مضر زهران
mudar_zahran@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 May 2010

خبير اقتصادي وكاتب -باحث في درجة الدكتوراة مقيم في لندن

 More articles 


Arab Times Blogs
فلسطينيو الأردن في خطر... الهاشميون، أساس المشكلة ج1

 في أثر الصدمات المرتدة لزلزال تونس وتسونامي ثورة مصر، أخذت كافة الدول العربية القمعية تتحسس رأسها، وبالطبع، كان الأردن من أوائلها، فالنظام الهاشمي لا يوازي النظام الساقط في مصر لا قوة ولا إقتصادا ولا عمقا ولا أهمية. ولعل أهم هذه الإختلافات بين الهاشمين وبين النظام المصري السابق هو أن الهاشميون ليسوا أهل البلاد الأصلين، فهم طارئون على البلاد، بل وعلى المنطقة، فقد جاءوا من الحجاز وحصلو على دولتهم كصفقة إعتبرت في حينه غير مرضية للهاشمين حيث أعطاهم الانجليز شرق فلسطين مقابل ما كانوا يحلمون به، وهو مملكة عربية شاملة تشمل على الأقل بلاد الشام كافة، والعراق.

 منذ البداية، أدرك الهاشميون أن الشرق فلسطينين لن يرضوا بهم حكاما بسهولة، فكان الحل تقليديا، جاءت به وزارة المستعمرات البريطانية التي وضعت الهاشمين في الحكم، وهو تأسيس عصبية ما، ومن ثم ربط الدولة بتلك العصبية، وقد كان، فإبتدعوا إسما للدولة الجديدة وهو "الأردن"، ولأول مرة منذ الاف السنين اصبح لمنطقة شرق فلسطين اسم مختلف عن غربها بالمعنى السياسي والإثني. فما يعرف الأن بالأردن، عرف تاريخيا باسم عبر الأردن او بادية فلسطين أو حتى بادية الشام، إلا أن كلمة "الأردن" لم تطلق قط إلا على النهر الذي يشترك فيه غرب فلسطين مع شرقها، على سبيل المثال، سميت إمارة شرق الأردن فيما بعد بالمملكة الاردنية الهاشمية، ومرة أخرى، لماذا تم إلإصرار على إقحام الإسم المبتدع "الأردن" ، فلم تكن المملكة العربية الهاشمية مثلا، كما هي المملكة العربية السعودية؟ هذا الـتأسيس لعصبية الدولة بصورته المفتعلة والوهمية، أثبت أنه عصب إستمرار حياة الدولة الهاشمية في شرق فلسطين والتي أصبحت اليوم الأردن.

 فكأنما كان الهاشميون ومستشاريهم من الضباط الإنجليز (من بعد لورنس العرب) يعرفون ما قد يحدث، فإنضم الجزء المتبقي من غرب فلسطين إلى شرقها تحت حكم الهاشمين في العام 1948 بعد تأسيس دولة إسرائيل، وتبع ذلك وحدة دستورية عام 1951. هذا الإنضمام كان غريبا جدا في تكوينه وفي نوعه، فالفلسطينيون وقياداتهم السياسية أرداوا تكوين دولة في ما يعرف اليوم باسم الضفة الغربية، إلا أن الهاشميون اصروا على البقاء وأصروا على ضم الضفة الغربية تحت حكمهم. بالطبع، كانت "الضفة الغربية"، كما إختار الهاشميون تسميتها، تعج بالسكان والخيرات والحركة الإقتصادية والمناظر الخلابة وجيوب دافعي الضرائب الفلسطينين.

 فتعداد سكان غرب فلسطين كما كان أول تقدير له في القرن العشرين في فترة الحكم العثماني، والذي أعلن في عام 1914 في مطلع الحرب العالمية الأولى. وقدر بـ 689.275، في حين أن مراسلات الحكومة البريطانية للفترة ما بعد الحرب العالمية الأولى تقدر عدد سكان غرب فلسطين بحوالي خمسين ألف على الأكثر، مما يعني أن عدد الشرق فلسطينين كان يقل عن عٌشر الغرب فلسطينين في أحسن تقدير. إذا، فالضفة الغربية هي ما جعل للهاشمين حقا مملكة. منذ اللحظة الأولى لتولي الهاشميين السلطة على الجزء الغربي من أرض فلسطين، كانوا يعلمون تماما أن ما حصلوا عليه إنما هو إقتطاع إضافي من أرض فلسطين الكبري والتي اعترفت بها الخرائط الدولية بما فيهم الإنجليز انفسهم، ولذلك اسموا المنطقة التي إحتلوها باسم الإنتداب البريطاني على فلسطين، The British Mandate of Palestine لذلك، عمد الهاشميون على تأسيس الفرقة لأجل السيطرة، فهم كانوا ولا يزالوا الحلقة الأضعف عددا، وتاريخا بين شقي الشعب الفلسطيني بغربه وشرقه، أو بين "الأردنين" و"الفلسطينين" كما يحب الهاشميون تسميتهم.

 فرغم توفر مناصب شاغرة كبرى في الدولة الهاشمية والتي اتسعت رقعتها وعدد سكانها عام 1948 أبان الوحدة مع غرب فلسطين، كان من الغريب ان الهاشميون لم يسمحوا للفلسطينين بالدخول في الجيش أو الأجهزة الأمنية إلا بشكل سطحي وبطريقة شكلية إستعراضية. إضافة إلى ذلك، كانت أجهزة الأمن التابعة للهاشمين تتعامل بقسوة وفضاضة غير مبررة مع الفلسطينين على أرضهم، على سبيل المثال، أمعن سلاح الفرسان التابع للهاشمين، والمكون بأكمله من بدو المملكة الهاشمية، أمعنوا إذلالا وعنفا في التعامل مع عموم الفلسطينين في الضفة الغربية، إضافة إلى أن الهاشمين جعلوا الفلسطينين في الضفة الغربية يستبدلون الإدارة المدنية البريطانية المتقدمة، على كل علات الإستعمار، بالإدارة غير المؤهلة من البدو والبسطاء من شرق النهر، وهم بلا ريب أقل علما وتأهيلا من اخوتهم غرب النهر وفي نفس الوقت منعو الفسطينين من خدمة أنفسهم عبر العمل الحكومي.

 هذه المعطيات جعلت الفلسطينين ينظرون إلى الوجود الهاشمي كإحتلال لبلدهم، وهو شعور، بالمناسبة، كان أخوتهم الشرق فلسطينيون يشاطرونهم إياه، حيث رفضت الكثير من البلدات في شرق فلسطين إستقبال الأمير القادم من الحجاز عند تأسيسي الإمارة، كما فعلت السلط مثلا، بل وأن المدن الأردنية (فيما بعد) كثيرا ودائما ما ثارت على الهاشمين ورفضت سيطرتهم وسلطتهم، إلا أن هذا الأمر تغلب عليه مستشارو الأمير عبدالله، (الملك فيما بعد)، وتحديدا البريطاني جون باغوت غلوب، المعروف بغلوب باشا، وايضا "بأبو حنيك" بسب شكل ذقنه الغريب، حيث كان غلوب يوظف أبناء القبائل في الجيش والأجهزة الأمنية لإمتصاص غضبهم ولربط منفعتهم بالدولة الهاشمية وبقائها.

 وعند سيظرة الهاشمين على الضفة الغربية، إستخدموا أبناء القبائل الأردنية للسيطرة على الأغلبية الفلسطينية، فهي معادلة مضمونة لبقاء الهاشمين في الحكم وتحولهم من الحلقة الأضعف إلى القطب الاشد قوة. توسع الأمر عند سقوط الضفة الغربية في يد الإسرائيلين في عام 1967، فالفلسطينيون شعروا بالغيظ من كون الجيش الأردني لم يقم بمهمته في حماية الأرض التي كانت تحت سيطرته، فرغم الرويات التي يعترف بها الإسرائيليون انفسهم عن بطولات فردية من قوات الجيش الأردني إلا أن الحقيقة الأهم هي أن الملك حسين كان يسعى إلى الحفاظ على ملكه شرقي النهر وليس غربيه، وكذلك كان يفعل قادة جيشه. فر الفلسطينيون إلى ما هو اليوم "الأردن" والذي هو جزء من فلسطين بحكم القانون الدولي والتاريخ، وبحكم الدستور الأردني الذي كان ينص أن الضفة الغربية والشرقية هي ارض واحدة.

 إلا أن ما لاقوه من الهاشمين كان غير ما تخيلوه. فمنذ اليوم الاول تعامل الهاشميون مع الفلسطينين في الأردن على أنهم لاجئين ومشكلة إنسانية وقانونية وشرعية يجب التعامل معها،ـ وبذلك أبدع الهاشميون ، وحتى اليوم، في تلقي المساعدات المهولة من الدول العربية والأجنبية بإسم اللاجئين الفلسطينين، ولكن كان الحال فريدا جدا، في أن الفلسطينيون في تلك المرحلة قليلا ما تلقوا اي خدمات من الدولة الهاشمية، فوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين كانت تقدم لهم التعليم والعلاج والمسكن، ورغم ذلك كان الهاشميون يتلقون المنح المالية الضخمة.

 تطور الأمر إلى إحتقان مزمن وغضب متأصل لدى الفلسطينين في الأردن، امتص ذلك الغضب بسرعة من قبل الفضائل المسلحة الفلسطينية، التي إستوعب عددا هائلا من الشباب الفلسطيني الذي وجد نفسه بلا وطن (حيث أصر الهاشميون والدولة الأردنية على أنهم مجرد لاجئين)، فأصبحوا ينخرطون في بازار شامل سياسي للفصائل المسلحة، فعمت الفوضى والهرطقة السياسية وتوسع الأمر إلى ممارسات مزرية وإهانات لعموم المواطنين بما فيهم الفلسطينين، وكذلك الأردنين، كان الأمريكيون يقفون على مسافة واحدة من كلا من الفريقين، منظمة التحرير الفلسطينينة في الاردن ورئيسها عرفات، والمملكة الهاشمية وملكها حسين بن طلال، وتعثرت المساعدات الماليةالأمريكية للملك، وأحس الملك بعدم قدرته على السيطرة على البلاد، بل وأنه على وشك أن يخسر عرشه.

 في تلك الفترة، جاء الملك بشخص براغماتي جدا مشهور بقسوته وبميكفيليته العالية، نذير رشيد، السوري الاصل، والذي عينه الملك حسين مديرا للمخابرات، بعد أن كان قد إنقلب على الملك وأوشك على إسقاط نظام حكمه. تعيين نذير رشيد كان جزءا من الإبداع الهاشمي في لعب لعبة الإثنيات، حيث دائما ما إستعان الهاشميون بالأقليات لتثبيت حكمهم، مثلا، معظم خاصة القصر الهاشمي هم من الشركس، وهؤلاء هم أقلية صغيرة جدا في المجتمع الأردني، وكذلك يعد الشيشان والسوريون أقرب المقربين لمؤسسة الحكم، ونذير رشيد كان سوري الأصل من جذور قوقازية، فهو يمثل أقلية الاقلية.، وهم متلهف على أن يثبت ولائه للملك بعد خيانته التي أوشك أن يعدم بسببها.

 أبدع نذير رشيد في تأجيج الوضع بدهاء شديد، بل وإعترف في حواراته الشهيرة مع أحمد منصور على قناة الجزيرة أنه كان يدفع الملك حسين دفعا للمواجهة مع الفلسطينين، إضافة إلى ذلك، ثبت بشكل شبه قطعي تورط المخابرات العامة الأردنية في إعمال عنف وإرهاب للمواطنين وهم يلبسون الزي العسكري التابع للفصائل الفلسطينية، ورغم كون الفصائل الفلسطينية نفسها قد مارست الكثير من التجاوزات المفرطة، إلا أن هؤلاء المزيفين كانوا يمارسون تجاوزاتهم على الأردنين من ابناء القبائل، مما أثار حقد وحمق هؤلاء على الفلسطينين، ايضا قامت المخابرات العامة الأردنية بإستخدام أفضل الأسلحة لديها وأقلها تكلفة، وهو الإشاعة، والذي لا زال حتى اليوم من أهم وسائلها الدارجة، فإنتشرت القصص الأسطورية بين الأردنين عن جرائم الفلسطينين بحق أبنائهم، وخصوصا حكاية "أن الفلسطينين كانوا يدقون مسمارا أسفل ظهر أي جندي أردني".

 وقعت الفظائع، استخدم الجيش الدبابات وقصف بها البيوت مباشرة. روى الصحفي البريطاني باري كالاهان في تغطية نادرة له للحرب الأهلية الأردنية عام 1970 كيف أن "الدبابات البدوية تقصف أي منزل فلسطيني بمن فيه من أطفال وأسر لمجرد أن يظهر عليه مسلح فلسطيني واحد". كذلك أبدع الجيش الأردني في إرتكاب المجازر الترويعية النوعية ولكن ليس على نطاق شامل، ومن أشهرها مجرزة مستشفى البشير الشهيرة، حيث قامت قوات حرس البادية بإلقاء كافة المرضى أحياء في حفرة كبيرة ودفنتهم احياء، ورغم عدم وجود اي توثيق أكيد لهذه المذبحة إلا أن تكرار روايتها على لسان سكان المنطقة ممن شاهدوها وصل إلى حد التواتر، بل أن منهم من يشير بيده حتى اليوم إلى موقع دفن الضحايا.

 منذ تلك الفترة المقيتة في العام 1970، لم تنته معاناة الفلسطينين في الأردن. فبشكل ممنهج ومدروس تم إقصائهم عن الوظائف الحكومية، والمناصب الحساسة، ووظائف أجهزة الأمن والشرطة والجيش، بل والوظائف الأكاديمية، والإعلام. أيضا، تمت هندسة النظام التعليمي والإجتماعي بشكل مدروس وفائق، بحيث تم إقصاء هؤلاء كلية عن اي فرصة للتاثير في المجتمع الذي يشكلون أغلبيته. ورغم إصرار الحكومة الأردنية على إنكار مثل هذه الممارسات وإدعائها أن كافة الأردنين سواسية، نجد أن تقارير منظمة العفو الدولية لأكثر من عشر سنوات، ومنظمة هيومن رايتس ووتش، وتقارير وزراة الخارجية الأمريكية والدراسات الأكاديمية المختلفة في الجامعات الدولية العريقة، جميعها تشير إلى أن التمييز ضد الفلسطينين هو تمييز ممنهج، ومدروس ومتعمد. إلا أن هذا التمييز، قوبل بتعود الفلسطينين عليه مقابل حد أدنى من الأمان والقدرة على ممارسة النشاط الإقصادي، ولكن، هذا الحال على وشك التغير بالكامل، ففلسطينيو الأردن في خطر إقتصادي وأمني وسياسي ومعيشي محدق، قد يكلفهم أكثر مما يدركون

. يتبع في الجزء القادم.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز