نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
هل دخل العرب التاريخ أخيراً؟

فاجأت الثورة التونسية المباركة التي أزاحت طاغية تونس الفار من وجه العدالة ومن غضب الشعب، المراقبين وجميع المتابعين لشؤون المنطقة باتساعها، وقوتها وسرعتها، ولم يكن أكبر عتاة التنظير الثورة يتخيلها، وأرخت هذه الثورة لحقبة جديدة في تاريخ المنطقة الذي لن يكون بالتأكيد كما سابق عهده وقبل اندلاع تلك الثورة.

 بالتوازي، ثمة ثورات كبرى في التاريخ البشري كانت علامات فارقة، ونقاط ارتكاز، ومنارات في هذا التاريخ، وشكلت نقطاط تحول كبرى في هذا التاريخ ودخلت من خلالها البشرية حقباً جديدة لم تعهدها من قبل ومختلفة عن سابقاتها. وإذا كان لكل ثورة كبرى في التاريخ بدءً من ثورة العبيد في روما، حيث كان سبارتاكوس رمزها الوحيد وملهمها، مرورا بثورة قرنسا وروبسبير، والأمريكية التي تجسدت بشخص جورج واشنطن، والثورة الروسية ورمزها لينين، والعهد الجمهوري البريطاني برمزه الأسطوري كرومويل، وليس آخراً مع الثورة الإيرانية ضد رمز الطغيان الشاهنشاه، برمزها المعروف الخميني، ومع التحفظ طبعاً على المضمون الإيديولوجي والبعد الأسطوري لهذه الثورة التي تحالفت بداية مع حزب تودة الشيوعي، وجماعات اليسار الإيراني الأخرى والنخب المجتمعية المختلفة ممثلة بأبي الحسن بني صدر، لتقصيهم جميعاً عند أول مناسبة، ليستلم التيار الراديكالي الديني دفة الأمور لتؤسس لجمهورية الولي الفقيه الـ Supreme Jurist. رب ثورة من غير ميعاد وفي نفس السياق، يمكن القول بأن ملهب ثورة تونس وصانعها ورمزها الكبير هو محمد البوعزيزي البائع البسيط، غير المؤدلج أو المتحزب، وهنا سر عظمتها وسحرها الأسطوري الثوري الكبير، فلم تأت هذه الثورة على يد النخب السفسطائية المتكلسة إيديولوجياً، ولا تلك الأحزاب السياسية الهرمة الغارقة في فسادها الإيديولوجي وخلافاتها الأبدية المزمنة.وها هي اليوم أيضاً الثورة المصرية ورمزها الكبير الرغيف الذي دفع بالجموع للخروج إلى الشوارع معلنة غضبها، وصرختها التي هزت عرش الفرعون، أول وآخر فرعون، في السلالة الفرعونية التي حكمت مصر منذ 6 تشرين أول/ أكتوبر وحتى اليوم. لقد كان رغيف الخبر، في حال الثورة المصرية هو الباعث الأأكبر عليها، ولا علاقة لأي بعد سياسي أو إقليمي أو بطولات وترهات وعنتريات "قوموية" أخرى بالموضوع كما حاول بعض جهابذة التزوير والتلفيق في تفسير أسباب الثورة المصرية. فالناس تريد الخبز أولاً، ولا يهمها من كان في قصر السلطان وماذا يدور هناك من أحابيل وألعاب، والشعوب قد شبعت تجارة وكذباً وشعارات لم تجلب سوى هذه الحالة المؤرقة والمخيفة من الاحتقان والتأزم والانفجار.

وفي الحقيقة كانت روح اليأس والهزيمة تسيطر على الشارع الممتد من طنجة إلى الكويت بشأن الأوضاع البائسة وحالة الخمول والكسل والتبلد التاريخي الذي أصاب شعوب المنطقة الناطقة بالعربية. وكانت شعوب المنطقة تصور على أنها شعوب مطيعة مدجنة مستكينة وخانعة لجلاديها ولصوصها وسائسيها، وأن لا أمل في هبة ونهضة هذه الشعوب التي أدمنت الخنوع والاستبداد. وساهمت ممارسات القمع والإقصاء والتهميش والاحتكار التي اتبعتها النخب المتسلطة على رقاب الشعوب في تكريس تلك الروح وتعميقها وتجذيرها في العقل الجمعي العام. ولاسيما بعد أن فشلت جميع مشاريع الإصلاح وتعرقلت كل الخطوات باتجاه الحداثة والتنمية والتحرر الاقتصادي وتحقيق الرفاهية والازدهار لشعوب المنطقة قاطبة، التي تتشابه في نمط الإنتاج السلطوي، ومفرزاته المجتمعية ومنعكساته الاقتصادية، التي دفعت بعشرات الملايين نحو قيعان الفقر والبطالة والجوع والأمية والفقر.

 نعم، يمكن القول والاستخلاص، وأياً تكن مفاعيل واتجاهات الثورات الحالية وحتى تتبلور اتجاهاتها وهوياتها ومساراتها القادمة التي لا يمكن التنبؤ بها إذ أن هناك فترات انتقالية ومناطق رمادية في كل ثورة وعهد انتقالي وقد تتطلب هذه الهزة السياسية، وكما هو معروف، وطبقاً لقانون الفيزياء السياسية، زمنا حتى تستقر وتهدأ وتأخذ شكلها النهائي، نكرر يمكن القول بأن شعوب المنطقة قد دخلت التاريخ من أوسع أبوابه، وسيؤرخ لتاريخ المنطقة منذ اندلاع الثورة التونسية، وما بعدها، وستشكل بداية لحقبة جديدة ستفرز مفاهيماً وقيماً وتصورات ورؤى جديدة وطرق معاجلة وتعاملات على كافة الصعد والمجالات. وهذه هي الثورات الحقيقية بتعريفها الأكاديمي المحض، التحول الجذري والانقلاب الكبير في القيم والمفاهيم ونمط الإنتاج الفكري. يحق اليوم للثورة التونسية والثورة المصرية، أن تقف، وبفخر، وجنباً إلى جنب مع كافة الثورات الكبرى في التاريخ، مع ثورة العبيد السبارتاكوسية، وعلى قدم المساواة الواحدة مع الثورة الفرنسية، والأمريكية، والروسية وغيرها من الثورات الكبرى التي غيرت وجه التاريخ.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز