزمن ( آل خليفة ) الذي اتخذ مطية للفساد ونهب المال العام بمباركة من النظام ، فلو استغل ذلك الخير كله لصالح الشعب لما كانت الفاقة ، ولما كانت الإحتجاجات ، والإضرابات ، والانتفاضات الشعبية العفوية .
** قام الجزائريون بانتفاضات عدة زمن الإستقلال ، في 1980 ، وفي 1988، وفي 1991 ، وفي 2001، غالبها ممركز على المطالبة بالتغيير والحكم الراشد ، غير أن ذلك الحراك وتلك الإنتفاضات الدموية كثيرا ما أجهضت بالكلام الديبلوماسي المعسول ، والوعود البراقة التي سرعان ما توضع في الرفوف ضمن الأرشيف ، أو ترمى في سلة المهملات .... وبقيت دار لقمان حالها منذ الإستقلال إلى يومنا هذا ، حيرة ، وفساد ، ونهب للمال العام ، وحكم بوليسي استبدادي .. لا يتواني لحظة في تفكيك الشعب وفق أجندة فرق تسد كما شاهدنا ماضيا ونشاهد حاليا ( كسمة مشتركة بين الحكام العرب ) ، وبلغ الذل والحرمان لدى الشباب أن ارتموا في أحضان الهجرة السرية ، وكثيرهم أكله حوت البحر المتوسط ، وفيهم من مارس الحرام ، وهو في نفسه مرددا للقول المأثور :
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على النفس من وقع الحسام المهنّد
ولعل ما نشاهده من تمزيق للشعوب في اليمن ، والبحرين ، وليبيا حاليا بين مناصر للنظام ، ومقارع له سوى نسخة ننتظرها عندما يصل دورنا الفعلي للقيام بالثورة ، وما كنا نعانيه أيام الإستدمار الفرنسي ، تكرس على يد ذوينا مجددا وبأساليب مثيلة ( فرقهم لتكون سيدا عليهم) ، وهو ما ترآى البارحة للعيان في باحة الوئام التي يمكن تسميتها من الآن فصاعدا ( ساحة الخصام ) بعد الشنآن الذي رافق العصيان بين ( الشعب يريد اسقاط النظام ) و بين( الشعب الذي يريد إسقاط المظاهرات ) .
مجمل القول هو أن الإنتفاضات الشعبية مآلها الخسران إذا لم يتكاثف الجميع في انجاحها والشعور الحتمي في تغيير الواقع من ملمحه المتردي العفن ، إلى ملمح جديد يتناغم فيه الجميع بحرية وإرادة ورغبة في تكوين مجتمع مدني يدرك بأن الدولة في خدمته ، وليس العكس ؟ وإذا كان النظام عرف المبتغى لنفسه ، وأدرك سبل تحقيقها والحفاظ عليها بمختلف الأساليب ولو بانتهاج سياسة مكيافيلي ، فإن شعبنا الجزائري ما زال يعيش مخاضا هوياتيا عسيرا فهو بين الشرق والغرب حائر ، وبين الإسلام والعلمانية متوجس ، وما بين مضادة النظام ومسايرته منقلب ، فإلى زمن جديد وهزات فاعلة قد توقضه من زلاته الرجيمة ، والتي بإمكانها أن تجعله شعبا جديرا بالحياة ، وهل ما أدركة جيل 54 سيدركه جيلنا الحالي ؟؟؟ ، ذاك ما سينبؤنا به الحراك الجزائري المتماهي مع الحراك الثوري العام الذي نعايشه هذه الأيام من عدن إلى المنامة وإلى بنغازي ليبيا ، ثم إلى جيراننا الأقرب في مملكة المغرب ، ونبقى دائما حائرين في الإجابة عن سؤال : لماذا ثار جيراننا وتخلفنا نحن ؟ ونحن وأياهم في الهم سواء ، ولماذا انتفاضاتنا يشوبها الشك ؟ ويعتريها الفشل ؟ ونتائجها غير مضمونة العواقب ؟ وإن نجحت فهي حراك شعبي إصلاحي أكثر منها (ثورة ) بالفهم الحقيقي للثورة .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز