سري سمور
s_sammour@hotmail.com
Blog Contributor since:
27 January 2010

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
كامب ديفيد....الحرية أولا..الحرية دائما

 

رفض عنترة بن شداد العبسي المشاركة في قتال من هاجموا مضارب عبس قبل أن ينال حريته؛فالعبد كما قال هذا الشاعر والفارس المغوار لا يحسن الكرّ،بل يحسن الحلب والصرّ،لهذا أطلق والده العبارة التي مثلت صكّ الحرية لابنه الشجاع:كرّ وأنت حرّ،فعنترة رغم بلاغته وشجاعته وفروسيته،لا يرى بأنه مكلف بالذود عن حيّ عبس ما دام بدون حرية وكرامة!

وحين هاجم الحلفاء قوات الجيش العثماني استبسل جنده من الأتراك في أكثر من موقع في الذود عن بلاد العرب التي كانت تحت حكم سلطنتهم،إلا أن الناس وبسبب القمع الشديد الذي مارسته أجهزة السلطنة في سنيّها الأخيرة لم يكترثوا،والبعض أحيانا استغل ظرف الحرب الدائرة لنهب وسلب الجنود الأتراك،ويشهد الأتراك لأهالي فلسطين عموما ولأهل غزة خصوصا بأنهم قاتلوا الإنجليز وإياهم بمنتهى الشجاعة؛هذه الشهادة من باب الاستثناء لما حصل،وسقطت البلاد في أيدي استعمار قسّمها وأذل أهلها،وزرع الكيان العبري لاحقا،ولو شعر الناس بأنهم أحرار ولهم كرامة وعزة لكانت القاعدة هي الوقوف مع الجنود الأتراك،والاستثناء هو العكس،ولكن جيوش وقيادة الحلفاء أدركت بأن شعوبا بلا حرية وكرامتها مسلوبة لن تقف في وجه العدوان،حتى لو كان الجندي التركي يدافع عن أرضها وشرفها ويشاركها الدين والمعتقد والمصير،بل إن الحلفاء وجدوا من يتعاون معهم بسلاحه وجهده ومعلوماته لطرد العثمانيين وليكن ما يكون!

وقصف العراقيون قلب الكيان العبري بتسعة وثلاثين صاروخا أثناء حرب الخليج الثانية(عاصفة الصحراء حسب التسمية الأمريكية) وتحدى صدام حسين أمريكا؛وبينما كان بوش الأب يستقبل كملك للأرض في غير دولة،فإن صورته قد رسمت على أرضية مدخل فندق الرشيد كي تدوسها أحذية الداخلين والخارجين،وفي ذروة انتفاضة الأقصى شكّل صدام «جيش القدس» وقدم لذوي الشهيد الفلسطيني 15 ألف دولار ولذوي الاستشهادي 25 ألفا،ولكن حين اجتاح الأمريكان والبريطانيون أرض العراق سقط الجيش وانهارت الدولة ومعها النظام،بلا مقاومة تذكر في العاصمة بغداد ،بل كان التعليق الممزوج بالغيظ والأسى بأنه لو كانت الدبابتان فوق جسر الفردوس، في جنين أو نابلس لتصدى لهما الشبان بسلاح خفيف أو حتى بالحجارة والقاذورات،كنوع من التعبير عن رفع صوت المقاومة للاحتلال وتأكيد على رفضه بما هو متاح،ولكن هذا لم يحدث في بغداد،رغم أن سقوط واحتلال العراق يمثل ضربة قاصمة للعرب والمسلمين وبالتأكيد للشعب العراقي،ولكن هذا الشعب لم يدافع عن دولة غمره إحساس بأنها اختزلت في حزب واحد،واختزل الحزب في فرد أو مجموعة أفراد،وكأن لسان حال الشعب يقول:لا شأن لنا؛فليدافع أصحاب الدولة المتنعمين بثروتها،والمستأثرين بإدارتها،عن وجودها وكيانها!

الأمثلة الثلاثة السابقة تدل على أن الانتماء للقبيلة أو للمجتمع أو للدولة والكيان لا وجود له إذا شعر الأفراد بأن حريتهم وكرامتهم مسلوبة تحت أي عنوان أو مسمى؛سواء كان شعارا برّاقا من قبيل «المصلحة القومية والوطنية العليا...لا صوت يعلو فوق صوت المعركة..لنتصدى جميعا لعدو مشترك يتربص بنا...إلخ» أو تنظيرا عقيما مفاده أن أمتنا لم تنضج بعد لتنال حريتها وحقها في اختيار حكامها وممثليها...فالأحرار فقط يدافعون عن البلاد ويذودون عن العباد،أما العبيد فلا يضيرهم ما سيكون!

لهذا اختار الله،سبحانه وتعالى،جزيرة العرب ومكة المكرمة لتكون موطن آخر الرسالات وخاتم النبيين؛فهؤلاء قوم لا يخضعون لفرس،ولا يدينون لروم،وحيث أنهم أحرار وكرامتهم محفوظة وتعززت وتجذّرت وشملت من كانوا فيهم من العبيد والموالي كبلال وعمار بعد اعتناقهم عقيدة الإسلام،فقد حرّروا إخوانهم العرب في البلاد المجاورة بأعداد قليلة من الجند مقارنة مع ما لدى الخصم،فسقط هرقل،وتمزّق ملك كسرى،واستسلم المقوقس،وسلم صفرونيوس بيت المقدس لعمر بن الخطاب؛هذا الرجل صاحب العقيدة التي علمته أن الناس ولدوا أحرارا ولا يجوز بأي حال أن يستعبدوا!

كامب ديفيد..متى تنتهي؟

ما زال البعض يرى بأن الثورة المصرية ليست إلا مخططا أمريكيا بامتياز؛لأن أمريكا-حسب رأيهم- تريد تبديل نظام متعاون بنظام آخر يتميز بالاستقرار وينفذ تعليمات واشنطن،ومن هؤلاء من كان إلى الأمس القريب يرفض أن يصف النظام المنهار بأنه طوع أمر أمريكا،ولطالما تصدروا وسائل الإعلام ليشيدوا بحكمة النظام وحنكة رئيسه السياسية،وحرصه الشديد على مصالح مصر الوطنية ومصالح العرب القومية،واليوم اكتشفوا بأن هذا النظام كان تابعا لأمريكا،وأنها قررت تغييره،فسبحان الذي قلب الحكيم الوطني القومي إلى عميل انتهت صلاحيته!

وحتى يثبتوا صحة تحليلهم المريض لثورة عظيمة دخلت رغم أنف الجميع تاريخ مصر والعرب والمسلمين والتاريخ الإنساني،يطرحون مسألة كامب ديفيد فيقولون بأن المتظاهرين في ميدان التحرير لم يرفعوا شعارات تطالب بإسقاط كامب ديفيد أو شعارات تطالب بتحرير فلسطين،أو شعارات تدين وتهاجم أمريكا وسياساتها بل إن شعاراتهم اقتصرت على مطالب سياسية واجتماعية واقتصادية أبرزها المطالبة بإسقاط النظام.

وللرد على هذه الترهات الصادرة عن فئتين؛الأولى قليلة العدد تهمها مصلحة مصر والأمة ويدفعها الخوف من المستقبل لطرح هذه الفكرة،والثانية لا تؤمن بأن الشعب قادر على التغيير وترى بأن أمريكا تحرك كل ما يجري في هذا الكون «بالريموت كنترول»، للرد عليهم أضع الملاحظات والحقائق التالية:-

أولا: هناك بعد عن الدقة في التعميم على شعارات الثورة العظيمة بأنها كانت خالية من موضوع إسرائيل وأمريكا،فمن ضمن الشعارات التي رفعت كان هناك شعار «لا مبارك ولا سليمان الإثنين عملاء الأمريكان» ورفعت صورة لحسني مبارك عليها نجمة سداسية، وكان هناك شعار«حسرة عليه يا حسرة عليه إسرائيل بتبكي عليه» وغير ذلك من الشعارات المشابهة،رغم أن أغلب الشعارات تركزت على مسألة رحيل مبارك وإسقاط نظامه.

 ثانيا: لا يمكن لأي عالم اجتماع أو مؤرخ متعمّق أو محلل سياسي أن ينكر أن موقف النظام المنهار من إسرائيل وأمريكا الذي وصل حد الاستخذاء المخزي كان عاملا أساسيا في تفجر الثورة الشعبية،فالمصريون شعروا بإهانة كبيرة واستصغار لشأنهم بسبب ممارسات نظامهم الذي ربط نفسه بمصالح أمريكا وتحقيق مطالب إسرائيل الأمنية إلى حد لم تحتمله ثقافة المصريين الوطنية.

ثالثا: قبل الثورة بسنوات و منذ كامب ديفيد بقيت العلاقات مع إسرائيل ذات طابع رسمي ولطالما قيل بأن السلام يتصف بالبرود،ورغم أن إسرائيل استطاعت الحصول على الغاز المصري بسعر لم يحلم به المقبور مناحيم بيغن ،فإن هذا تم من وراء ظهر الشعب ورغما عن إرادته،واستفزت مشاعر المصريين،وشعروا بجرح غائر في كرامتهم الوطنية،ولطالما سعت إسرائيل لإحداث اختراق في الأوساط الثقافية والاجتماعية والأكاديمية المصرية،ولكنها فشلت رغم كل الجهود التي بذلتها،وكان الأفراد الذين يطبّعون العلاقات معها وتحت أي مسمى يتعرضون للازدراء الشعبي،وتتخذ بحقهم اجراءات ضمن أطرهم مثل الاتحادات والنقابات وسائر المؤسسات الوطنية والأهلية،أو يعبر الناس عن سخطهم بطردهم من المقاهي أو الفنادق أو المتاجر والأمثلة كثيرة لمن شاء  أن يتذكر.

رابعا: إن من الحكمة السياسية تحييد أمريكا وإسرائيل قدر المستطاع،ولا ننسى أن عقل الأخيرة طار بدليل تصريحات نتنياهو خاصة الأخيرة،وعودته إلى قرع طبول الحرب مع مصر،لأن النظام البائد كان يستقوي على شعبه الثائر بالخارج،ولا ضير من طمأنة مؤقتة لهذا الخارج لسحب ورقة قوة مهمة كان يلعب بها النظام دوما؛بأنه الضامن الوحيد للمصالح الأمريكية ولأمن إٍسرائيل،وتحت هذه اليافطة فتك بالناس بمنتهى القسوة وازدادت أجهزته تغوّلا ووحشية ودموية.

خامسا: هنا أعود لما بدأت به هذه المقالة وهو حرية الناس أفرادا وجماعات وكرامتهم المصادرة؛أتريدون ممن يعيش في المقابر مع عائلته أن يطالب بتمزيق كامب ديفيد وتحرير فلسطين؟أتريدون من موظف راتبه خمسمائة جنيه أن يفكر في قضايا الأمة وهو لا يستطيع توفير الحد الأدنى من مطالب العيش ولو على الكفاف؟أتريدون ممن لا يرى اللحوم إلا في المتاجر وأكلها يشكل حلما بعيد المنال أن يشتم أمريكا ويلعن إسرائيل؟أم تريدون ممن يتعرض لأبشع وأفظع أنواع التعذيب في مخافر الشرطة ومراكز الأمن بلا ذنب وقد يقتل تحت سياط الجلادين أن يفكر في حرب مع إسرائيل أو التصدي لأمريكا؟إن هذه الشرائح يجب أن تنال حريتها وتستعيد كرامتها وما نهب من ثروة هي في الأساس من حقها قبل كل شيء وعندها ستكرّ،وإلا فحالها كحال عنترة قبل أن ينال حريته!

سادسا: الشعب حي وقد استيقظ ويعرف طريقه وحين يتحرر تماما من قيوده ،وتصبح العبودية من الماضي فإن أي طفل مصري سيمزق معاهدة كامب ديفيد ويلقيها في صندوق القمامة،وسيكون الغاز المصري لشعب مصر وأشقائه دون سواهم وسيتصاعد الغضب تجاه إسرائيل ومن خلفها أمريكا وصولا إلى ما نشتهي ونتمنى ولكن الحرية أولا والحرية دائما.

وبالطبع لا يمكن أن نقتنع أن أمريكا قد غيرت جلدها فجأة،وأصبحت مع الشعوب وحقها في تقرير مصيرها،على الرغم من تصريحات أوباما،ولكن أليس الله بكاف عبده؟ ألا نثق بالشعب بعد حالة اليأس التي كنت أنا شخصيا من ضمن المصابين بها؟ولنتذكر تصريحات هيلاري كلينتون بعد ثورة الحرية في تونس الخضراء بأن حكومة مصر مستقرة،فأمريكا ليست كما كانت؛ولكن بعضا من الناس يتعاملون مع الواقع الجديد كتعامل قوم موسى،عليه السلام،مع وضعهم الجديد بعد أن أغرق الله فرعون و أخرجهم من مصر؛ فالعبودية بقيت كامنة في نفوسهم ومستقرة في عقولهم،حتى نشأ جيل جديد،أو أن حال هؤلاء كحال الجن مع سيدنا سليمان،عليه السلام،حيث لم يصدقوا بأنه مات إلا حين أكلت دابة الأرض منسأته،ويشيع هؤلاء أجواء الإحباط والتشكيك بعد أن امتلأت قلوبنا بالأمل،وأنا لا أقلل من الأخطار المحدقة بمصر ومحاولات اختطاف الثورة ومحاولات الالتفاف عليها من قبل الكثير من المتربصين والمتآمرين،ولكن مهما كان الأمر فإن العودة إلى الوراء أصبحت مستحيلة ،شاء من شاء وأبى من أبى، وبعد الحرية ستطوى صفحة كامب ديفيد،بل ستطوى صفحة تقسيم السودان،وتذكروا دعم النظام البائد لجارانج وحركته،وستقترب نهاية المشروع الصهيوني وما ذلك على الله بعزيز، ولكن الحرية هي كلمة السر،وسيئات الحرية أفضل من حسنات الاستبداد.. فالحرية أولا والحرية دائما.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز