نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
زمن المهمشين: لا صوت يعلو على صوت الصامتين

مر خطاب الرئيس المصري "المعزول" حسني مبارك بصمت ولم يلتفت إليه أحد، ولم يعبأ أحد بما كان يقوله و"يهذر" به من كلام أمام عدسات الإعلام الذي كان في مكان آخر، فيما ذهبت تصريحات وزير إعلامه المزمن، صفوت الشريف، أدراج الرياح، ولم تلق أي بال في الشارع الثائر المائج الهائج الغاضب، الذي كان صوته يعلو، ولا يعلى عليه، ويهدر على بقية الأصوات، وكان العالم كله يراقب هذا الصوت المدوي مدهوشاً ومذهولاً، هذا الصوت الذي اختزل عقوداً، ودهراً طويلاً، من الإقصاء، والتعتيم، والتكميم، والإلغاء.

 لقد أذهلت الشعارات واللافتات، والخطابات التي كانت تنطلق مع هدير المتظاهرين جميع المراقبين، بسخطها وغضبها وحدتها وتطرفها اللفظي وعمقها الدلالي، وهذا ما فاجأ النظام الرسمي العربي الذي لم يكن يسمع سوى خطاب المتزلفين والمتملقين والمأجورين الذين "أودوه في ستين داهية"، ولو استمع هذا النظام منذ البداية لهذه الأصوات المهمشة والمجروحة في صميمها وقلبها، لما رأينا أصنامه الكبرى وفراعنته المخلدين تتهاوى بنقل حي و"على الهواء مباشرة"، الواحد تلو الأخرى، بتراجيدية محزنة، أين منها أبطال تراجيديات أثينا وروما. فحسب قوانين الفيزياء السياسية، كلما كان الفعل شديداً كلما كان رد الفعل أكثر شدة وقوة، ومن هنا فكلما كان الاستبداد والقمع مرعباً وأشد دموية وقهراً كلما كانت الثورة أكثر جرأة وقوة واتساعاً وشمولاً.

 وكلما كان الجوع مزمناً والفقر مدقعاً كلما كانت الصرخة أكثر دوياً، وكلما كان الجرح أعمق وأكثر ألماً كلما كانت الأنـّة أعلى وأكثر إسماعاً. وهذا بالضبط والحرف ما نراه اليوم في شوارع القاهرة وكما رأيناه في شوارع تونس، بالأمس. لا صوت يعلو على صوت الشارع اليوم، ولن تستطيع قدرة في العالم أن تسمره وتسكته، وتوقف زحفه ليصل إلى كل تلك الأسماع والآذان التي صمـّت نفسها عنه لزمن طويل ورفضت أن تستمع له، وتنصت إليه وتستشعر مطالبه وتمتثل لرغباته أو حتى تعرف ماذا يريد، فأصبح هذا الصوت، وبفعل قوانين الفيزياء السياسية التي لا ترحم، قوة هادرة تطيح بالعروش وتخرج أصحابها بتلك الطريقة المهينة والجارحة لرموز النظام الرسمي العربي المستبد، الذي لا يعرف حتى الآن كم من رموزه سيحضرون مؤتمر "الغمة" (لايوجد خطأ إملائي ها هنا)، المزمع عقده في بغداد، في آذار/ مارس المقبل، إذا ما استمر تسونامي الشارع العربي في التدفق نحو الجزر "الأمنية" العربية الأخرى.

لقد وفرت التكنولوجيا الحديثة، وثورة الاتصالات سبلاً وأدوات لا متناهية، ولا محدودة من القدرة على التعبير وتوصيل الرأي، وتخطي كل الحواجز والعوائق التاريخية التي وضعتها أنظمة التشفير والإخفاء، ولم يعد بمقدور أحد احتكار الكلمة، وهذه واحدة من الحقائق اليومية التي بات على النظام الرسمي العربي التعامل معها بجدية وواقعية وعدم إهمالها والقفز من فوقها. واستلم الضارع اليوم زمام المبادرة، وأصبح كل ذاك الكلام والخطاب الذي لم يكن النظام الرسمي العربي المتكاذب والمرائي وأدواته المأجورة ومرتزقته يودون سماعه، أصبح في متناول اليد، ومكشوفاً أمام الجميع.

 أعمت الثروة وجشع الطبيعة الإنسانية حيتان النهب، وجرفتهم غطرسة القوة والتصورات البلهاء الخاطئة إلى حتفهم الأكيد، وأخذهم الاستبداد المطلق إلى نهايتهم وقدرهم الوحيد، وكان الاستئثار والاحتكار وسياسات التهميش والقهر و"التطنيش" هو ذات السلاح الذي صوبه النظام الرسمي العربي على صدره العاري اليوم، فيما ظهرت حقيقة الدعم الغربي لفراعنة النظام الرسمي العربي على حقيقتها وأنها لم تكن سوى مصيدة وفخاً.

 نعم لقد أخذ هذا النظام الرسمي العربي فرصته الكاملة في الحديث والكلام والبطر والفجور على هواه، ولم يترك مناسبة تمر إلا وأطنب فيها بالحديث والكلام والاستشعار ومدح الذات والتغزل بالمنجزات الكاذبة والسياسات الفاجرة والعاهرة التي قذفت بعشرات الملايين من أبناء هذه المنطقة المنكوبة إلى قيعان الفقر والبؤس والتجويع والإفقار والدمار. ولقد كانت السياسات الرسمية المتبعة، والاستراتيجيات الإعلامية الكبرى وخطط وزراء الإعلام العرب تدور حول محور واحد هو تهميش الغالبيات المسحوقة، وتكميم أفواهها ومنع الهواء والأوكسجين عنها وسحق أية حشرجة تصدر منها، كي لا تزعج تلك الحشرجات المكبوتة والأنات الموجوعة أصحاب الفخامة والسمو والمعالي والجلالة والعظمة في أبراجهم العاجية المعزولة عن الشارع.

 من يقرأ اليوم مطبوعة رسمية عربية، ومن يتابع إعلام التجهيل والتعتيم والتلفيق، فكل الأفئدة والعيون شاخصة إلى الشارع والأسماع تنصت لما سيقول؟ وحقيقة، لم يعد أحد اليوم يريد سماع الصوت الرسمي العربي الذي يعرف الجميع مضمونه وماذا يريد، ولم يعد كلامه مصدراً لأية أهمية فاليوم، واللحظة، والزمن، هو زمن المهمشين الذين صمتوا دهراً ونطقواً درراً، وقولهم هو القول الفصل، وصوتهم هو صوت الضمير والعقل، ولا صوت يعلو على صوتهم، فعلي الجميع أن يسمعوه، حتى وإن كان لا يروق لكثيرين.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز