نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
باي باي: في رثاء معسكر الاعتدال العربي

بدا سعد الحريري مرتبكاً وحزيناً، وكمن يرثي نفسه وتياره، ويندب حظه في الكلمة التي ألقاها أول من أمس، إذ يبدو أن ارتماءه في حضن السعودية، التي ترمز لما يسمى بعسكر الاعتدال العربي المهزوم، لم يجلب له سوى الشؤم والخسارة والخروج من رئاسة الوزارة التي أتاها على ظهر وبسمعة وأموال والده رفيق الحريري.

 ولعل إلقاءه للكلمة التأبينية في الذكرى السنوية للاغتيال في صالة مغلقة يرمز وعلى نحو واضح لا يرقي إليه الشك، إلى انحسار نفوذه السياسي ونفوذ تياره الذي قاده "صبيانه" ومنظريه، ولجهل مطبق بحقائق التاريخ والجغرافيا، وأبجديات العمل السياسي، إلى هذه النهاية المحزنة، التي ما كنت لنتمناها لهم، لا وأيم الحق الذي فيه يمترون.

ومن يدري فقد يكون التأبين والذكري السنوية القائمة، ربما فقط في محيط قصر قريطم، ما يعني، رمزياً، مزيداً من الانحسار، وربما خروجاً نهائياً من الحياة السياسية اللبنانية، بعد أن تكون "فبروكة" المحكمة وشهود الزور قد انكشفت على حقيقتها، وبان "المستخبي" وانفضح كل شيء، وما كانت مطالب قابلة للتحقيق هذه الأيام، ستصبح أحلاماً مستحيلة عند ذاك، نقول من يدري، وربما، أليست السياسة فن الممكن؟ وهل علم أو تعلم السيد الحريري، أن صحبته مع السعودية لم تحقق له شيئاً من طموحاته السياسية، ولسان الحال يقول ": الحق البوم يدلك على الخراب". بالتزامن مع الانهيارات في جدران الاعتدال العربي، تونس ومصر، تخرج السعودية من لبنان من الباب العريض ، وبمرارة وغضب يخفيه هذا الصمت المريب حيال ما يجري من تطورات ساخنة كلها تسلبها كل قوتها وأوراقها، ولم يعد لها أي وجود وتأثير وباعتراف الخارجية السعودية ذاتها التي نصحت رعاياها بعدم التوجه إلى لبنان، بعد أن كان قبلتهم ووجهة سفرهم الأثيرة قبل التطورات الدراماتيكية الأخرى، بسبب الإصرار على استخدام ورقة المحكمة للابتزاز والاستقواء، والتعويل عليها كثيراً في فرض مطالب وشروط تعجيزية على صعد مختلفة ولاعبين مختلفين على الساحة اللبنانية.

 واللطمة الموجعة الأخرى، والأكثر إيلاماً، لما يسمى بمحور الاعتدال العربي، أتت، وإنما من القطب الرئيسي، وحامي حمى ورمز معسكر الاعتدال العربي مصر، وبشخص رئيسها حسني مبارك، الذي تلقى ضربة أمريكية من العيار الثقيل وتحت الحزام، لم يكن يتوقعها كمكافأة نهاية "خدمات" وليس خدمة، وذلك بالنظر لكل تلك الخدمات الجليلة والكبيرة التي قدمها وحافظ عليها، بالنسبة للمصالح الأمريكية وأمن إسرائيل، ولاسيما فيما يتعلق بحصار غزة المشين، الذي تحدى فيه كل مشاعر العرب والمسلمين في المنطقة.

وتبدو اليوم دولة مثل الأردن، ثالثة الأثافي الأهم في المحور السعودي-المصري-الأردني "السابق"، في حالة تيه وضياع وفراغ استراتيجي واضح، والتي لم تعد، وكما ينبغي وتفرض بعد هذه الدروس القاسية، تعول كثيراً في بقائها، وأمنها كثيراً على إسرائيل وواشنطن بعد أن خذلت أهم و"أعز" حلفائها في المنطقة، فالنظام الأردني يترنح اليوم بسلسلة الفضائح الفسادية والمالية التي تطال الأسرة الحاكمة وممارساتها والاستئثار بالثروة وتوزيعها على الأقارب، وما بيان العشائر الأردنية إلا دليل على استفحال الوضع ناهيكم عن التحدي العلني ومالمباشر والمواجهة الساخنة والمحتدمة بين ليث شبيلات والأسرة الحاكمة، كما تابع الجميع المظاهرات الشعبية الأردنية العارمة للجياع والفقراء والمحرومين والمهمشين في مختلف المحافظات الأردنية مطالبة بالعدل والمساواة.

 في هذا الوقت يتوسل المبعوثون الغربيون والأمريكيون، والوسطاء المختلفون، رضا وبركات ملالي إيران، ويحاولون فتح أية قنوات للتفاوض معها، حول قضايا عدة أهمها الملف النووي، وأمن الخليج والدور المرتقب لإيران فيه، أي أن أمريكا ستتفاوض على "الخليجيين" ومصيرهم مع إيران. وقد كان سقوط نظام حسني مبارك كانهيار لسد استراتيجي يقابل ويقف بوجه ما يسمى بالمد أو التوسع الإيراني في المنطقة. ولن نعرج على الوضع في اليمن وعلاقة سيادة الشاويش مع واشنطن وتنسيقه الأمني الكبير معها، وسماحه لطائراتها بقصف مواطنيه، فالأمر أكبر من خبر صحفي ومادة إعلامية، واقل من فاجعة وكارثة وطنية، وبقية القصة معروفة للجميع، فسقوط وانهيار نظام الشاويش هي مسألة أيام وربما أسابيع على أبعد تقدير، هذا إن أفلت البلد من حرب أهلية أخرى، لا تبقي ولا تذر هذه المرة.

ويبدو أن الدور اليوم، قد وصل إلى ما يسمى بمملكة البحرين، دولة قبيلة آل خليفة، وهذه واحدة أيضاً من أوثق حلفاء واشنطن في المنطقة، وتتمركز فيها القاعدة البحرية التي تحتضن الأسطول السادس الأمريكي في ميناء سلمان شرق المنامة، فالاحتجاجات بدأت وستأخذ ولاشك طابعاً عنيفاً ودموياً، وتشهد تحولات دراماتيكية مع سقوط اثنين من القتلى، حتى الآن، في مجتمع صغير مغلق قبلي وعشائري وذي استقطابات مذهبية عميقة وحساسة جداً تهيمين على مشهده وولاءاته السياسية، وطبعاً لا ننسى وجود إيران على الخط وفي خلفية المشهد، وربما كان لها "أصابع" في الاضطرابات، واعتبار الإيرانيين، علنياً، لهذه المشيخة الخليجية كمحافظة إيرانية، وإن سقوط النظام "المعتدل" هناك بقبضة "شيعة" البحرين، أو أي زعزعة للأمن والاستقرار ولهيبة "المملكة" سيكون أكبر هدية تقدم لإيران، أيضاً، على طبق من ذهب، وعلى مرأى ومسمع الأمريكان، الذي يبدو أنهم لن يسعوا لتقديم أية خدمات للملك البحريني كما فعلوا مع زميله الفرعون المصري.

 معسكر الاعتدال العربي يتهاوى ويتداعي وفي حال يرثى لها، فهو وكما يقول المثل لم ينل ول طال "لا عنب الشام، ولا بلح اليمن"، وخرج من دنيا السياسة بخفي حنين، يد من وراء ويد من قدام. فهو لم يستطع أن ينال احترام ومحبة شعبه الذي انتفض بوجهه غاضباً، كما لم يستطع كسب وضمان ود وولاء وحماية حلفائه الكبار فيما وراء البحار. و"حلها يا حلال. فهل يستحق هذا المعسكر أي قدر من الرثاء؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز