نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
ما أغنى عنه ماله وما كسب

(سئل النبي محمد عن الحلال إذا كان يذهب أم لا، فقال لهم نعم هو يذهب، وعندما سألوه عن الحرام فقال إنهُ يذهب هو وأهله). آخر ما وجد، من الإمبراطورية المالية لديكتاتور العراق العروبي الفاشي السابق أبو الحفر الجرذونية، مبلغ سبعمائة ألف دولار، تقاسمها الجنود الذين قبضوا عليه، ومات الرجل مشنوقاً مذموماً ملوماً محسوراً فقيراً لا يملك شروى نقير، وذهبت أمواله ومجده هباء منثوراً، وانهارت وتلاشت إمبراطورية الدم والجماجم والدولارات التي شيدها من جوع وآلام الناس، وعاد "على الحديدة"، و"ربي كما خلقتني"، وخسر الدين والدنيا وما فيها.

 وتتكرر اليوم المأساة مع هؤلاء الذين لا يقرؤون التاريخ وظنوا أنهم مخلدون باقون وأنهم أقوى من الزمن ومن قوانين الفيزياء، إذ يستعد ناشطون وحقوقيون في مصر لمحاكمة مبارك وتشليحه كل ما نهبه وجمعه على مدى 30 عاماً، ومنعه من السفر والحجز على أملاكه المنقولة وغير المنقولة، وإعادتها للخزينة العامة المصرية.

وكان زين العابدين بن علي قد فر من تونس بـ"البيجاما"، و"يداً من وراء ويداً من أمام"، وتم الحجز على أمواله كافة وأعلنت بنوك وحكومات، أنها ستعيد كل أملاكه إلى الشعب التونسي صاحبها الحقيق، وجرى اعتقال كافة أقاربه وأقارب زوجته تمهيداً لمحاكمتهم جراء ما اقترفوه من جرائم تجويع وإفقار وسلب ونهب بحق يالتوازي مع ذلك، وصلني من كبير المشاغبين الدوليين، وزعيم منظمة كراهية الزعماء العرب، عدو الأنظمة العربية رقم واحد، والمشاكس و"الإرهابي" رقم واحد المسجل خطراً عند معظم الأنظمة العربية كابتن الجزيرة وهدافها وقلب هجومها فيصل القاسم، بريداً إليكترونيا، نشرته أيضاً على صفحتي على الفيسبوك، وكنت أقول له أنت قاتل للأنظمة العربية مثل الـ"بيف باف"، وكان يجيبني حاشا لله يا رجل فالذباب أفضل منهم بكثير، وكان هذا البريد الإليكتروني عبارة عن صورة فوتو شوب لمجموعة من الرؤساء العرب المخلوعين، وهم يفترشون قارعة الطريق، وبجانبهم سيدة أولى سابقة، نترفع عن ذكر اسمها، إكراماً واحتراماً لهذا المقام الرفيع وليس لها، يتسولون على أحد الأرصفة وهم يحملون يافطة مكتوب عليها: " يخرب بيت اللي يحكم بعد كده"/، والتبرعات بالدولار الأمركي". ولا أخاله شامتاً، في إرسال الصورة وتوزيعها بهذا الشكل الفضائحي، كلا وألف حاشاكم وحاشاه، ولكن ربما من باب إرسال الدعم والصدقة الجارية لهؤلاء الفقراء.

 وفي الحقيقة وبالرغم من السخرية المرة والقاتلة والتهكم الشديد والمبالغة الكبيرة في الصورة، فإنها تحمل في طياتها الكثير من الحقائق كما العبر والحكم التي تؤكدها تجارب وحكم التاريخ مرة تلو الأخرى. فالنهاية المؤسفة والمحزنة، وغضب الجماهير الجائعة، وكرههم لهذه الشخصيات التي بنت حياتها، وعزها ومجدها الزائف المزعوم، على حساب دماء وآلام وأنات وآهات الفقراء وعذاباتهم وحرمانهم وتجويعهم، فاقت كل حدود وتصور ولم يكن أحد يتوقع حجم وطبيعة هذا المخزون الهائل من العداء والكراهية والسخط لهم. لم تجلب تلك المليارات السحت الحرام المكدسة و"الغفيرة" والمهربة والمنهوبة من هنا وهناك، لهم السعادة ولا الأمن أو الأمان، ولم تجنبهم النهايات الكارثية، أو تجلب لهم الاستقرار وراحة البال والخلود والديمومة في الحكم، والأهم من هذا وذاك أنها لم تجلب لهم احترام وحب الناس ورؤوا بأم أعينهم في استفتاءات الشوارع الحرة، ل المفبركة، حجم الكراهية والحقد التي يكنها الناس لسارقي قوت الشعوب ولقمة عيش الأطفال وحليبهم وابتساماتهم، ومجوعيهم، وقد طردوا شر طردة ونزلوا من عليائهم لتعفر بالتراب والوحل جباههم وكراماتهم وهاماتهم.

ما كنا وبكل صدق، ولدواع إنسانية وأخلاقية بحتة، نتمنى هذه النهايات الحزينة والمفجعة لقادة كبار من الصف الأول مما يسمى، زوراً وبهتاناً، بالوطن العربي، أن يطردوا ويعزلوا بهذا الشكل المهين وغير اللائق، ويلاحقوا قانونياً، ويحجز على أموالهم، ويمنعوا من دخول أية دولة في العالم باستثناء مهلكة القهر الظلام والإرهاب، ويتحولوا فجأة وبين ليلة وضحاها من VIP، إلى Persona Non Grata ، وإلى أهداف ومرمى للسب والقذف والسخرية والتهكم في الشارع العام. الغنى، كما قالوا، غنى العقل والأخلاق، والسمعة العطرة، والأعمال الحميدة والبر وخدمة الناس وحبها ووفاؤها والتي هي أكبر ثروة يجمعها الإنسان في حياته، وأكبر كنز يعثر عليه في حياته، ويتركه من بعده كأفضل ورثة، وتركة يتركها لأبنائه وللتاريخ وكم من رجال عظام أبرار في التاريخ يسجد الإنسان أمامهم بخشوع ووقار وكم من أسماء لا تثير في النفس إلا مشاعر القرف والاشمئزاز و"البصاق"، وهذا ما فعل بهم الجشع والطمع والنهم والسلب والنهب اللا محدود، فبالرغم من ثرواتهم الخرافية لا يجدوا من يلوح لهم، ويودّعهم، حتى ولو مجاملة بتحية الوداع، وقبلة عابرة في الهواء تعبر عن الوفاء والحب والاحترام، وأصبحوا في حال يرثى لها، وموضع شفقة ولفتة حنان من هناك واستجداء كي تصفح وتعفو عنهم جموع الجياع.

 أثرياء ولصوص وحرامية وسرسرية العرب الكبار يجنون أسوأ ثروة، فهم يتمتعون اليوم بغضب واحتقار وازدراء الشارع العربي بطوله وعرضه وهذا هو كل ما جلبته لهم هذه الثروة والعمل في المجال العام إذ ليس من العدل ولا الدين أو الأخلاق أن يعيش المرء على حساب سعادة وراحة وتجويع وحرمان الناس ومهما ادعى من مبررات واختلق من أسباب، والدليل هذا الغضب الجامح الذي يسري في الشارع ضدهم. فهل هذا ثراء وغنى لهم أم فقر وإفلاس؟ وهل أغنتهم هذه الأموال، وهل جعلت منهم أناساً محترمين أم مجرد طريدي عدالة وبؤساء ينامون ويصحون على هاجس الملاحقة القانونية والحساب العسير حساب الشعوب والتاريخ؟ أما كان من الأفضل لهم لو كدسوا وجمعوا وراكمو حب الناس واحترامهم بدل هذه المليارات التي يبدو أنها لا تنفع ولا قيمة لها وستعود قريباً للشعوب أصحابها الحقيقيين.

 ألم يكن حب الناس ووداعها اللائق لهم أقوى من كل جنود الأمن المركزي وأمضى من كل الأسلحة والأجهزة التي خذلتهم في هذا اليوم الأسود الذي لا ينفع فيه لا مال ولا بنون؟ هل تأكد لهم بعد هذه التجارب المرة والقاسية والفضائح المجلجلة والمدوية، أنه حين يجد الجد، لا قيمة البتة للمليارات، وهناك كثير من الأشياء لا تستطيع ملياراتهم كلها أن تشتريها وهي الأمان والسمعة الطيبة ومحبة الشعوب والناس وحكم التاريخ العادل، والقاسي، والذي لا يمكن تزويره واللعب به على الإطلاق.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز