Mudar Zahran / مضر زهران
mudar_zahran@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 May 2010

خبير اقتصادي وكاتب -باحث في درجة الدكتوراة مقيم في لندن

 More articles 


Arab Times Blogs
ملك الأردن لم يستوعب الدرس و نهاية النظام قادمة

 في خضم الإنقلاب الدرامي للأحداث، والتسونامي السياسي الذي بدأ في تونس وتكرس في مصر، أصبحت كافة الأنظمة العربية تتحسس رأسها، بحيث أصبحت كافة الشياطين المختبئة في كوابيس الحكام العرب تطاردهم، من إنتفاضة الشعب إلى الاعدام شنقا بسبب الجرائم المتنوعة. في مقابلة مع محطة السي أن أن في الساعة التاسعة والنصف صباحا يوم 30 كانون الثاني 2011، قال المرشح الرئاسي السابق والسناتور الجمهوري جون ماكين بأن الولايات المتحدة ليست بمجبرة على دعم أنظمة دكتاتورية كمصر والأردن.

 لم يتوقف الأمر عند جون ماكين، فبعد مقابلته مباشرة ظهرعلى نفس البرنامج السيناتور تشك شومر عن ولاي نيويورك وأكد نفس مبدأ ماكين ذاكرا الاردن ايضا. بالطبع أحس الملك عبدالله الثاني بالقلق من هذه التصريحات في مثل هذا التوقيت، خاصة وأن أبو هول الدكتاتورية العربية الأكبر، حسني مبارك، يسقط من عليائه وملاين المصريين يطالبون بإعدامه. فالمفهوم الأهم الذي جلبه المد القادم في مصر هو أن علاقة أي حاكم عربي مع الولايات المتحدة لن تحميه في حال حاول شعبه الإنتكاص ضده، خاصة وأن الأردن بلا ريب لا يكاد يصل إلى الحد الأدنى من أهمية ووزن النظام المصري المتهاوي حاليا، لا سياسية، ولا أمنا ولا قوة ولا اقتصاداـ بل أن النظام الأردني لا يملك تأمين موارده المائية- لذلك فإن حالة الرعب والذهول التي يعيشها النظام الأردني الحالي هي بلا ريب حالة مثيرة للشفقة.

 إلا أن الملك الأردني لا يبدو أنه قد فهم الدرس التونسي الطازج ولا الدرس المصري الذي يتم بثه حيا على الهواء. فالأمريكيون الأن ليسوا مستعدين أن يعادوا الشعوب إن ما هي قررت التخلص من حكامها، إلا أن الأمر المشترك بين كافة الأنظمة الدكتاتورية تاريخيا هو تشابهها في التعاطي مع الأمور. فالتعنت والأصرار على نفس النمط كان هو القاسم المشترك الأكبر لبن علي تونس ومبارك مصر والأن عبدالله الأردن. في محاولة للهرب إلى الأمام، وبعد ما يشاع في واشنطن نفسها عن جلسات تكاد تصل حد التوبيخ من قبل الأمريكين للحكومة الأردنية، بشأن تعاطيها مع اغلبية شعبها من الأصول الفلسطينية شملت ذكر حادثة إعتداء الدرك على جمهور الوحدات، كالعادة حاول النظام الأردني الهرب للأمام بتعيين حكومة جديدة. المضحك في الأمر أن رئيس الحكومة الجديدة هو رئيس الوزراء السابق معروف البخيت.

 معروف البخيت يمثل المؤسسة المحافظة العابدة للعرش بصيغتها الفوقية التقليدية ، فهو إبن المؤسسة العسكرية منذ كان عمره 20 عاما (والرجل الأن قد جاوز الستين) عمل مستشارا في دائرة المخابرات العامة، وهي المعروفة بكونها وكر الخطاب المتصلب المحافظ ومقتل الديمقراطية في البلاد. فالبخيت تقليدي محافظ بطبعه وصنعه، كذلك فإن البخيت خرج على الأردنين قبل فترة وجيزة بخطاب يقترح فيه "إصلاحا شاملا" في فترة "ثلاثين عاما". بالطبع بعد ثلاثين عاما قد لا يكون البخيت على قيد الحياة، وحسبما يحلم البخيت سيكون ولي العهد الأردني الحالي في سدة الحكم وسيكون احفاد البخيت وغيرهم من رجال الدولة جاهزون لاستلام منصابهم الجديدة، فالبخيت يريد أن يطلق "عملية إصلاح" وكلمة "عملية" هي مفهوم خطر نبه إليه الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل في إحدى حلقاته على قناة الجزيرة في شهر حزيران من العام 2004 حيث أشار إلى أن هذه الفكرة في عالم السياسية تشيرإلى إستهلاك الوقت في عدم عمل شي بدلا من عمله. فالنظام الأردني يحاول أن يشتري الوقت وأن يتخلص من إستحقاقات الديمقراطية وإشراك الشعب في الحكم بنفس الحيل القديمة التي اتبعها النظام منذ عقود.

 بالطبع قد تكون هذه هي نصيحة المستشارين المحيطين بالملك والذين معظمهم هم من الحرس القديم أوأبناءهم أو من المخابرات الأردنية والتي كانت دوما الحاكم الحقيقي للبلاد، مثل هؤلاء إستفادوا من الوضع القائم عقودا ومن مصلحتهم أن يبقى الوضع على ما هو عليه، حتى لو صل الأمر بالأردن إلى أن يصبح دولة معزولة وفاشية كشمال كوريا، والتي ذمها الملك يوما ما على صفحات النيويورك تايمز! إن مثل هذا الطرح الكوميدي،" ثلاثون عاما للتغير"، يشير إلى أن الملك لم يستوعب الدروس القائمة حوله، فهو من حيث المبدأ لم يدرك أنه لا يمكن توقع مخرجات مختلفة لنفس المدخلات، فما يفعله الملك بمثل هذه الرقصة السياسية المكشوفة هو عملية GIGO: Garbage In, Garbage Out. فإذا كان هدف الملك حماية عرشه، فإن هذه القفزات البهلوانية المملة لن تصنع له ذلك.

 فالملك ومستشاروه لا يدركون ان الموازين اختلفت وأن حاجز الخوف قد كسره التوانسة والمصريون لبقية الشعوب العربية، وان أمريكا والغرب أصبحا أكثر إستعدادا لأن يتقبلا ثورات الشعوب، ففي مقاله الأخير، المفكر الأمريكي دانيال بايبس، وهو من منظري السياسية الامريكية المحافظة، يطرح فكرة تغييرالأنظمة كبديل مثالي عن إستعداء الشعوب وجلب ما أسماه "بالراديكالية" لها. هذا الخيار الامريكي والذي دفع الأمريكين للإستغناء عن مبارك مصر خلال أيام سيكون هو نفسه ما سيدفعهم للإستغناء عن عبدالله الأردن خلال بضع ساعات، أو ربما دقائق. ايضا فإن الملك لا يبدو أنه يدرك أن أهم ما يعني الامريكين وغيرهم في الشأن الأردني هو قلة الديمقراطية والحكم الدكتاتوري كتهديد لمصالح الولايات المتحدة نفسها، فكافة تقارير وزراة الخارجية الأمريكية والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان وكذلك التقارير الإعلامية والدراسات الأكاديمية باتت تتحدث عن منحى أهم في السياسية الأردنية، ألا وهو التمييز العنصري والإضطهاد الممنهج للأردنين من اصل فلسطيني، بالطبع كان النظام الأردني عبر العقد الماضي يروج للعالم نظرياته المختلفة في قوالب جاهزة حول أن "النظام يسعى للوحدة بين الشعب والمساواة بين المواطنين"، إلا أن الأمر لم يعد ينطلي على أحد، لا على الأمريكين ولا على الأغلبية الفلسطينينة في الأردن (والتي كانت قد صدقت نبرة النظام العاطفية في بداية الأمر)، ولا على الشرق أردنين الذين باتوا يدركون أن الفلسطينين ليسوا اعدائهم ولا سبب شقائهم بل مؤسسة العرش نفسها.

 فالفلسطينين هم ليسوا الوحيدون في الأردن الذين لا يصدقون النظام، فالشرق أردنيون هم ايضا لم يعودوا يصدقون النظام، فالمواطن الأردني من أصل شرقي يعيش ظروف إقتصادية مزرية، وتضحيته بحياته المهنية في الوظائف العسكرية المخلفة حرمته من التكيف مع الغلاء وجعلته يستجدي الزيادة المتواضعة في الرواتب والتي يروج لها النظام على انها مكارم وصدقات ملكية، إلا أن النظام لا يدري بمقدار إمتعاض الشرق أردنين منه، فتماما كما كان الشأن مع حسني مبارك وبن علي، فإن مستشاري الملك لا يمكن ان ينقلوا إلى الملك حقيقة غضب الشرق أردنين، فهم لديهم قصة واحدة يرونها، ألا وهي ان النظام له عدو واحد هو الأردنين من أصل فلسطيني ، في حين أن القادرون فعلا على إيذاء النظام هم ليسوا الأغلبية الفلسطينية المعزولة سياسيا والساقطة عسكريا بل من هم الأعلى يدا والأشد قدرة على النظام و هم الشرق اردنيون والذي لا زال النظام يتوهم أنهم في غاية الرضى عنه.

 فلا يخفى على احد أن معظم محركي المظاهرات الحالية هم من الشرق أردنين، وكذلك قياداتها والمدن التي خرجت منها، فالفلسطينين لم يخرجوا خوفا من النتائج وفي نفس الوقت إمتدادا لحالة الإحباط التي يعيشونها منذ عقد كامل من الحرمان السياسي المجحف. إن الملك لا يدرك أن محاولته للقيام بعمليات شكلية، مبنية على الكلمات الفضفاضة والوعود المعسولة، لن تجدي نفعا هذه المرة، كذلك فإن الملك لا يعلم أن غضب الفلسطينين على النظام واسع جدا، مثل هذا الغضب يجعل الأردن مفتوحا على أي مواجهات ممكنة وقابلا للخضوع لأي إحتملات سياسية وعسكرية قد تشمل طرفا ثالثا أيا كان. على سبيل المثال، تسرب إلى الصحافة الدولية تقرير في العام 2010 أشار إلى أن أرييل شارون رئيس الورزاء الإسرائليي السابق كان قد أعد خطة واضحة لإحتلال الأردن وتثبيت دولة فلسطينية هناك، ففكرة كون الأردن وطنا للفلسطينين أصبحت الأن ممهدة تماما بفضل أفعال النظام الأردني، سواء بسحب الجنسيات أم بتضييق الخناق على الفلسطيني سياسيا واقتصاديا، فالعالم الأن لديه كل حجة لإنهاء النظام في الأردن وتثبيت الحكم للفلسطينين، خاصة وأن ساسة الفلسطينين أثبتوا أنهم قادرون على حماية أمن إسرائيل ومصالح الولايات المتحدة وغيرها من الدول العظمى كما هو حال السلطة الفلسطينية والتي ثبت بالوثائق أنها كانت شريكا مريحا للإسرائيلين في حين أن الأردن كثيرا ما ينسى حجمه الحقيقي عند التعامل مع إسرائيل وامريكا. كذلك، فإن الفريق نافاه، الذي استلم قيادة أركان جيش إسرائيل، هو نفس الرجل الذي قال أمام الإعلام العالمي عام 2006 أن الملك عبدالله قد يكون أخر ملوك الاردن، ولعل نافاه لم يكن يتكلم عن تنبوء بقدر ما كان يتكلم عن سياسة.

 مثل هذه السياسة لا يدرك النظام ايضا انها سنكون حلا مريحا للفلسطينين، والشرق أردنين الإسرائيلين والأمريكين وغيرهم من مبدأ الخلاص المشترك! كذلك، لا يدرك الملك ولا رجال النظام أن من يتطلع إلى بطولات التوانسة والمصريين هو ليسوا الشرق أردنين فقط، بل ايضا الفلسطينين الذين لم ينبسوا ببنت شفة حتى الأن ولم يشاركوا في المظاهرات بنفس النسبة التي إشترك بها أخوتهم الشرق أردنيون. فسبب عدم مشاركة الفلسطينين هو الخوف من قمع أجهزة الامن الأردنية المعروفة باضهدها المتعمد للفلسطينين (حسب التقارير والدراسات الدولية المختلفة) ، إلا ان الغالبية الفلسطينية تتوق لمشاركة الشرق اردنين في الإحتجاج على النظام، فالفلسطيني بطبيعته ليس خانعا وليس سهل المراس، فعدما تأتي الساعة المصرية أو التونسية سيكون الغضب الفلسطيني المنبعث في وجه النظام هو اكبر واشد ايلاما من اي شيء حصل في تونس أو العراق أو حتى رومانيا السابقة.

 ايضا، فإن ما فعله النظام في إقتصاد البلاد قد تجاوز مرحلة الإصلاح، فالنظام لا يعتمد على مشورة الأقتصادين كما يعتمد على مشورة العسكر، هؤلاء لا يفقهون اكثر من السيطرة والقوة، فالنظام لا زال يعتقد أن البقرة الفلسطينية الحلوب تستطيع أن تتحمل تكاليف النظام الباذخة وتكاليف حاشيته، ولا يعلم أن الفلسطينين في الاردن وصلوا إلى القاع وباتوا غير قادرين على أن يؤمنوا أسس الحياة الرئيسية لأنفسهم وأسرهم، فلم يبق لديه من شيء يقدمونه للنظام، مما يحتم إنهيار إقتصادي قادم، سيكون ثمنة سياسيا مفرطا.

 إن النظام الأردني يعيش الفصل الأخير من عمره، سياسيا: فقد قيمته ووزنه واصبح عنصر تنغيص ذهابه سيريح الفلسطينين والشرق أردنين بل والأمريكين والإسرائيلين أيضا، أما إقتصاديا: فالنظام مفلس وفي نفس الوقت غير مستعد أو قادر على كبح جماح إنفاق المؤسسة الحاكمة وبذخها، ولا إنفاق المؤسسة الأمنية الذي يتجاوز ثلث ميزانية الدولة برقم خيالي يصل إلى حوالي الثلاثة مليارات دولار سنويا، أم أمنيا: فالنظام هو الحلقة الأضعف أمام العشائر الأردنية التي ما عادت تصدق أكذوبة النظام بأن الفلسطيني هو عدوها الأكبر وسبب شقائها وفقرها. ما ليس في حسبان النظام الأن هو أن عمره أقصر بكثير مما يتوقع هو ، فلكل ما تقدم أرى إحتمالية سقوط النظام الأردني بالكامل وبتعاون بين شقي الشعب، الأرني والفلسطيني وبمباركة صريحة من الغرب. إن الأولى بالنظام الأردني ليس التفكير بطرق البقاء في السلطة لمدة أطول، بل التفكير بطرق الخروج الأمن إلى منطقة "سوراي" الفاخرة على اطراف لندن.







Design by Arab Times ... All rights reserved
Materials published by Arab Times reflect authors' opinions and do not necessary reflect the opinions of Arab Times