نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
هل تكفـّر الجيوش العربية عن تاريخها القديم؟

اشتهرت الجيوش العربية عبر التاريخ الحديث بأنها كانت مجرد أدوات بأيدي النخب الحاكمة والقوى النافذة تلعب بها ذات اليمين وذات الشمال وتخضع لسلطة الفرد المطلقة، وكانت هذه الجيوش تعمل على حماية الأنظمة القمعية العربية الفاسدة بحيث تحولت مهمتها من حراسة الحدود والأوطان إلى حراسة المصالح الفردية والعائلية للحيتان والضباع والغيلان المتكرشة وشبكات المال والنهب والفساد، وصارت صورة الجنرال والعسكري العربي، لا تختلف كثيراً عن صورة التاجر الجشع " المتكرش" الطماع، ورجل الأعمال الفهلوي النهاب، وصاحب الامتيازات والشركات والوكالات بدل أن يكون "الفارس" الهمام المغوار صاحب الفتوحات والبطولات والأوسمة والصولات والجولات في ميادين الوغى والشرف والقتال.

وصارت المؤسسة العسكرية لا تختلف عن أية مؤسسة مدنية بيروقراطية مترهلة لا عمل لها بعد أن تخلت عن وظيفتها الأساسية في الذود عن حمى الأوطان مجمعاً وموئلاً للحيتان وإدارة "البزنس" والحفاظ على الامتيازات. واشتهرت مصر مثلاً في تاريخها الحديث، وصار الأمر "سـُنـّة" سلطوية هناك، وذلك بانتقال كبار الضباط وبعد إحالتهم إلى المعاش، للعمل كمحافظين، وحكام للأقاليم، في استكمل لمهمة النهب والفساد والإفساد والبيروقراطية وتكريس لصورة القبيحة التي تكرست عن العسكر العرب في التاريخ الحديث، أو إرسالهم كسفراء في الخارجية لإرضائهم وضمان سكوتهم وعدم فضح أسرار وملابسات ما كان يدور في الخفاء والحلقات والدوائر الأضيق للنخب الحاكمة، ولاستمرار مهمتهم الرئيسية في مصهم للمال العام عبر العطاءات والعلاوات والتعويضات والبدلات الضخمة التي كانوا يتلقونها فيما كانت الشعوب الجائعة تبحث عن غذائها في القمامات، ألم يكن من الأفضل استرضاء هذه الجماهير وضمان صمتها وكسب محبتها واحترامها بدلاً من التعويل على صمت وولاء أولئك الفاسدين؟

وتكرست الصورة السلبية للجيوش العربية إبان هزيمة حزيران يونيو من العام 1967، وعدم قدرتها أصلاُ على منع قيام الكيان الصهيوني المغتصب في قلب ما يسمى بالوطن العربي في العام 1948، حيث استطاعت مجرد ميليشيات وعصابات صهيونية من هزيمتها مجتمعة، وفقد المواطن العربي، لذلك، ثقته واحترامه لهذه الجيوش. كما كانت هذه الجيوش العربية مجرد أدوات انقلابية جل مهمتها هي إذاعة البيان رقم واحد، كما فعلت زمرة ناصر الفاشية القومية، التي أدخلت المنطقة في أتون الاستبداد منذ انقضاضها على حكم مصر لتكرس النزعة العسكريتارية البوليسية الأمنية القمعية في ما يسمى بالدول العربية.

 ومن نوادر العسكريتاريا العربية أن اشتهر بعض من رجالات العسكر الكبار في العصر الحديث بكونهم قد تحولوا لقوى ناعمة يعنون بشؤون الطبخ والورد وترتيب غرف النوم ويفهمون في موديلات "التنانير" وأنواع تصفيف الشعر والملابس والأحذية الداخلية النسائية أكثر من معرفتهم بميادين القتال وصناعة التاريخ والرجال. ومن هنا كان ينبغي انضمامهم لمنظمات ونواد وجمعيات نسائية وتعنى بشؤون المرأة والجنس اللطيف، وما يعرف بالاقتصاد المنزلي، أكثر من انتمائهم لمؤسسات تتطلب الفرسان والأبطال من الرجال من أصحاب الشكيمة والبأس والعزم والإقدام.

 ولم يكن ينقص بعض من هؤلاء سوى تقديم استشارات تلفزيونية حول الدورة الشهرية، وأفضل وأيسر السبل وأسهلها لكيفية نزع شعر العانة والأفخاذ والسيقان الجميلة المكتنزة، والحديث عن الطمث، وأنسب أوقات ووضعيات الجماع، فلعمري كان ذلك أجدى من وجودهم على رأس مؤسسات عسكرية اتسمت تاريخياً بوجود رجال أشداء وبواسل فيها. وحين تحدث مثلاً، خالد بن سلطان القائد العام لقوات عاصفة الصحراء، وأدلى بحديثه الشهير لقناة الجزيرة إبان مواجهات "جيش" الماريشال علي عبد الله الصالح مع الحوثيين، ولعب فيها الجيش السعودي دور القوة الغاشمة الوحشية التي قصفت السكان المدنيين "المسلمين" العزل، نقول حين تحدث تحول الأمر إلى فضيحة بسبب جهله المطبق بقواعد النحو واللغة العربية، ناهيك عن جهله المطبق بقواعد وخطط واستراتيجيات وتكتيك القتال، ما وضع عشرات علامات الاستفهام والتساؤل عمن كتب له كتابه الشهير "مقاتل من الصحراء" الذي "وضعه"، والله أعلم، من واقع خبرته كقائد لجيوش الحلفاء التي خاضت حرب الخليج الثانية لإخراج صدام من الكويت، إذ تبين وبما لا يدع مجالاً للشك في ذاك اللقاء الفضيحة بأنه لا يفقه شيئاً لا في العسكريتارية ولا في اللغة العربية غير أنه يبلي بلاء حسناً، وله صولات وجولات، في مجالات عديدة نتركها لفطنة القارئ الكريم وهو أدرى بها مني على الأرجح.

 وكم كانت مشاعر المواطن العربي المسكين تـُسـْتـَفز حين يرى الأوسمة والميداليات والأنواط والنياشين والأوشحة الملونة والمزركشة بالألوان الزاهية التي تزين صدور وبزات الماريشالات والجنرالات، و"العقداء" العرب الكبار، من دون أن يدري كيف تحصلوا عليه، وفي أية ميادين ووقائع وغى، ومعارك شرف نالوها، وكيف وصلت إلى صدورهم ومن قلـّدهم إياها وهل يستحقونها فعلاً، وكثيراً ما كان يحبس آهاته وأناته وتساؤلاته ويحبسها ويكبتها في صدره بسبب ذات "البسطار" العسكري المسلط فوق رأسه. وللموضوعية والحق، لا ننكر أن وجود بعض "الشذرات"، والمعارك والحروب "النادرة" في المنطقة قد عدّلت شيئاً ما من هذه الصورة السلبية عن المؤسسة العسكرية العربية، بشكل عام، في أذهان الناس، فكثيراً مثلاً، ما كان يذكر حسني مبارك الشعب المصري بأنه من قاد ونفذ الضربة الأولى ضد إسرائيل في حرب أكتوبر/ تشرين ثاني من العام 1973.

غير أن التطورات الأخيرة من ثورات الجياع والفقراء المهمـّشين ضد رموز القمع والفساد واللصوص والحرامية النشترية الكبار، قد رسمت وكرست، وبحث، صورة جديدة مغايرة، ومشرفة عن هذه المؤسسة، ولاسيما الموقف اللافت للجنرال رشيد عمار الذي رفض فتح النار ضد الثوار الجياع بأمر من زين النشترية، والتزامها جانب الحياد تقريباً، وعزوفه عن ارتكاب أية "حماقات" ضد جموع المتظاهرين. وإذ كنا لا ننكر عليه هذا الموقف، فلا بد لنا أن نذكر، أيضاً، أنه وبسبب ثورة التكنولوجيا والمعلومات والقدرة الفائقة على توثيق أية جريمة حرب أو إبادة جماعية ضد المدنيين العزل، لم يعد بإمكان أحد أن يرتكب مجازر جماعية دون أن يفلت من الانكشاف والمساءلة والتشهير به في ظل عالم يتعولم على نحو مذهل، ويتضاءل، ويقترب من بعضه بشكل غير مسبوق.

وتردد كثيراً أن ضغط الجيش، وربما تهديده لمبارك، ورفضه العلني التصدي للثوار بشكل وحشي وقمعي، كانت وراء الأسباب المباشرة للتنحي المشين للرئيس المخلوع مبارك. وكم كانت صور الجنود والضباط وهم يعانقون الثوار منظراً باعثاً على الطمأنينة والارتياح والإعجاب الكبير بصورة الجيش الحر الوطني. ليس من قبيل الصدفة البتة أن يتكرر موقف جيشين عربيين حيال ثورات الجياع والمهمشين الشعبية الهائجة ضد نظامين عربيين فاسدين وقمعيين، ومهما تكن العوامل والأسباب الكثيرة والمتعددة التي يمكن التكهن بها وقد تكون وراء هذه المواقف الجديدة، فهي، ولا شك، مواقف نبيلة، ومضيئة ومشرفة تستحق الثناء والشكر والاحترام، وتكتب تاريخاً جديداً لهذه الجيوش، التي لم يكن تاريخهاً، ذات يوم، مشرفاً، على الإطلاق.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز